موضوع علم الفلسفة | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: حکمة نظریة, عقلیّات
التاریخ: 25 يوليو, 2015
المشاهدات: 3٬041
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الشیخ الدكتور فلاح العابدي
ملاحظات:

إنَّ موضوع علم الفلسفة هو: (الموجود من حيث هو موجود)([1])، فكلُّ ما يقع تحت هذا العنوان العام الشامل فهو داخل في البحث الفلسفي، ولكن يكون البحث في الفلسفة عن الموجود من جهة كليّة، أي عمَّا تشترك فيه الموجودات من أحكام من حيثية وجودها، لا أنَّ البحث يقع عن كلِّ واحدٍ واحد من الموجودات في هذا العلم، بل يقع البحث عنها بهذا الشكل في العلوم التي تقع تحت علم الفلسفة، كالعلوم الطبيعيّة، مثل: الفيزياء، والكيمياء، وعلم الأحياء، والطب، وغيرها، وكالعلوم الرياضيّة، مثل: الحساب، والهندسة، والهيئة، وغيرها.

إنَّ عنوان (الموجود) عنوان عام، يشمل جميع موضوعات العلوم الحكميّة([2])، وهي تلك العلوم التي تبحث عن موضوعات حقيقيّة، أي تكون موضوعاتها موجودة لا باختيارنا، وليس لنا دخل في وجودها وتحققها كالجمادات والأشجار والحيوانات، وكذلك موجودات عالم الغيب (عالم التجرّد)، وتسمّى بالحكمة النظريّة، وتقع في قبال العلوم الاعتباريّة التي تكون موضوعاتها موجودة باختيارنا، أي نحن الذين نوجد تلك الموضوعات ونحققها، كعلوم اللغة، والأخلاق، والقانون، والفقه، والسياسة.

والعلوم الحقيقيّة عبارة عن الطبيعيات والرياضيات والمنطقيات، وما يقع تحتها من علوم، ففي هذه العلوم لا يبحث عن إثبات وجود موضوعاتها ولا عن علل وجودها ولا عن حقيقة تلك الموضوعات، فالعلم الطبيعي هو العلم الذي يبحث عن الجسم من حيث الحركة والسكون، ولا يبحث فيه عن الجسم من حيث هو موجود، ولا من حيث كونه جوهراً  أو أنَّ وجوده الخارجي متقوّم بالمادّة والصورة، والعلم الرياضي موضوعه الكم ويبحث عن الأحوال التي تعرض له بعد وجوده وتحققه، وكذا المنطق وموضوعه المفاهيم الثانوية المنطقيّة من حيث دخولها في اكتساب العلم التصوّري والعلم التصديقي، فكلُّ هذه العلوم وما يقع تحتها من علوم لا يبحث فيها عن موضوعاتها من جهة وجودها وحيثية وجودها وعلل وجودها ومقوّماته، ولا عن حقيقتها، لأنَّ هذه الأمور تعتبر مبادئ في تلك العلوم، والعلم لا يبحث عن مبادئه، فلا بدَّ أن يكون البحث عنها في علمٍ آخر يكون أعلى وأسبق من هذه العلوم؛ ولذلك كانت تلك الأبحاث على عهدة علم الفلسفة.

كما أنَّ هناك أموراً عرضية ليس لها ما بإزاء في الخارج، بل يكون وجودها هو وجود موضوعاتها، أي أنَّها ليس لها وجود متشخّص في الخارج، بل لها منشأ انتزاع في الخارج، وهي أيضاً موجودة لا باختيارنا، وهي مشتركة بين العلوم، كالوحدة والكثرة، والعلَّة والمعلول، والإمكان والوجوب، والقوَّة والفعل، والقدم والحدوث، وهو ما يسمّى بالمفاهيم العامّة الفلسفيّة، وهي يجب أن تعرف حدودها وطبيعة وجودها وتحققها لدى النفس بأن تنتزعها عن الموجودات، ولا يتكفل واحد من العلوم الجزئيّة بالبحث عنها من تلك الجهة وإلَّا لكانت مختصّة به، فيقع البحث عنها أيضاً في الفلسفة.

وكلا هذين القسمين ـ الذين ذكرناهما ممَّا يشمله موضوع الفلسفة، ويقع البحث عنهما في الفلسفة ـ ينفعان في تحقيق وبناء العلوم كما هو واضح.

هذا، وهناك قسم آخر يقع تحت هذا الموضوع هو أشرف وأعلى ممَّا سبق، وأهم للإنسان، وهو المبادئ العليا للموجودات المعلولة، ويقع البحث فيه عن عالم التجرَّد الذي يشمل العلَّة الأولى وهي الوجود الواجب تعالى وتقدس، ومراتب صدور الموجودات المجرَّدة من العقول والنفوس، ومعادها، والبحث المهم فيه هو ما يتعلّق بالوجود الواجبي تعالى وتقدس، وما يخصّه من أحكام، كإثبات وجوده ووحدته وصفاته وأفعاله، وهو يدخل في صميم عقيدة الإنسان وما يحمله من نظرة عن عالم الوجود والإنسان، وهنا في هذا القسم بالذات يحصل الالتقاء بشكلٍ واضح فيه بين الفلسفة من جهة، والدِّين من جهةٍ أخرى في الجانب العقدي منه كما هو واضح.

([1]) انظر: ابن سينا، الإلهيات من الشفاء، ص13.

([2]) ولمن يريد الاطّلاع بنحوٍ أوسع يمكنه أن يراجع شرح وتعليقة صدر المتألهين على إلهيات الشفاء للشيخ الرئيس ابن سينا، ج1، ص35، الفصل الثاني، (في تحصيل موضوع هذا العلم).

من كتاب الدِّين والفلسفة وجدليَّة العلاقة بينهما



займ на картукредит онлайн