Goto page: 1 2 3 4 5 6

إذا اتبعت غير العقل فلربما أمكنك أن تقول الكثير وتدعي ما لا تحصي فتظهر للآخرين كعالم نحرير ولكن قيمة القول بصدقه واعتبار الدعوى بحقانيتها والعالم من يقول الصدق ويعتقد الحق.

ليس كل ما صعب عليك فهمه فهو حق بعيد الغور بل قد يكون عدم فهمك له لأنه قول متناقض لا يقبل أن يصدق فضلا عن أن يفهم.

قد يكف العقل فاك عن أن تقول وتدعي فتظهر جاهلا ولكنك عند عقلك ستكون أمينا عادلا.

لا يضللنك قول السفسطائيين هذا فوق طور العقل ولا يفهمه إلا الواصلون فإن الأمر إن كان قابلا للإدراك فلا بد أن يبرز بالعقل طريقه وإن لم يكن فقد كذب مدعيه.

ما أكثر المدعين وأقل العاملين كثرٌ هم الذين ادعوا الوفاء للعقل وما أكذبهم وأكثر منهم من ادعى المعرفة بالله وما أجهلهم فاحترس بحراسة أدب البرهان ليميز لك الصادق من الكاذب والعالم من الجاهل.

من دعاك إلى اتباعه دون أن يجعل لك ميزانا لتمييز الحق من الباطل فهو سفسطائي مزور وإن ادعى أنه إلهي مقدس فإن القداسة لا تنال بالادعاء.

لا تكتفين في حكمك بشيء على شيء حكما عاما رؤيتك إياه قد حدث مرة أو مرات أو حكي لك حدوثه كذلك فإن ذلك لوحده دال على إمكانه لا على ضرورته وعلى ثبوته جزئيا لا كليا.

الحق حق لذاته لا لأن القدماء قالوا به أو مال المعاصرون إليه والباطل باطل لذاته لا لأن القدماء رفضوه أو مال المعاصرون عنه.

كما كان حسك يعجز عن إدراك ما تتخيله فكذلك خيالك يعجز عن إدراك ما تتعقله.

اعتبر بعجز كل حاسة عن أن تدرك ما تدركه الأخرى لتعلم عجز الحس أن إدراك ما يدرك بالعقل وكما لم تنكر ما لا تراه إذا كنت تسمعه أو تلمسه فلا تنكر ما لا تحسه إذا ما قادك إليه عقلك.

ما أقبح المرء حيث يعجز عن فهم ما يعرض عليه، ويتحير في تبرير ما وصل إليه، فيمعن في الرد والإنكار، والتسخيف والإسفاف، فليته وقف ثم نظر، فأمعن ليرى، أن إثباته ليس أولى من نفيه في الحاجة إلى الدليل، فلا العجز عن الفهم دليل بطلان المعجوز عنه، ولا نفور النفس من فكرة عرضت يكفي لدحض المنفور منه، فلعل القصور غالب، وعن أس الحقيقة عازب، فإن الناس أعداء ما جهلوا.

أنت إنسانٌ؛ لأنَّك عاقل، وأنت عاقلٌ؛ لأنَّك تفكر، وتفكيرك هو: حركة ذهنك في معلوماتك للوصول إلى مجهولاتك، فبالتفكير تكتسب العلم والمعرفة.

هذه الحركة من المعلوم إلى المجهول، إنَّما هي حركة تكوينيَّة، وهي وإن كانت إراديَّة إلَّا أنَّها محكومة كسائر الحركات الكونيَّة في العالم بقوانين طبيعيَّة وسُنن إلهيَّة، والتي لا يُفلح من خالفها أبداً.

إذا أردت أن تكون واقعياً، منسجماً مع نفسك ومع ما هو حولك، فعليك بمعرفة هذه القوانين الفكريَّة، التي اكتشفها الحكماء، كما اكتشفوا قوانين الطبيعة.

التفكير الصحيح هو: الطريق الوحيد الذي يدلك على معرفة نفسك ومبدئك ومنتهاك، والعالم من حولك، وما ينبغي فعله وما ينبغي تركه، تلك المعرفة التي تضمن لك سعادة الدارين.

التفكير العشوائي والمضطرب هو: الذي يسوقك إلى الانحراف الفكري والسلوكي، ويدفعك إلى دوامة الحيرة ومستنقع الشقاء.

قبل أن تفكر كيف تعيش وتأكل وتشرب وتنام؟ عليك أن تفكر لماذا تعيش؟ ومَن أنت؟ ومَن أين؟ وفي أين؟ وإلى أين؟

لتتحرّر من كلِّ القيود إلَّا قيد العقل، ولتعرض عن الأوهام والظنون والخرافات، ولتدع القلق والكسل والاتكاء على الآخرين، ولتبدأ حياتك العقليَّة من جديد بالتعرّف على قوانين التفكير الصحيح، انطلاقاً من الفطرة الإنسانيَّة.

حكمك بثبوت شيءٍ لشيءٍ هو تصديقك به، كحكمك بأنَّ الأرض كرويَّة، وحكمك بسلب شيءٍ عن شيءٍ هو تكذيبك له، كحكمك بأنَّ الأرض ليست مكعبة.

لايمكنك أن تحكم بثبوت شيءٍ لشيءٍ وتنفيه عنه في نفس الوقت؛ لأنَّ ذلك معناه اجتماع الصدق والكذب، وهو أوضح المستحيلات.

حكمك على الأشياء المحسوسة؛ إمَّا أن يكون بحسِّك الباطن، كحكمك بأنَّك موجود، وهو من أوضح الأشياء، وإمَّا بحسِّك الظاهر، كحكمك بطلوع الشمس.

حكمك على الأشياء غير المحسوسة إنَّما يكون بعقلك، كحكمك باستحالة اجتماع إثبات الشيء ونفيه في نفس الوقت، وكحكمك بحسن العدل وقبح الظلم.

إنَّما يكون حكمك بالإثبات أو النفي صادقاً، إن كان مطابقاً للحقِّ والواقع، ومعنى مطابقته للواقع كون إثباتك هو للوصف الثابت في نفسه لموضوعه، أو كون نفيك هو للوصف المنتفي في نفسه عن موضوعه. وأمَّا الحكم الكاذب، فهو ما يثبت المنتفي أو يسلب الثابت في الواقع، فالصدق هو بمعنى انكشاف الواقع لك كما هو، بدون توهم أو افتراض، والكذب هو ما ليس كذلك.

اعلم أنَّ السبيل لمعرفة الواقع كما هو؛ إمَّا أن يكون بنحوٍ جزئي عن طريق الحسِّ الظاهر أو الباطن المتصل بالواقع الخارجي مباشرة، أو بنحوٍ كلي عن طريق نور العقل الكاشف بنفسه عن الواقع غير المحسوس، ولا طريق آخر غيرهما، فلا تكن من الغافلين.

انكشاف الواقع كما هو عند العقل إنَّما يتحقق عندما يكون ثبوت الشيء لموضوعه أو انتفاؤه عنه واضحاً عنده أنَّه كذلك.

ما أوضح ثبوت الشيء لنفسه عند العقل، وأنَّه هو هو، وما أوضح امتناع سلبه عن نفسه، وهو أساس الوضوح ومعيار الصدق عندنا، فكلُّ ما استلزم ثبوت الشيء لنفسه فهو صادق، وكلُّ ما استلزم سلبه عن نفسه فهو كاذب.

إذا أردت أن تعرف العلاقة بين معنىً ما وموضوع معيّن، فعليك قبل كلِّ شيءٍ أن تفهم مدلول كلٍّ منهما جيّداً، وتتصورهما بوضوح قبل أن تقدم على الإثبات أو النفي.

أن يكون ثبوت معنىً ما لموضوع معيّن واضحاً عندك لا تحتاج إلى إقامة دليل عليه، فهذا يعني أنَّك فهمت وتصورت كلاً منهما جيّداً، ووجدت أنَّ أحدهما داخل في مضمون الآخر؛ ولذلك لم تحتج إلى أيِّ واسطةٍ لإثبات أحدهما للآخر.

الإدراك علاقة بين ذات تُدرِك وشيء يُدرَك؛ فإمَّا أن ينشأ عن خصوصية من يُدرِك، وإمَّا عن خصوصية ما يُدرَك. والأوَّل تقوُّل وادّعاء، والثاني هو الذي في الحقيقة إدراك.

أن ينشأ إدراكك عن خصوصية ما تدركه، يعني أنَّك تجردت عن أيِّ حكمٍ مسبق، وأخضعت الإدراك لما يمليه عليك الواقع، فيثبت حيث ثبت ويزول حيث زال.

Goto page: 1 2 3 4 5 6