التصنیف: أساليب البرهنة, عقلیّات
التاریخ: 4 أغسطس, 2015
المشاهدات: 9٬133
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات:

مقدمة أساليب البرهنة على المطلوب

إن عملية البرهنة على أي مطلوب تتم من خلال استعمال أمور تخولنا الانتقال من حالة الجهل بالمطلوب إلى حالة التصديق به أو بمقابله.

والمطلوب قد يكون قضية حملية وقد يكون قضية شرطية وسنتكلم ابتداءً في الحمليات.

كل مطلوب يتعلق به السؤال بأحد طرفي النقيض؛ لأن النقيضان لا يصدقان معا ولا يكذبان معا، حيث نسأل عن المطلوب بأحد طرفي النقيض على الشكل التالي:

هل المحمول موجود في الموضوع أو ليس موجودا في الموضوع؟

مثلما نسأل: هل تحصيل اللذات هو السعادة أو ليس تحصيل اللذات هو السعادة؟

أو هل الأفعال الملائمة للانفعالات أفعال خيرة أو ليست أفعالا خيرة؟

أو هل الكون موجود من تلقائه ذاته أو ليس موجودا من تلقاء ذاته؟

وحتى نستطيع معرفة الجواب عن سؤالنا عن المطلوب فنحن بالخيار بين سلوك أحد طريقين:

إما أن نبدأ من أحد جزئي المطلوب. فنأخذه ونبحث عن علاقاته بمعان أخرى نعلمها كي تقودنا إلى ربطه بالجزء الآخر.

وإما أن نبدأ من المطلوب ككل. فنأخذه كله ونبحث عن علاقاته بقضايا أخرى نعلمها كي تقودنا إلى معرفة حاله من الصدق أو الكذب.

وليس هناك من سبيل آخر غير هذين السبيلين لأن ملاحظتنا لأي مطلوب لا تخلو إما أن تكون لحاظا لأجزائه أو لحاظا له ككل وليس هناك خيار ثالث.

ولذلك فنحن أمام مهمتين:

الأولى أن نبحث عن المعاني التي نعلم بعلاقتها بأحد أجزاء المطلوب حتى تقودنا إلى العلم بالمطلوب.

والثانية: أن نبحث عن القضايا التي نعلم بعلاقتها بالمطلوب ككل حتى تقودنا إلى العلم به.

وإذا شرعنا بالمهمة الأولى وجدنا أن هناك ثلاثة أنواع من المعاني تكون لها علاقة بجزء المطلوب وهي:

  1. المعاني الجوهرية: والمعاني الجوهرية للشيء هي التي تعرفنا عن الشيء ما هو دخيل في جوهره، فإذا جمعت كلها صارت حدا له وكان كل معنى جوهري جزء حد، وإذا كان للمعاني الجوهرية أيضا معان تدل على جوهرها كان لها أيضا حد، فتكون أجزاءه أجزاء أجزاء حد جزء المطلوب. وأجزاء الحد على نحوين إما مشتركة وتسمى أجناس وإما خاصة به وتسمى فصول. والأول مثل الشكل فإنه في جوهر للمثلث ولكن عام لغيره كالمربع، والثاني مثل التألف من خطوط ثلاثة متقاطعة فإنه خاص به.
  2. المعاني غير الجوهرية: والمعاني غير الجوهرية هي التي تعرفنا عن الشيء أموراً غير دخيلة في جوهره وهذه ثلاثة أنحاء: مشترك، وخاص وأخص. والأول يسمى عرضا عاما مثل الزوجية للأربعة فإنها مشتركة والثاني يسمى خاصة مثل نصف الثمانية فإنه خاص بالأربعة والثالث يسمى عرضاً أخص مثل الزوجية للعدد فإنها أخص منه.
  3. المعاني المقابلة له: والتقابل بين المعاني المفردة على ثلاثة أنحاء: إما تقابل التضاد، مثل الاستقامة والانحناء وإما تقابل التضايف مثل الجزء والكل، وإما تقابل الملكة وعدمها مثل العلم والجهل.

وإذا شرعنا بالمهمة الثانية وجدنا أن هناك نوعين من العلاقات بين القضايا يمكن أن نجدها حاصلة مع المطلوب ككل، وهي:

  1. القضايا التي هي لوازم وهي التي لا تخلو إما إذا صدقت صدق المطلوب أو إذا صدق المطلوب صدقت، أو إذا كذبت كذب المطلوب أو إذا كذب المطلوب كذبت. وهذه لها أقسام وتفصيلات نأتي على ذكرها لاحقا.
  2. القضايا التي هي مقابلات: وهي لا تخلو إما إذا صدقت كذب المطلوب أو إذا كذبت صدق المطلوب أو إذا صدق المطلوب كذبت، وإذا كذب المطلوب صدقت، وهذا هو حال القضايا المضادة والمناقضة.

وبناء على ذلك كله فإن السبيل إلى معرفة الصادق والكاذب من طرفي النقيض  في السؤال عن المطلوب إنما يكون من خلال البحث عن أحد هذه الأمور الأربعة وهي:

إما أوصاف أحد جزئيه (الجوهرية أو غير الجوهرية) وهي: الحد والجنس والفصل، والخاصة والعرض العام.

وإما مقابلات أحد جزئيه من أنواع المقابلات المفردة الثلاث.

وإما لوازم المطلوب ككل.

وإما مقابلات المطلوب ككل.

وبما أن جزء المطلوب إما المحمول وإما الموضوع فهذا يعني أننا أمام ثلاثة طرق للشروع في البحث لمعرفة حال المطلوب:

إما أن نشرع من الموضوع.

وإما أن نشرع من المحمول.

وإما أن نشرع من كل المطلوب.

فإذا شرعنا من الموضوع نبحث إن كنا نعرفه بأحد (أوصافه) :حده أو جنسه أو فصله أو خاصته أو عرضه العام أو الأخص، أو نبحث إن كنا نعرف شيئا من أحد (مقابلاته) الثلاث، ثم نأخذ ما عثرنا عليه وننظر إن كنا نعرف بعلاقة: (الوصف أو المقابل) مع المحمول بأحد أنحاء العلاقة، فإن عثرنا على أننا نعرف بعلاقته بالمحمول يصير عندنا قضيتان معلومتان بينهما طرف مشترك، وبذلك يمكننا أن ننظر في علاقة الطرف المشترك مع كل منهما: هل تخولنا العلم بعلاقتهما معا؟ فإن خولتنا حصل عندنا الدليل على المطلوب وإلا كان علينا العثور على غيره من الأوصاف أو المقابلات.

وإذا شرعنا من المحمول نبحث إن كنا نعرفه بأحد (أوصافه) :حده أو جنسه أو فصله أو خاصته أو عرضه العام أو الأخص، أو نبحث إن كنا نعرف شيئا من أحد (مقابلاته) الثلاث، ثم نأخذ ما عثرنا عليه وننظر إن كنا نعرف بعلاقة: ( الوصف أو المقابل) مع الموضوع بأحد أنحاء العلاقة، فإن عثرنا على أننا نعرف بعلاقته بالموضوع يصير عندنا قضيتان معلومتان بينهما طرف مشترك، وبذلك يمكننا أن ننظر في علاقة الطرف المشترك مع كل منهما: هل تخولنا العلم بعلاقتهما معا؟ فإن خولتنا حصل عندنا الدليل على المطلوب وإلا كان علينا العثور على غيره من الأوصاف أو المقابلات.

أو نشرع من كل المطلوب ونبحث إن كنا نعرف شيئا من لوازمه أو مقابلاته. فإن عثرنا على لازم من لوازمه نظرنا إن كنا نعرف صدقه أو كذبه ثم نظرنا إلى نحو اللزوم الذي بينه وبين المطلوب وبنينا على ما يوجبه، وكذلك نفعل إن عثرنا على شيء من مقابلاته. وسياتي تفصيل ذلك.

ومن هنا: فعلينا بعد أن عرفنا هذه المقدمة أن نتعرف على تفاصيل كل طريق: مدى صلاحيته ومقدار ما يوصلنا إليه وكيف يوصلنا؟ فنعرف: فما هي خصوصية كل وصف ممن أوصاف الموضوع أو المحمول؟ وما الذي يقتضيه من العلاقات؟ ومتى تكون موجبة للعثور على الدليل؟ ولماذا؟ ومتى لا تكون كذلك؟ ولماذا؟، والأمر عينه يجري في المقابلات المفردة وفي اللوازم وفي المقابلات التي هي قضايا.

ولذلك سنشرع في الحلقة القادمة بتصفح الطريق الاول الذي يمكن أن نشرع منه لتحصيل الدليل على أحد طرفي النقيض في السؤال عن المطلوب.