منشأ وأسباب التّطرّف الدّينيّ
التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 4 يناير, 2017
المشاهدات: 1٬354
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الشیخ محمد العلي
ملاحظات:

كلّ من تتبّع الأديان يجد محوريّة مّا في الدّين تدور حول مملكة الإنسان، وما أودع الباري فيه من قوى وآلات في أصل خلقته. نعم قد لا نظفر بالقطع بالبعض الكثير منها على نحو تفصيليّ في كيفيّة تأثيرها على مملكة الإنسان، لكن لا تخلوا أدلّة العموم من بيان تلك المحورية والمقصود الإجماليّ منها في تأثيرها على نحو السّير التّكامليّ للنفس، وإيصالها لحد الاعتدال والوسطية، وابعادها عن التّطرف والركون إلى طرفي الافراط والتّفريط، وعادة ما يتأتّى التطرّف في كل ظاهرة بسبب الجهل في جميع أطرافها أو بعض منها، والدين قائم على اطراف متعددة منها ما يرتبط بمعرفة النفس ومنها ما يرتبط بمنهج فهم قانون الدين ومنها ما يرتبط بأسلوب تطبيق الدين، وهذا الهرم الثلاثي إن وقع فيه الخلل أو في بعضه يقود إلى تطرّف اعمى في الدّين؛ لذلك نجد الدّين نفسه يؤكّد ارشاداً على هذا الهرم الثّلاثيّ، فنصّ على ضرورة معرفة النّفس (من عرف نفسه عرف ربه، أعرفكم بربه اعرفكم بنفسه)، وعلى ضرورة الرّجوع للتعقل والرّسول واهل البيت والرّاسخون في العلم(وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ;  ” أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ” ;   “صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُون”،   “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ”)، وفي التّطبيق نصّ (رَحِمَ اللَّهُ اِمرَأً عَمِلَ عَمَلاً فَاَتقَنَه).

في مقالنا نركز على الأسباب الناشئة من مقومات الهرم الثّلاثي هذا، فنقول:

  1. جهل الإنسان بنفسه: فأعظم ما يودي ويهوي بالإنسان، جهله بنفسه، فيتصرف على غير المقتضى الذي خُلق من أجله، فيتيه ويهلك، وعلى الخلاف من ذلك إن كان على بصيرة بحقيقتها، وبحقيقة قواها، وأيّها أكمل وأنفع، وكيفية التأثير فيما بينها، ومَنْ ينبغي أن يكون حاكما على غيرها؛ للوصول إلى حد الاعتدال، ومثل هذه المعرفة تمنع التأثر السلبي لبعض الجوانب الدّينيّة التي طرحها الدّين بمقدار لا تقود إلى انحراف وتعدّي في استقامة قوى النّفس، وانحراف في اعتدال الشخصيّة الدّينيّة، على ما نراه في بعض الممارسات الخاطئة والتي أصبحت شائعة للأسف الى حدّما في ازماننا هذه، كالانطواء والانغلاق على النّفس عند البعض وهو خلاف العقل العملي الذي يحث على التعايش واستفادة التكامل الإيجابي من الغير، أو وقوع البعض في جانب الافراط الوهمي والخيالي العاطفي المبالغ فيه الى حدّ الخروج عن الاعتدال العقلائي، كما تشهده بعض المناسبات الدينية في إقامة الشّعائر، ولا يعلم هؤلاء أن اسمى القوى عند الانسان العقل والتعقل وبها يصل لتمام كماله كما هو ثابت بالدليل والإرشاد الديني، لكن لا بمعنى قطع التأثير العاطفي، بل بمعنى تهذيبهما بمقدار لا ينافي الكمال العقلي والعقلائي.
  2. جهل الإنسان بمعرفة القانون الديني وفهمه: قوانين الدّين وردتنا بنصوص لغوية، وطبيعة النصّ اللغوي في كثير من موارده حمّال ذو وجوه، كما أن ما وردنا من نصّ لم يكن خاليا عن مشاكل كثيرة احصاها أهل الفن من علماء الرجال والدراية والأصول، وهذه الظروف تحتم علينا إيجاد المنهج الصحيح والقانون الخاص لفهم كلّ حقيقة دينية، علماً أن مسائل الدين متعددة الموضوعات منها كونية نظرية ومنها أيديولوجية عملية، ولكلّ فرع منها منهجها الخاصّ بها في فهم موضوعاتها، والمشكلة الشائعة الوقوع في هذا الزمان هو التداخل الحاصل في المناهج لفهم قانون الدين، فما كان يستدعي اليقين يطلبونه بالظن، وما كان يستدعي ظنا معتبرا يطلبونه بما لاعبرة فيه، مع اعمالهم اهوائهم وما اعتادت عليه نفوسهم من ارتكازات عاميّة غير مبنيّة على اساس علميّ صحيح. ومن هذه الاسباب نرى تطرّفا عجيبا في فهم العالم، ورسم ملامح الرؤية الكونية، بحيث وصل البعض فيهم إلى الجرأة بالقول بجسمية الواجب وتحدده بجهة وزمان، وتعدّ البعض إلى استفادة النسبية المعرفية من نصوص بعض الآيات والروايات، وافتى آخرون بنظم أخلاقية مستفادة من النصوص غير قائمة على استنباط صحيح وأسس منهجيّة واضحة.
  3. جهل الإنسان بكيفيّة التّطبيق الدّينيّ: هذه المرحلة لا تقلّ خطورة عن سابقتيها، بل بها يظهر التأثير العملي للانحراف والتّطرف الدّيني، وغالبا ما تكون ناتجة عن النقص الحاصل في الأمرين الأوليين، كما انّه قد يظهر الانحراف فيها حتى بعد تخطي الأمرين، وتكمن خطورتها عادة في تعدّيّ حدّ الوسط والاعتدال والخروج إلى طرفي الافراط والتّفريط، فالمبدأ قد يكون صحيحا، لكنه سرعان ما يتحوّل إلى ظاهرة سلبيّة بالخروج عن حدّ الاعتدال، فلا يشكّ الواحد منّا بفائدة الصوم مثلا، لكن نجد الشريعة منعته في موارد متعدّدة كالصوم حال المرض والاضرار بالنفس او الغير، وصوم الوصال والصّوم في بعض الأيام؛ كي لا يتحول إلى ظاهرة تمنع من الحياة الفاضلة، وامثاله كثير في التطبيقات الدّينيّة، وخصوصا التطبيقات المرتبطة بالحالات الاجتماعية العامة، كالحج والزيارات واقامة الشعائر والمناسبات، فما لم تكن منظبطة بالقانون العقلائي والحد والوسط ستنقلب لظواهر ذات مردود سلبي على الدين والمجتمع الديني.

والحل لجميع مثل هذه المشاكل تكمن في معرفة المنهج الصحيح للوصول الى احكام صحيحة في كلّ مسألة، ومعرفة النفس وقواها وكيفية مسالك وصولها وارتقائها، وبعدها تكتمل الصّورة الحقّة في كيفية التطبيق والسلوك الصحيح.


  1. محمد ابراهيم - الجمعة, 6 يناير 2017 في الساعة 9:00 ص

    وتأسيساً على ما سبق يجب الا نغفل العامل الاجتماعى والسياسي إذ أن التطرف بكافة أنواعه قد ينتشر في البيئات الذى ينتشر فيها الجهل والمرض والفقر والتي يتحكم فيها نظام سيأسي قمعي استبدادي إقصائي فيغيب العدل وينتشر التطرف.