التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 25 فبراير, 2014
المشاهدات: 3٬350
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الشیخ صالح الوائلي
ملاحظات:

    مقالات اخرى للكاتب

كثيراً ما تعرض المنطق الأرسطي أو منطق المطابقة أو الهوية ـ كما عبر عنه بعض المحدثين ـ إلى حملات من التوهين والتضعيف ومحاولات لإخماد أنفاسه لكن دون جدوى لأنه كلما تخيل البعض أنهم أجهضوه بآلة وجدوا أن هذه الآلة هي المنطق نفسه، فمثلا أبن تيمية، الذي يعبر عنه (علي حرب) في كتابه (الماهية والعلاقة نحو منطق تحويلي)، بأنه أهم وأبرز وأخطر ناقد للمنطق الصوري التقليدي بين أرسطو ومفكري ما بعد الحداثة ((1).

حاول هذا الناقد جاهدا وكرس جل قدرته للنيل من المنطق الأرسطي التقليدي غير أنه لم يجد بدا من استخدام الطريقة المنطقية الصورية لنقد المنطق، وهذا أقل ما يقال عنه تناقض وتهافت، فإما أن يكون المنطق التقليدي خطأ فما اعتمده ابن تيمية في نقده للمنطق لابد أن يكون خاطئاً أيضاً، وإما أن ما اعتمده ابن تيمية صحيح وسليم فهذا يثبت صحة المنهج وبالتالي سلامة المنطق الصوري التقليدي ومتانة قوانينه.

على أن هذا الناقد وقع في ايهامات في تطبيقاته ومغالطات كبيرة، لسنا الآن بصدد التعرض إليها بقدر ما نريد ألفات نظر القارئ الكريم إلى أن نقاد المنطق لا يمكنهم بحال من الأحول تخليهم عن المنطق ، وإن تنكروا له في ألسنتهم مكابرة ، لأن قوانين المنطق  ليست أمورا مخترعة بل هي عبارة عن مجموعة من قوانين العقل التكوينية المكتشفة ، تعتمد على البديهيات والمسلمات العقلية التي لا يمكن أن يقع النزاع فيها ، وهذا ما دعا الفيلسوف كنط (كانت) إلى القول: (إن علم المنطق لم يتقدم خطوة واحدة بعد أرسطو لأنه ولد معه بصورة محكمة ومكتملة) فمنذ أكثر من أربعة وعشرين قرنا لم يحدث تغيير في هيكلية هذا القانون العملاق، نعم كانت هناك بعض الإضافات أو التغييرات الجزئية التي لا تمس أصل المنطق ، من قبيل كتاب إيساغوجي الذي أضافه الفيلسوف الصوري فرفريوس كمقدمة للحدود ، ورفع بعض كتاب المقالات العشرة لاعتقادهم أن هذا بحث فلسفي لا منطقي .

وقد قرأت مؤخراً لأحد المفكرين المعاصرين في العالم العربي الأستاذ (علي حرب) كتاب (الماهية والعلاقة نحو منطق تحويلي) تعرض فيه للمنطق الأرسطي بانتقادات شديدة، محاولا إيجاد بديلاً له بما اسماه (منطق التحويل) وبطبيعة الحال ليس من التعقل أن نقبل البديل قبل أن نعرف مواطن الخلل في الأصيل، وعليه ينبغي لنا أن نراجع ما ذكره الكاتب من إشكالات على المنطق الأرسطي.

ففي الفصل الثاني من كتابه وتحت عنوان: (نقد المنطق ـ فضيحة المنطق) أورد الأستاذ (علي حرب) عدة إشكالات نستعرضها فيما يلي مع ملاحظاتنا عليها:

قال الأستاذ علي حرب: (فمنطق التحليلات البرهانية لدى أرسطو ينبني في نهاية التحليل على (الحدس) مما يعني أننا نبرهن على أشياء بأشياء أخرى لا يمكن البرهنة عليها.

وذلك هو الإشكال المنطقي الأول في المنطق الصوري أي الشكلي: انتفاء الدليل القاطع ما دام الاستدلال يؤول بالبرهان إلى الحدس ((2). باعتقادي أن هذا الإشكال ناشئ من أمرين: الأول: أن المعلومات لا تكون لها قيمة علمية ما لم يستدل عليها، والثاني: شبهة مفهومية في اصطلاح الحدس عند المناطقة.

أما بالنسبة للأمر الأول فهو وإن كان صحيحا بالنسبة للمعلومات التي لا تتحقق إلا من خلال أسبابها، وهذا ما تعرض له أرسطو ومن بعده كافة المناطقة في كتبهم (أن ذوات الأسباب لا تعلم إلا بأسبابها) غير أن هذا لا ينطبق على جميع معلوماتنا، فإن هناك معلومات تعتبر هي الأساس لجميع معارفنا وعلومنا تسمى بالبديهيات العقلية وهذه أما أنها لا يمكن الاستدلال عليها أصلا من قبيل الأوليات، أو أنها لا تحتاج إلى الاستدلال بوجه كباقي البديهيات من الحسيات والوجدانيات والمتواترات. وجميع المنظومة المعلوماتية الإنسانية تعتمد أساساً على هذه العلوم، وبدون هذه العلوم لا يمكن ان تحصل للإنسان أي معرفة لأنه وكما يقول المناطقة ما بالعرض لابد وأن يرجع إلى ما بالذات باعتبار أن الوجود الذهني من هذه الناحية لا يختلف عن الوجود الخارجي، فالوجود الخارجي لابد أن تنتهي العلل والمعلومات فيه إلى علة لا يمكن ان نسندها إلى علة أخرى للزوم التسلسل المحال، فكذلك المعلومات في الوجود الذهني يعتمد بعضها على بعض وتتوالد، فأنه أن لم ننتهِ إلى علوم هي الأساس والعلة لجميع العلوم فأننا سوف نقع في التسلسل المحال، والذي تكون نتيجته عدم العمل أصلاً.

وهذه العلوم البديهية التي تكون أساس جميع العلوم تتصف باليقينية ولا تقبل الشك بالحالة الطبيعية والسلامة العقلية، فالذي يشك في وجوده أو أن الوجود والعدم ممكن أن يجتمعان أو يرتفعان، بلا ريب يحتاج إلى مصحة عقلية، وقد عولجت مثل هذه المسائل في نظرية المعرفة.

أما أن الحدس هو الذي ترجع له جميع المعلومات فهذا لم نسمعه ولم نقرأه، بل أن الحدس أحد العلوم البديهية عند الإنسان ومرادهم منه ليس التخرص والتوهم والخيال كما يظهر من تصور الكاتب لهذه المفردة، بل المراد من الحدس هو يحصل في ذهن الإنسان بدون حركة فكرية للعقل، وهذا ما يكون غالبا عند الناس الذين يتمتعون بذكاء حاد، حيث يصل إلى النتائج بشكل لا يظهر منه أنه وصل إليها عن طريق حركتي الفكر.

قال (الأستاذ حرب): (الأمر الذي جعل المنطقي البريطاني أوغست دي مورغان يقول: ان منطق أرسطو لا يتيح لنا أن نستخلص من القضية: الحصان هو حيوان القضية الأخرى القائلة: رأس الحصان هو رأس حيوان) (3).

ولا أتصور أن المنطق الأرسطي عاجز عن ذلك فأنه بجعل المقدمات بصورتها ومادتها الصحيحة تنتج ذلك، كما لو قلنا: الحصان حيوان، والحصان له رأس، فأنه ينتج: الحيوان له رأس، وبالضرورة فأن الحد الأوسط (الحصان) لا يثبت لنا أن الحيوان له رأس بصل، بل يثبت أن الحيوان له رأس حصان، لأنه إذا كان الكل حيوان فبالضرورة جزءه جزء حيوان، وهذا واضح. ثم أنه كل ما ثبت للأخص ثبت للأعم بالضرورة فإذا كان الحصان حيوان له رأس فرأس الحصان هو رأس حيوان.

قال حرب: (عند المناطقة العرب تتمثل الأزمة في الحد)، والحد هو بداية العلم الذي هو إما (تصور) يكتسب بالحد أو (تصديق). والحد هو درك الشيء بذاتياته المقومة له.

غير أن المناطقة عندما حاولوا حد (الذاتي) الذي به يتقوم الحد، عرفوه بالرسم، غير تعريف أي عرفوه بعكسه، فقالوا: (العرض الذاتي) وهذا هو الإشكال الفاضح عجز أهل الحد عن شرح ماهية الحد بالقول الموجز الجامع لذاتياته والمانع لعرضياته وجعلهم يعترفون بأن الحد يمكن أن يستعمل على سبيل التشكيك كما يقول ابن سينا في كتاب (النجاة) أو على سبيل المجاز كما يقول الطوسي في شرح الإشارات والتنبيهات) (4).
ليس الحد هو بداية العلم كما يزعم الأستاذ بل بداية العلم وأساسه كما قدمت هو البديهيات العقلية من المفاهيم والقضايا، وأما مفردات هذه القضايا البديهية فعلى الأعم الأغلب أنها مفاهيم بسيطة غير محتاجة إلى حدود، فقد تتشكل عندنا قضية بديهية تصديقية يقينية من مفاهيم بسيطة، وقد تتشكل قضية يقينية من مفاهيم مركبة محتاجة إلى حدود أو رسوم.

أما أن الذاتي لا حد له فأزيدك أن نفس الذاتيات أمثال (الجنس والفصل والنوع) لم تعرف تعريفاً حدياً، وإذا عبر عنها بالحدود فهو من باب المسامحة ليس أكثر، والسبب في ذلك هو أن الحد لا يطال إلاّ الحقائق الماهوية. ولا يخفى على المتتبع للعلوم العقلية أن المفاهيم تنقسم إلى معقولات أولية ماهوية والى معقولات ثانوية فلسفية ومعقولات ثانوية منطقية، والمفاهيم الماهوية هي التي يكون لها ما بإزاء بالخارج، كما يعبر الفلاسفة عن ذلك. ويقصدون ان لها أعيانا خارجية تعبر عنها، كمفهوم الإنسان، والشجر، والحجر.

وأما المعقولات الفلسفية فيعبر عنها أنها التي ليس لها ما بإزاء بالخارج إلاّ ان لها منشأ انتزاع خارجي، بمعنى أنها ليس لها أعيان تعبر عنها في الخارج ولكنها انتزعت من خلال المقايسة بين الأشياء الخارجية والمقارنة فيما بينها، من قبيل مفهوم العلة والمعلول والفوقية والتحتية.
وأما المفاهيم والمعقولات المنطقية فهي التي ليس لها ما بإزاء بالخارج وليس لها منشأ انتزاع خارجي بل هي من التعملات الذهنية الخالصة، من قبيل مفهوم الذاتي والعرضي والجنس والفصل والخاصة والعرض العام والحد والرسم والكلي والجزئي.

والمفاهيم الفلسفية والمنطقية تحصل عن طريق تعملات الذهن وليس لها ما بإزاء بالخارج كما ذكرنا فليس لها ماهيات حتى نبحث عن الذاتية المقومة لها، بل هي محض اعتبار ذهني يحصل عليه العقل من خلال التحليل والمقارنة بين المفاهيم الماهوية التي حصل عليها.

فمفهوم الذاتي ينتزعه العقل من خلال ملاحظته إلى أن هناك ماهيات لا يمكن أن تتحقق بدون هذه الأجزاء وهي متقدمة على نفس الماهيات فأنتزع العقل مفهوماً أصطلح عليه عنه أهل الفن بالذاتي ((5)). وهذا ما قاله الخواجة الطوسي في شرحه للإشارات فقول الشيخ: (الحد قول دال على ماهية الشيء) يدل على تخصيص الحد بذوات الماهيات التي هي المركبات) (6). وحتى لو سلمنا أن للذاتي ماهية فهو يعتبر من البسائط العقلية وليس مركباً من الجنس والفصل.

ثم قوله: (أي عرفوه بعكسه، فقالوا: (العرض الذاتي)) لا أفهم ما يقصده من عكسه هنا، فكما تعلمون أن العكس باصطلاح المناطقة ليس هذا، فقد يقصد أنهم عرفوه بما يقابله وهو العرض، ولكن يبدو ان الأستاذ اشتبه هنا أيضاً فإن العرض الذي يقابل الذاتي ليس هذا العرض، فالذاتي في اصطلاح المناطقة له استعمالات عديدة فمنه الذاتي في ايساغوجي ويعنون به الكلي المحمول الداخل المقوم لموضوعه في قبال العرضي بمعنى الكلي المحمول الخارج عن موضوعه غير مقوم له، وعندهم الذاتي بمعنى المحمول من صميمه في قبال المحمول بالضميمة، وعندهم الذاتي بمعنى الحمل الأولي في قبال الشايع الصناعي، وعندهم الذاتي بمعنى المعلل في قبال الاتفاقي، وعندهم الذاتي بمعنى ما أخذ موضوعه في حده هو الذي يطلق عليه العرض الذاتي، ولذا يقولون موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتي، يعني محمولاته التي تحمل عليه أما مباشرة وأما بواسطة داخلة مساوية أو أعم وأما بواسطة خارجة مساوية، في قبال المحمولات الغريبة التي تحمل بواسطة خارجية أعم أو أخص أو مباينة أو على ما يقال بأن المحمول على الموضوع أن كان محمولاً بدون واسط أو بواسطة في الثبوت فهو العرض الذاتي أما إذا كان محمولاً بواسطة تكون حيثية تقييد به فهو عرض غريب، وليس محل التفصيل في ذلك. وينبه الشيخ الرئيس ابن سينا في كتابه الإشارات والتنبيهات تحذيراً من الخلط الاصطلاحي (وربما قالوا في المنطق ذاتي في غير هذا الموضع منه وعنوا به غير هذا المعنى.) (7).

فالفرق بين الذاتي المقصود بالحدود والعرض الذاتي أن الأول يكون مقوماً لموضوعه أما الثاني فهو يتقوم بموضوعه، بعبارة أخرى أن الذاتي مأخوذ في حد الموضوع، أما العرض الذاتي فإن الموضوع مأخوذ في حده، قال الخواجة نصير الدين الطوسي: (وذلك الرسم أن يقال ما يؤخذ في حد الموضوع أن يؤخذ الموضوع في حده، فالأول مقوماته والثاني أعراضه الذاتية) (8). فما وصفه الأستاذ حرب بالوقوع بالبلبة ليس دقيقاً.

وأما ما زعمه من أن الشيخ الرئيس في كتاب النجاة يعترف بأن الحد ممكن استعماله على سبيل التشكيك، ولم يذكر لنا نص العبارة ويبدو أنه يقتني نسخة غير محققة أو أنه اقتبسها من بعض الكتب النقدية للمنطق، وهذا عيب تحقيقي فالمحقق هو الذي يحاول معرفة النص بنفسه ومراجعة النسخ المحقق، والعبارة الواردة في كتاب النجاة النسخة المحققة هذا نصها: (ثم من الذاتي ما هو مقول في جواب ما هو: ومنه، ما ليس بمقول والذاتي المقول في جواب ما هو، مشكلٌ) (9).

فالكلمة ليس (تشكيك) كما نقلها الأستاذ بل هي (مشكل) وثانياً أن الكلام ليس في الحد أنه مشكل بل في استعمال الذاتي فقد وقع بعضهم بالخلط نتيجة عدم الدقة في فرز المصطلح وهذا ما قاله الشيخ الرئيس في نفس كتاب النجاة بعد العبارة السالفة: (ويكاد أكثر الشروح تغفل عن تحقيقه؛ ويكاد أن يرجع ما يراه (الظاهريون من المنطقيين) في المقول في جواب ما هو أنه هو الذاتي، لكن الذاتي أعم منه) (10). فالكلام بالذاتي الذي له اصطلاحات متعددة، وهذا ما يسبب لبس عند بعض الشراح للمنطق أو بعض الظاهريين من المناطقة.

وما ادعاه على المحقق الطوسي من انه يقول بإمكان استعمال الحد على سبيل المجاز، فهو محض وهم والتباس، فالخواجة الطوسي لم يقل ان استعمال الحد على سبيل المجاز بل كانت عندهم اشكالية من ناحية أن الذاتي جزء من الحد فكيف يحمل الجزء على المحدود بالمواطأة، فمثلاً (ناطق) جزء من حد الإنسان، فكيف يحمل على المحدود الكل (إنسان) بالمواطأة باعتبار ان الجزء الحقيق لا يمكن حمله على الكل بالمواطأة فمثلاً (أوكسجين) الذي هو جزء من الماء لا يمكن حمله على الماء فلا نقول الماء أوكسجين بالمواطأة، فاراد المحقق الطوسي حل هذه الإشكاليات فقان ان الجنس والفصل بالنسبة للماهية ليست من الأجزاء الحقيقية والتي ممكن فصلها أو فرزها، بل هي أجزاء تحليلية عقلية مجازية فلا يلزم الإشكال المتقدم، ولو ان الأستاذ على حرب كلف نفسه ووضع لنا النص لأراحني من تعب البحث في موضوع الحد عن هذه العبارة مع ان هذا العبارة في مكان آخر وليس لها علاقة بنفس الحد أو استعمالات الحد، واليكم نص العبارة للمحقق الطوسي (وقد يقال له جزء المهية بالمجاز، فأن الجزء الحقيقي لا يحمل على كله بالمواطأة والذاتي يحمل على المهية بل إنما يكون اللفظ الدال عليه جزء من حدها فهو يشبه الجزء لذلك وقد اضطر إلى اطلاق الجزء عليه لعوز العبارة عنه..) (11).

ويستمر الأستاذ علي حرب في حربه غير العادلة على المنطق التقليدي قائلاً: (ومن ابلغ الأمثلة على هذه البلبلة لدى المناطقة في مسألة الحد هي: (رسالة التصور والتصديق) لصدر المتألهين الشيرازي، وفيها يحاول حل النزاع الذي دار بين المناطقة حول ماهية التصديق، وهكذا فبعد قرون تفصل الشيرازي عن ابن سينا). (12).

وأنا وان كنت واثقاً من ثقافة الأستاذ علي حرب وسعة إطلاعه إلاّ إنني أشكك في عمقه العملي في هذا المجال وفهمه للنصوص القديمة والحديثة بالمستوى المطلوب مما يجعلني على حذر شديد من نقولاته، أو من طريقة عرضه للنصوص.

فصدر المتألهين الشيرازي الذي كتب رسالة التصور والتصديق والتي تعد من الومضات الساطعة في سماء الفكر عامة والفكر الشرقي خاصة، لم يختلف مع الشيخ الرئيس على الإطلاق في مسائلة تفسير معنى التصديق الذي هو محل النزاع في الرسالة، والشاهد ما أقول ما صرح به صدر المتألهين في رسالته: (واعلم أن الذي حققناه في معنى التصور والتصديق موافق لعبارات القوم ومطابق لما ذكره الشيخ الرئيس وغيره في كتبهم) (13).
وتعبير الأستاذ حرب (ماهية التصديق) لا يخلو من مسامحة لأنه وكما تقدم فقي اعتبارات المفاهيم لا يعد التصديق من المقولات الماهوية، بل هو إما من المفاهيم المنطقية وأما على ما ذهب اليه صدر المتألهين من الوجودات الذهنية، فيكون من المعاني الفلسفية، قال في رسالته: (وكل من التصور والتصديق ضرب من الوجود كما مرّ، والوجود خارج من جميع المقولات العشر لأنها أجناس عالية للماهيات التي لها جنس وفصل والوجود لا جنس ولا فصل ولا حد ولا رسم) (14).

وأما على القول بأنها من المفاهيم المنطقية فمن المسلم أنها لاحد لها لعدم تركبها من جنس وفصل أصلاً.
ولو سلمنا أن للتصديق حد وقد اختلف في حده، فالاختلاف بحد شيء ما لا يعنى الاختلاف في نفس مفهوم الحد، لان المناطقة متفقون جميعاً على أن الحد هو الذي يتكون من جنس وفصل قريبين بالنسبة للتام ومن فصل قريب فقط بالنسبة للناقص.

وأما الاختلاف في حد مفهوم ما فهو راجع إلى بحث آخر. وقال حرب: (غير أن الشيرازي لا يحسم الخلاف.. لأن الحدود هي أصلاً متشابكة بين جملة المفاهيم التي يدور عليها خطاب المناطقة، كالحد والذاتي والعرضي والماهية والتصور والتصديق والحكم..) (15).

ولكني لم أجد هذا الاختلاف المدعى من خلال مطالعتي لبعض كتب المنطق المعتمدة، وكان ينبغي عليه أن ينقل هذا الخلاف إن وجد، ثم لو كان هناك اختلاف ولا ادعي عدمه مطلقاً فهو على مستوى اللفظ لا المعنى، بل حتى مسألة التصور والتصديق التي استشهد بها الأستاذ على الخلاف، فإن الشيرازي يرجع الخلاف فيها إلى أن بعض المناطقة لاحظ شروط التصديق فعرّف بها، وبعضهم لاحظ ما يؤول إليه التصديق فعرّف به، ثم أنه يخرج جميع أقوالهم على ما حققه، بمعنى أنه يرى النزاع لفظياً، فيقول: (وهذا هو الحق الصريح.. وهذا ما يرفع جميع الإشكالات الواردة في هذا المقام ويمكن تطبيقه على مذهب الحكماء وتأويل مذهب المتأخرين إليه في التصديق كمذهب الإمام ومذهب من يجعل التصديق هو التصور المعروض للحكم أو المجامع له كصاحب المطالع) (16).

ثم أردف الأستاذ حرب بقوله: (والمثال البارز على ذلك هو انتهاء الشيرازي في آخر رسالته بعد مناقشته لكل الآراء إلى القول بأن الحكماء اعتبروا أن الوجود (أنواع متخالفة) باختلاف الماهيات مع أنه (أمر بسيط لا جنس له..) (17).

نعم هذا ما قاله صدر المتألهين في آخر رسالة التصور والتصديق، ولكن لا أعلم ما هي علاقة هذا بنقد المنطق، فمسألة الوجود وهل هو متعدد أم واحد بسيط أم مركب مسالة فلسفية بحتة، واختلاف الحكماء من حيث هم كذلك في مبانيهم وفي فروع الفلسفة لا يتحمل مسؤوليته المنطق.. لأنه قد يكون الالتباس والتوهم ـ وهو الأرجح ـ في مواد الأقيسة التي يستخدمونها كما لو أنهم اتخذوا مسألة طبيعية مسلمة عندهم مع أنها ليس مسلمة بحسب الواقع العلمي.. فخطأ النتيجة يرجع إلى خطأ المادة المستعلمة في المقدمات، وأحياناً يكون الاشتباه في استخدام صور القياس فلا يراعي أو يغفل عن بعض شروط الأقيسة فلا يجعل أحد المقدمتين كلية مثلا أو يجعل القياس مؤلف من سالبتين.. أو كما يذكرون ذلك المناطقة في كتبهم من أخذ ما بالذات مكان ما بالعرض أو إيهام العكس أو غير ذلك مما يسبب الوقوع في النتائج الفاسدة.

قال الأستاذ حرب: (ولذا فالمعرفة في عرف مناطقة الهوية هي تصور الشيء كما هو في ذاته وفي هويته عينها. وهذا هو الوهم عينه والتناقض ذاته، ذلك أنه ما ان نحاول درك الماهية أو تعيين الهوية حتى نخرج من الشيء إلى غيره، إذ لا معرفة أي لا معنى ولا مفهوم) (18).

وبهذا تبين ملامح الأستاذ العلمية في هذا المجال فيبدو انه لم يطلع على أساسيات المنطق أو انه يتغافل عنها، وقد أوضحت سلفاً أن هذا النوع من المعرفة مختص بالماهيات أي بالمعقولات الماهوية أما المعقولات الفلسفية والمنطقية فهي تحصل وتنتزع من نفس تلك المعقولات الأولى (الماهوية) التي أدركها فمن خلال التعمل العقلي بالمقارنة والمقايسة والملاحظة والتحليل يخرج العقل بكم هائل من المفاهيم وهذه المفاهيم لها أصل واقعي لا مفاهيم فارغة مزعومة متوهمة أو متخيلة، وتتوالد هذه المفاهيم من خلال حركة العقل المستمرة بينها، وبضمانات القواعد والقوانين المنطقية.

ويكرر ما وقع فيه سابقاً فيقول: (فتصور ماهية الله مثلاً هو درك نسبة بينه وبين شيء آخر كالموجد أو الخالق..) (19).

في الواقع أن التعبير بالماهية بالنسبة لله تعالى لابد أن نعني بها الحقيقة الثابتة لا الماهية حسب الاصطلاح في باب الكليات والحدود والتي يقصد منها ما يقع في جواب ما هو وتعني حد الشيء ولازمه الإمكان ، فالله تعالى كما هو ثابت عقلاً مطلق من جميع الجهات فليس له حد يحده، ثم أن هذه المفاهيم التي ننتزعها من مفهوم الله تعالى وبمقارنته بخلقه والكائنات ومن خلال بعض اللوازم المعقولة والآثار المدركة تعتبر من المفاهيم الفلسفية، وأما بالنسبة لحقيقة الإنسان فأنه يدرك بحقيقته الحدية بكل ما يحمل من معنى الإنسانية، ولا نحتاج أن نعرفه من خلال لوازمه وما يقترن به.

ثم تأتي الطامة الكبرى عندما يتعرض الأستاذ في نقده إلى البرهان المنطقي، فيقول: (غير أن البرهان هو أضعف أجزاء المنطق، وعلى عكس ما يحسبه المناطقة وذلك أن البرهان يستمد مشروعيته من كونه معرفة كلية ضرورية في آن. وإذا كانت الكلية هي صفة للقضية، فأن القضية الكلية لا تصبح ضرورية ما لم يبرهن عليها) (20).

ويبدو أن الكاتب لم يطلع على اليقينيات المنطقية فاليقينيات هي قضايا منها ما يكون بديهياً ومنها ما يكون مبرهناً عليه، يعني اما بينة أو مبينة، فليس كما يقول الأستاذ حرب بأن القضية لا تكون يقينية ما لم تكتسب من خلال البرهان، نعم هذا بالنسبة للقضايا النظرية التي لم تستحصل بعد. وقد يقال بالنسبة لبعض البديهيات من قبيل الحسيات أو التجريبيات أن الوصول إلى الكلية في الحكم يحتاج إلى قياس خفي يعتمد مع كبرى بديهية (الاتفاقي لا يكون أكثرياً ولا دائمياً) وهذا قياس يحصل عند الإنسان بالاضطرار ولا يحتاج إلى إعمال الفكر..

والمشكلة العظمى أنه بيّن البرهان على خلاف ما ينبغي وقسمه على أبعد ما يكون من القسمة المتصورة ويبدو أنه قسمه وفق منطق التحويل عنده لا منطق أرسطو فهو يقول: (وبيانه أن البرهان هو إما استقراء أو استدلال، والاستقراء لا يفيد معرفة يقينية، أي ضرورية بل هي مجرد (تخمينات) بقدر ما هو حكم على الكليات انطلاقاً من الجزئيات بحسب نقد الغزالي لمنطق الاستقراء) (21).

والواقع أن البرهان لا ينقسم إلى هذين القسمين فهو ليس استقراء ولا استدلالاً بنحو مطلق، فالأستاذ قسم البرهان تقسيماً أغرب من الغريب فجعل قسم الشيء قسيماً له والأبشع من هذا فأنه جعل قسم من قسم المقسم مقسماً لهن ، فالاستقراء قسم من الاستدلال ومع ذلك جعله قسيماً له والبرهان قسم من الاستدلال لا مطلقاً بل من الاستدلال القياسي فجعله مقسماً، لأن الاستدلال ينقسم إلى ثلاثة في المنطق إلى القياس والاستقراء والى التمثيل وليست جميعها حجة، ثم ان القياس ينقسم إلى الاقتراني والاستثنائي والقياس فيه البرهاني وفيه الخطابي وفيه الجدلي وفيه المغالطي والشعري، وهذه التقسيمات بحسب ما يستخدم من مقدمات في الأقيسة المستخدمة والبرهان لا تكون مقدماته إلاّ يقينية اما بينة أو مبينة.

اما الاستقراء فهو تام وناقص كما يقسمه المناطقة والتام يرجع إلى القياس ويسمى بالقياس المقسم، أما الناقص فليس تخمينات كما قال الأستاذ بل له ضوابط فهو يعتمد على كبرى عقلية بديهية وهي: (الاتفاقي لا يكون أكثرياً ولا دائمياً) فلو أحرزنا بعض الشروط نخرج بنتيجة يقينية أو قريبة لليقينية.
ويستمر الأستاذ في نقده التخبطي فيقول: (إذ المقول في الخطاب الاستدلالي أنه صحيح ومنتج ولكن المسكوت عنه، هو أن النتيجة مقررة سلفاً، أي متضمنة في المقدمات كما في البرهان المشهور منذ أرسطو: الإنسان فان، وسقراط إنسان إذن الإنسان فان) (22).

ولا أدري كيف يسمح عقل الأستاذ بان تتسلل مثل هذه المقولات إلى كتابه الذي يريد أن يغير فيه طريقة التفكير البشري، ولا أدري من أين جاء بهذا القياس الذي لا يقول به حتى ظاهري المنطقيين، كما يعبر عنهم الخواجة الطوسي. فالتركيب الصحيح لهذا القياس هو: (سقراط إنسان، وكل إنسان فان. النتيجة: سقراط فان) فلابد من ترتيب القياس إلى صغرى وكبرى ولابد من كلية إحدى المقدمتين ثم يحذف المتكرر والذي يسمى بالحد الأوسط فتخرج عندنا من كلية إحدى المقدمتين النتيجة ساطعة كالشمس، لا ان نقلب المقدمات ونحاول إظهار الحقيقة مشوهة للقراء الكرام.

ولو أراد الأستاذ إعادة الإشكال القديم الذي ذكره البعض وهو ان النتيجة في الشكل الأول تحصيل حاصل لأنها مستبطنة في نفس المقدمات، فقد أجاب عنه المناطقة بأن النتيجة وان كان مأخوذة في نفس المقدمات إلاّ أنها معلومة إجمالاً بمعنى أنك لم تعلم بثبوت الأكبر لها إلاّ بعد القياس، وبالنتيجة تكون معلومة تفصيلاً.. والعلم الإجمالي لابد منه في كل معرفة لأنه كما يقال المعدوم المطلق لا يطلب بحال، فعقل الإنسان لا يتحرك ويستحيل ان يتحرك إلى ما يكون مجهولاً من جميع الجهات لعدم وجود المقتضي للحركة نحوه.

ثم أن البراهين ليست بهذه السذاجة والبساطة بل تعتمد على نفس المادة العلمية ففي بعض الأحيان نحتاج للوصول إلى بعض النتائج إلى سلسلة من المقدمات والنتائج، بحيث تكون النتائج في القياس الأول مقدمات بالقياس الثاني وهكذا في الثالث والرابع.. وتسمى هذه الأقيسة المركبة.

واكتفي بهذا القدر من عرض ونقد ما كتبه الأستاذ علي حرب في كتابه: (الماهية والعلاقة نحو منطق تحويلي) على أمل أن تكون هناك فرصة أخرى لتكملة المشوار مع منطقة التحويلي، إلا أنه من اليسير تقييم هذا النتاج بناء على ما تقدم من طريقة نقده، فقد أراد أن يبين انهيار المنطق التقليدي وبناء منطق بديل له أسماه (التحويلي)، ولكنه كشف عن ضعف وضحالة في قراءته لنصوص المنطق، وقد اعتمد تقليداً للنقاد السالفين للمنطق أمثال ابن تيمية والغزالي، فمن كان هذا مستواه في فهم أصل المنطق لا يمكن الاعتماد على ما يقترحه من منطق، ولست متعصباً للمنطق القديم، بل انا اتطلع دائماً لوجود منطق أكمل لكن إلى الآن لم يأت هذا الموعود، فمقتضى التعقل أن لا نترك ما أجمع عليه الحكماء والمناطقة وقبله العقل ما لم يكن هناك منطق سليم وما لم تبين نقاط الخلل بشكل واضح وصريح في المنطق القديم بدون تدليس وبدون قراءات خاطئة للنصوص.