بسم الله الرحمن الرحيم

                { يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }

لا شكَّ أنَّ الإنسانَ كائنٌ مُفكرٌ بفطرتِهِ، وقَد كرّمَهُ الباري تعالى على سائرِ الكائناتِ بأنْ منحَهُ نعمةَ العقلِ الذي هو أداةٌ للتفكيرِ، وبه يميّزُ ما بين الحقِّ والباطلِ في الأقوالِ، وما بين الخيرِ والشرِّ في الأفعالِ.

والتَّفكيرُ – كظاهرةٍ طبيعيةٍ – محكومٌ بسلسلةٍ من القوانينِ الطبيعيةِ، وقَد سَعى الحُكماءُ منذُ زمنٍ بعيدٍ لاكتشافِ هذهِ القوانينِ ومبادئِها الأوليةِ، وقامُوا بتَصنيفِها وتبويبِها في صناعةِ المنطقِِ، وعلى أساسِ تلكَ القوانينِ بَنَوا صَرحَ الحِكمَةِ والمعرِفةِ الإنسانيةِ.

وبِطَبيعَةِ الحالِ فإنَّ مثلَ هذهِ القوانينِ العقليةِ الصارِمةِ لا تروقُ لكثيرٍ من السفسطائِيينَ والانتِهازيينَ مِمَّنْ يَسعى للسَّيطَرةِ على عُقولِ البشريةِ واستِغفالِها وتَوجيهِها بِما يُمكِّنُهم مِن تَحقيقِ مطامِعِهم السياسيةِ والدنيويةِ واستغلالِ ثرواتِ الشُعوبِ.

مِن هُنا  كَرَّسَ أعداءُ العَقلِ والحكمةِ ـ منذ ذلكَ الحينِ وإلى يومِنا هذا  ـ  مُعظَمَ إمكانياتِهم في إنشاءِ أجيالٍ ـ ممّن يُحسَبُ على الفِكرِ والثقافةِ ـ وتَعبأتِهِم لفتحِ سجالاتٍ عقيمةٍ وإدارةِ صراعاتٍ فكريةٍ هامشيةٍ، الغرضُ منها التشويشُ على هذهِ القوانينِ والتشكيكِ بها والتقليلِ من أهميتِها؛ وإيهامُ عدمِ جدوائِيَّتِها والتحريضُ للتمردِ عليها، محاولينَ استبدالَهِا بقوانينَ ومناهجَ أُخرى لا تنسجِمُ والفطرةَ السليمةَ والطبيعةَ الإنسانيةَ.

وبِفعلِهم هذا  أوقَعُوا البَشريَّةَ في مستنقَعٍ مِنَ التَيهِ والفَوضى المَعرفيةِ، وقدِ انعكسَ ذلكَ كُلُّهُ على البناءِ الفكريِّ الإنسانيِّ وأوجدَ إرباكاً عقائِدياً ودينياً، الأمرُ الذي أدّى إلى ضَياعِ الحقيقةِ، ووقوعِ الصراعِ والتناحرِ الفكريِّ بينَهُم، وبالتالي فقد جرَّ ذلكَ إلى حروبٍ وويلاتٍ مريرةٍ على مرِّ التاريخِ.

ولم تُسْتَثْنَ ساحتُنا الثقافيةُ العربيةُ والإسلاميةُ من هذا الصراعِ الفكريِّ المُحتدمِ ، وها هيَ اليومَ  تعيشُ آثارَهُ ومُخلَّفاتِهِ على كافةِ المستوياتِ، فالقارئُ للمشهدِ العربيِّ الإسلاميِّ يجدُ بوضوحٍ حالةَ الضياعِ الفكريِّ والتمزُّقِ الطائفيِّ والمذهبيِّ، الأمرُ الذي لم تَنفعْ مَعَهُ كلُّ محاولاتِ التقريبِ والترميمِ.

ولا زالَتْ أمَّتُنا العربيةُ والإسلاميةُ تَتَعرَّضُ لِسهامِ أعداءِ الإنسانيةِ، والذين استهدفوا بسهامِهِم جميعَ المباني العامةِ للفكرِ العقليِّ الأصيلِ على المستوى المعرفيِّ والفلسفيِّ والأيديولوجيِّ.

وانطلاقاً مِنْ حِرصِنا الشديدِ ـ كَمُتخصصينَ في العلومِ العقليةِ ـ نجدُ لزاماً علينا التصدّي لموجاتِ الغزوِ الثقافيِّ الخطيرِ الذي سَيطرَ على مُعظمِ شبابِنا ومحافلِنا العلميةِ، وأصبحَ يهدّدُ جميعَ قِيَمِنا وأخلاقِنا، فمِنْ واجِبِنا الوقوفُ أمامَ هذهِ الهجمةِ الشرسَةِ، والعملُ على نَشْرِ الفِكرِ العقلانيِّ الأصيلِ في العالمِ عن طريقِ إحياءِ المنهجِ العقليِّ الفلسفيِّ، وتحقيقُ التراثِ الفلسفيِّ العقلي الأصيل من خلالِ الرجوعِ إلى مصادرِهِ الأصليَّةِ وصياغَتِهِ وطرحِهِ بأسلوبٍ معاصرٍ وجذّابٍ، بعيداً عَنِ الاستفزازاتِ المذهبيَّةِ والمجادلاتِ الكلاميَّةِ المثيرَةِ للضغائِنِ والفِتَنِ الطائفيَّةِ.

فهذِهِ الأساليبُ السلبيَّةُ كانَ لها أكبرُ الأثرِ في وصولِ السّاحَةِ الفِكريَّةِ والثقافيَّةِ إلى مراتِبِ الانحطاطِ، حيثُ أصبَحَتْ تتخبَّطُ بينَ الاتِّجاهِ السلفيِّ الأخباريِّ السطحيِّ، والاتجاهِ الصُوفيِّ الخُرافيِّ، والاتِّجاهِ الماديِّ الالتقاطيِّ.

وفى المقابِلِ فإنَّ هُناكَ رغبةً كبيرةً نلمَسُها عِندَ الكثيرِ مِن الشَّبابِ والمثقَّفينَ والمفكّرينَ للاطِّلاعِ على مباني الفكرِ الفلسفيِّ الأصيلِ بعدما أعْيَتهُمُ التجاذباتِ الفكريَّةِ.

مِنْ أجلِ كُلِّ هذا انْبَثَقَتْ فِكرةُ تأسيسِ مركزٍ أكاديميٍّ للعلومِ العقليةِ ـ بعدَ البحثِ والتحقيقِ والمشاوَرةِ ـ ليكونَ مناراً حضارياً لتصديرِ الفِكرِ العقلانيِّ القويمِ للعالمِ، ولملأِ حالةِ الفَراغِ الفكريِّ الكَبيرِ لدى شبابِ الأمةِ ومفكريها، وتلبيةِ رغباتِ المتشوِّقينَ للاطِّلاعِ على هذا الفكرِ الأصيلِ.

ولهذا بزغَ نجمُ (أكاديميةِ الحكمةِ العقليةِ) التي هيَ عبارةٌ عن  مؤسسةٍ تحقيقيَّةٍ تعليميَّةٍ تعملُ في مجالِ العلومِ العقليةِ والفكريةِ، وتتبنّى المنهجَ العقليَّ البرهانيَّ الفلسفيَّ كأساسٍ للفكرِ الإنسانيِّ في جميعِ أبعادِهِ المعرفيَّةِ والفلسفيَّةِ والأيديولوجيَّةِ.

وما يُميِّزُ هذهِ المؤسسةَ ـ مضافاً  إلى ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنْ خَصائِصَ ـ هوَ أنَّ كادِرَها  مؤلَّفٌ من مجموعةِ أساتذةٍ وفضلاءَ في دراسةِ العلومِ العقليةِ، بالإضافةِ إلى بَعضِ الأساتذةِ الأكاديميينَ والمُثَقَّفينَ.

أهدافُ الأكاديميةِ:

أولاً: إحياءُ المنهجِ العقليِّ الفلسفيِّ، والاهتمامُ بالعلومِ العقليَّةِ وتأصيلِ المنهجِ العقليِّ الفلسفيِّ وتحكيمِهِ في كافةِ المجالاتِ الفكريةِ.

ثانياً: ترويجُ العلومِ العقليَّةِ والتأكيدُ على أهميتها في النهوض بالبشرية

ثالثاً: التصدّي لموجاتِ الغزوِ الثقافيِّ الماديِّ، والأفكارِ السطحيَّةِ المُتحجِّرَةِ، وسائِرِ الاعتقاداتِ الخرافيَّةِ والتي ألقَتْ بظِلالِها على أروِقَةِ الفِكرِ البَشريِّ.

رابعاً: تربيةُ الكوادرِ العلميَّةِ على أساسِ الاعتدالِ والاستقامَةِ الفكريَّةِ بعيداً عَنْ الإفراطِ والتَّفريطِ.

خامساً: نشرُ الثقافَةِ العقلانيَّةِ الأصيلَةِ الهادِفَةِ، التي ترتقي بالمجتمعِ إلى كَمالِهِ الحَقيقيِّ وتَحفَظُ هَويَّتَهُ الإنسانيَّة.

أقسامُ المؤسسةِ:

تتألَّفُ المؤسسةُ من أربعةِ أقسامٍ:

1-قِسمُ البحوثِ: ويقومُ بالنشاطاتِ التاليةِ:

– تحقيقُ التراثِ الفلسفيِّ العقلي

– إعادةُ صياغَةِ التراثِ الفلسفيِّ بنحوٍ عصريٍّ وجديدٍ.

– إعدادُ بحوثٍ نقديَّةٍ جَديدَةٍ لمباني الفكرِ الغربيِّ الماديِّ.

– إعدادُ بحوثٍ نقديَّةٍ جديدةٍ للأفكارِ السطحيَّةِ والخرافيَّةِ الدخيلَةِ على الفِكرِ الإنساني الأصيلِ.

ــ إقامَةُ الندواتِ العلميَّةِ.

2- قِسمُ التعليمِ: ويَقومُ بالنشاطاتِ التاليَةِ:

– إقامَةُ دوراتٍ تعليميَّةٍ قصيرةٍ ومكثَّفَةٍ للمثقفينَ والمفكرينَ في الداخلِ والخارجِ، لبناءِ الكوادرِ العلميَّةِ وتَعريفِهِم بمعالِمِ الفلسفةِ العقلية، بحيثُ تُصبِحُ قادِرَةً على مواجَهةِ التحديّاتِ الفكريَّةِ على الساحةِ الثقافيَّةِ وحَملِ مِشعَلِ الإصلاحِ الفكرّيِ في المستقبلِ، وقَد هُيِّئَتْ لذلكَ صفوفٌ دراسيَّةٌ مجهَّزَةٌ بأحدَثِ الأجهِزَةِ، معَ توفيرِ قِسمٍ داخليٍّ لعَدَدٍ من الطلّابِ الوافدينَ من الخارج

– تدوينُ المناهجِ التعليميَّةِ في مجالِ العلومِ العقليَّةِ بنحوٍ بسيطٍ وجذابٍ.

– الإشرافُ العلميُّ على الموقعِ الألكترونيِّ للأكاديميةِ.

3ـ قسمُ المعلوماتِ: ويَقومُ بالنشاطاتِ التاليَةِ:

– تأسيسُ بنك معلوماتٍ حولَ أهمِّ المراكِزِ الفكرِيَّةِ والفلسفيَّةِ واتجاهاتِها  ورموزِها الفكريَّةِ في العالمِ الإسلاميِّ والغربيِّ، وفَتحِ قنواتِ التواصُلِ معَهُم.

– رَصْدُ النشاطاتِ والتحركاتِ المختَلِفَةِ على الساحَةِ الثقافِيَّةِ.

4 ـ قِسمُ الإعلامِ والعلاقاتِ العامَّةِ: ويَقومُ بالنشاطاتِ التاليَةِ:

– التواصُلُ معَ المفكرينَ وأساتِذَةِ الجامعاتِ في العالمِ الإسلاميِّ والغربيِّ، والمراكزِ الجامعيَّةِ والفلسفيَّةِ وتقويَةِ الروابِطِ العلميَّةِ معَهُم عبرَ تبادُلِ الوفودِ والإصداراتِ العلميَّةِ والفكريَّةِ.

– تَهيئةُ الندواتِ العلميَّةِ والمعارضِ الدوريَّةِ بحضورِ كبارِ المفكرينَ الإسلاميينَ والغربيينَ.

– إصدارُ مجلةٍ فكريَّةٍ فلسفيَّةٍ فصليَّةٍ تُعنى بالمباحِثِ العقليَّةِ والفكريَّةِ المختَلِفَةِ.

– إعدادُ نشريَّةٍ شَهريَّةٍ تُغَطِّي أنشطةَ المُؤسسةِ.

– إنشاءُ موقعٍ  علميٍّ إعلاميٍّ على الشبكةِ المعلوماتيةِ العالميةِ (الانترنيت) للتواصلِ معَ الطلبَةِ والمفكرينَ.