التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 29 أكتوبر, 2016
المشاهدات: 1٬109
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الشيخ الدكتور عدنان الحسيني
ملاحظات:

يصرّ بعض الكتّاب على الكتابة بدون الاستناد إلى منهجٍ واضحٍ في البحث، فلا تكاد تستوضح منهجًا معرفيًّا من الكتاب أو المقال، بل قفزٌ دائمٌ من موضوعٍ إلى موضوعٍ، وتداخلٌ في المحمولات، وزيادةٌ ونقيصةٌ في قيود المحمولات، وهو ما يسمّى في المنطق (سوء اعتبار الحمل) الّذي يمثّل أعلى درجات المغالطة. فالبعض يستهدف شهر المحرّم بسهام النقد بمجرّد أن ندخل اليوم الأوّل من الشهر، وبدلًا من التشمير عن ساعد الجدّ في استنطاق حركة التاريخ إزاء نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وتعميق الحفر المنهجيّ في زوايا غائبةٍ لحدّ الآن في تلك النهضة، ترى نصال الأقلام تنغرز في جسد عاشوراء الدامي تارةً باسم الحداثة، وتارةً بعنوان إصلاح الشعائر.

ولعلّ آخر ما تناولته وسائل التواصل الاجتماعيّ مقالًا لأحد الكتّاب، ومع الاحترام الكامل لقضيّة الرأي، بيد أنّ الرأي ينبغي أن يكون ضمن الموازين المنطقيّة، وبدون ذٰلك يكون الكلام عبثًا ولهوًا وترفًا في غير محلّه؛ إذ إنّ الانتقاد لمسألةٍ معيّنةٍ ينبغي أن لا يعمّ بقيّة المسائل؛ لأنّ نفي الأخصّ لا يستلزم نفي الأعمّ، فنقد خطيبٍ ما – لأنّه أدخل في كلامه الرؤيا، مع وجود خلل في العرض أو مبالغةٍ أو كذبٍ – لا يعني أنّ الرؤيا مفهومٌ خرافيٌّ، ولٰكن هناك ضوابط للرؤيا إن تمّ الأخذ بها كان الكلام منطقيًّا، فالرؤيا ضمن سلسلة المقبولات في قضايا المنطق، ولا يستساغ إغفالها لا سيما في صناعةٍ مثل الخطابة الّتي غايتها الإقناع. لٰكنّ المطلوب ليس أيّ إقناعٍ في مجالس الحسين، بل الإقناع القائم على أسسٍ معرفيّةٍ صحيحةٍ، ويقبلها العقل البرهانيّ.

وعرّض الكاتب بكرامات أهل البيت (عليهم السلام)، ولا أعلم هل يستهدف الكرامات كمفهومٍ؟ أو إنّ لديه رأيًا خاصًّا في أهل البيت؟ فإن كان يستهدف مفهوم الكرامة أو حتّى المعجزة فقد ارتكب شططًا؛ وينبغي له أن يأتي بعلم كلامٍ جديدٍ؛ لأنّ ما درسناه في علم الكلام أنّ المعجزة أو الكرامة أمرٌ اتّفق عليه القاصي والداني، وجميع أهل الأديان والمذاهب، ولولا البناء على الاختصار لأتينا له بكلام أهل الكلام والملل والنحل في الموضوع، ويا حبذا لو راجع بنفسه. وإذا كان يتقصّد أهل البيت (عليهم السلام)، فتنتقل القضيّة إلى قضيّة جدل المذاهب إن كان من مدارس غير مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فيوضع كلامه في خانة المناكفة المذهبيّة الّتي لا طائل من ورائها.
وإن كان من المذهب نفسه فهو من قبيل الإنكار بدون بيّنةٍ؛ لأنّ كتب العلماء تناولت كرامات أهل بيت العصمة والطهارة. أمّا إذا كان الإنكار لادّعاءٍ هنا أو هناك، فهٰذه مسألةٌ أخرى ينبغي طرحها وفق سياقاتٍ في محلّها.

إنّ الأسماء الّتي وردت في المقال المذكور أو بعض الحالات ننتقدها نحن أيضًا، ولٰكن انتقاداتٍ معرفيّةً طبقًا لمنهجٍ عقليٍّ ونصّيٍّ واضحٍ بدون صخبٍ وضوضاء وتضخيمٍ وتعويمٍ وغير ذٰلك.

ونحن إذ نرفض بعض ما ورد في المقال, لا يعني أنّنا نرفضه كلّه. بل نقول: على الأخ الكاتب أن يتحلّى بالعلم أو أن يرجع إلى أهل العلم، ويبتعد عن العاطفة في الحكم على الأشياء، وألّا يخلط في البحث فيخبط خبط عشواء، وأن يحدّد منهجه المعرفيّ.

ومن الأمور الّتي انتقدها في مقالته زيارة الحسين (عليه السلام)، فينكر أنّ زيارة الإمام الحسين توجب مغفرة الذنوب، وقد ذكر ذٰلك في سياق النكير على البدع والخرافات وأفعال بعض الخطباء الّتي تكون خارج الموازين الشرعيّة والعقليّة. وهٰذا يدلّ على جهل الكاتب بالروايات وبشخصيّة الإمام الحسين، أو على موقفٍ سلبيٍّ من الدين والإمام الحسين، فلدينا حشدٌ من الروايات الّتي نصّت على ثواب زيارة الأئمّة (عليهم السلام)، وتضمّنت مختلف أنواع الثواب والأجر، ومنها مغفرة الذنوب.

والروايات تكون في إطار منهجٍ علميٍّ متّبعٍ في السند والدلالة، وعلى غير المتخصّصين الرجوع لأهل الاختصاص في هٰذا المجال, فكان على الكاتب البحث والسؤال قبل أن تتحوّل الكتابة إلى كبوة.