معهد المعارف الحكمية يجري حواراً مع الدكتور أيمن المصري | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: الأخبار
التاریخ: 24 أغسطس, 2016
المشاهدات: 1٬420
الطباعة
إرسل لصدیقك
بقلم: ahmad

أجرى موقع معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية في لبنان، حواراً موسعاً مع رئيس مؤسسة أكاديمية الحكمة العقلية واستاذ الفلسفة الشيخ الدكتور أيمن المصري تناول فيه مواضيع مختلفة تهم الساحة الثقافية والفكرية والمعرفية.

وأوضح الشيخ المصري “ما المقصود من العقيدة عند الإنسان، وأهميتها”، فيما أوضح في معرض رده على سؤال عن “كيفية تشكل العقيدة عند الإنسان”، وقال “اما بالنسبة لكيفية تشكل هذه العقيدة او الرؤية الكونية عند الانسان، في الواقع يمكن ان نجد ثلاثة طرق رئيسية ينتهجها معظم الناس في تشكيل عقائدهم. معظم الناس تسلك احد هذه الطرق الثلاثة”.

وبين إن “الطريق الأول هو العرف ،يعني كل انسان يتبنى العقيدة العرفية في المجتمع الذي نشأ وترعرع فيه. فاذا كان مجتمعا مسلما يصبح مسلما، مسيحيا يصبح مسيحياً، إذا كان مادياً يصبح مادياً، تابع للعرف، وهذه من أشهرالطرق في بناء العقيدة عند الناس، فالذي يولد في مصر يصبح مسلماً سنياً والذي يولد في العراق مثلاً مسلماً شيعياً أو في الفتيكان يصبح مسيحياً أو في الصين يصبح بوذياً”.

وتابع رئيس الأكاديمية إن “الطريق الثاني المعروف أيضاً لبناء العقيدة هي اعتقاد الأكابر، يعني الإنسان عندما يثق في الأكابر داخل المجتمع، الذين يمثلون الرموز الاجتماعية داخل المجتمع كآبائه وأجداده ومشايخه وكاساتذته ومفكريه ورؤسائه”.

ولفت إلى أن الطريق الثالث هو شرائح من الناس تمردت على هذه المقبولات والاعراف المشهورة وقالت نحن نحصل عقائدنا بالتجربة الحسية في هذه الحياة، اي نحن نعيش تجربة معينة ونستطيع ان نبني رؤيتنا عن الحياة عن طريق هذه التجربة التي نكتسبها من الحياة والتي نشاهدها، طبعا هذا الاتجاه عادة يكون اتجاها مادياً يكون رؤية مادية لأنه عندما يعتمد على الحس والتجربة فقط سيعتقد الاعتقاد الذي يمكن ان يدرك عن طريق الحس والتجربة وهو القضايا المادية، فيصبح الإنسان مادي، وهذا مشهور جدا في المجتمعات الغربية او الليبرالية وهو لا يقبل الانصياع لا لكلام الاكابر ولا للاعراف الاجتماعية”.

وقال الشيخ الدكتور أيمن المصري إن “الإنسان العاقل فمع إدراكه لأهمية العقيدة البالغة في تعيين مسير ومصير الإنسان في الحياة الدنيا ومابعدها، فلا يغامر بانتهاج هذه الطرق الثلاثة التي ذكرناها لبناء عقيدته، لماذا؟ لان طريق الحس والتجربة يعلم العقل بأنه طريق محدود وسطحي ولا يمكن ان يلبي بنحو واقعي الاجابة على هذه الاسئلة”.

 

وفيما يلي نص المقابلة

بسم الله الرحمن الرحيم

مقابلة مع الدكتور الشيخ ايمن المصري

أستاذ الفلسفة في جامعة المصطفى (ص) – قم المقدسة ورئيس أكاديمية الحكمة العقلية

تحت عنوان ” أمهات المطالب العقائدية من منظار المدرسة المشائية”

الدكتور العزيز لا بد أن نشكر قبولكم لإجراء المقابلة معنا لنستفيد منكم على مستوى الفلسفة والعلوم العقلية، فأهلا وسهلا بكم، ونحن نعرف خبرتكم سعة اطلاعكم بالفلسفة المشائية لا سيما عند الشيخ الرئيس ابن سينا والمعلم الثالث المير داماد، ومقابلتنا سوف تدور حول أمهات المطالب العقائدية من منظار المدرسة المشائية، وأهم القضايا التي تدور حولها من فروقات بينها وبين باقي المدارس الإسلامية وبينها وبين الفلسفة الغربية الحديثة وكذلك أهم الإشكالات العقائدية التي وجهت لها، وكي يكون البحث والمقابلة تنهج النهج المنطقي أي من التصور إلى الحكم والتصديق فإن الأسئلة ستكون كذلك أي تبدأ أسئلة تصورية لتصل للتصديقية.

 

ماهو المقصود من العقيدة عند الإنسان؟

بسم الله الرحمن الرحيم.

بداية نشكركم، على طرحكم مثل هذا الموضوع في هذا الزمن الذي ضاعت فيه القيم والمبادئ واختلطت فيه المفاهيم، وتفشت فيه الانحرافات الفكرية والعقائدية.

المقصود من العقيدة هي اصول الفكر الانساني الذي يعبر عنها في بعض الاحيان بالرؤية الكونية، يعني النظرة الكلية للحياة، التي يتبناها الانسان، وهي تتعلق بالاجابة عن ثلاث اسئلة رئيسية، يسألها كل انسان بنفسه منذ نعومة اظافره. وهي من انا ؟ ومن اين؟ ، وفي اين ؟ والى اين؟

هذه التي تمثل اصول الاعتقاد،الانسان يسأل عن حقيقته من هو هذا الانسان ، ويسأل عن مبدئه ؛من اين انا جئت؟ ويسأل عن حقيقة هذا العالم الذي يعيش فيه، ويسأل عن منتهاه الى اين اذهب بعد الموت. هذه اسئلة مشروعة يسألها كل طفل في بداية حياته. الاجابة عن هذه الأسئلة تشكل الرؤية الكونية للانسان او النظرة الفلسفية للانسان التي يعبر عنها بالاصطلاح الشرعي باصول الاعتقاد او بحسب المصطلح الاكاديمي بالرؤية الكونية او هذا هو المقصود بالعقيدة عند الانسان.

ماهي أهمية العقيدة في حياة الإنسان؟

اما بالسنبة للاجابة على سؤالكم الثاني حول اهمية العقيدة في حياة الانسان، فنقول ان الانسان في حياته يبحث دائما عن السعادة، اي انسان يطلب السعادة ومن اجل تحصيل هذه السعادة ينبغي ان يبحث عن مايوجبها ويحققها بالواقع، هذا الذي يحقق السعادة عند الانسان هو ما نسميه بالكمال، او كما يسميه الحكماء بالخير ، الخير هو الكمال الذي اذا حصل للانسان يشعر باللذة والسرور والفرح والبهجة والسعادة، فاذن هو يطلب الخير آناء الليل واطراف النهار منذ الصباح الى المساء يبحث عما يطلبه من اجل السعادة، هذا الكمال هو يمثل المبدأ العلمي والفكري الذي يحرك الانسان نحو افعال معينة فالفعل الاختياري للانسان-كموجود مختار- ينطلق من هذه المبادئ الفكرية العلمية لأن هذا الكمال خير لي فتتعلق به الارادة ويشتاق اليه ثم يريده ويوجد العزم على تحصيله، فاذن هذا الكمال له وجود ذهني عنده ويشكل مبدأ الفعل الاختياري، هذا الكمال- بأن هذا خير لي – ومجموعة الكمالات بأن هذا خير يجب فعله وهذا شريجب تركه هذا يشكل ما يسمى بالعقيدة العملية او الايديولوجية عند الانسان بحسب المصطلح الشائع، اي منطلق الفعل الاختياري الارادي، هذا الذي يتحكم في افعال الإنسان في الليل والنهار، هذه العقيدة العملية من اين تنبع وكيف تنشأ؟ تنشأ من العقيدة النظرية او الرؤية الكونية التي نحن نتكلم حولها، فهنا تأتي اهمية العقيدة النظرية بانها هي المبدأ الحقيقي والوحيد لهذه الايديولوجية التي تتشكل فيها الكمالات الانسانية بحسب نظرة هذا الانسان وتصبح مبدأ الافعال الاختيارية وسلوكه في الحياة، فتكمن اهمية الرؤية الكونية بانها تشكل المبدأ والمنطلق للايديولوجية التي يبتني على اساسها السلوك الانساني الاختياري، فالرؤية الكونية سوف تتحكم في تحديد مسير ومصير الانسان عن طريق تشكيل الايديولوجية العملية التي يتشكل على اساسها اسلوب الحياة life style ، هذا الاسلوب الذي يسلكه الانسان يختلف بين انسان واخر لذلك نجد ان اسلوب الانسان المتدين يختلف عن اسلوب غير المتدين لان ايديولوجية الانسان المتدين وعقيدته تختلف عنها في غير المتدين، فمن يؤمن بوجود الله تعالى والمبدأ والمعاد سوف يكون ممتثلا للاحكام الالهية في سلوكياته اما الذي لا يؤمن بوجود الله فلا معنى للالتزام بهذه الاحكام فهو غيرمتشرع كما نسميه بالنسبة للشريعة الالهية، فهمنا تكمن اهمية العقيدة في الانسان انها تعين مسيرومصير الانسان في الحياة الدنيا وما بعدها.

 

كيف تتشكل العقيدة عند الإنسان؟

اما بالنسبة لكيفية تشكل هذه العقيدة او الرؤية الكونية عند الانسان. في الواقع يمكن ان نجد ثلاثة طرق رئيسية ينتهجها معظم الناس في تشكيل عقائدهم. معظم الناس تسلك احد هذه الطرق الثلاثة. الطريق الاول هو العرف ،يعني كل انسان يتبنى العقيدة العرفية في المجتمع الذي نشأ وترعرع فيه. فاذا كان مجتمعا مسلما يصبح مسلما، مسيحيا يصبح مسيحيا،اذا كان ماديا يصبح ماديا،تابع للعرف، وهذه من اشهرالطرق في بناء العقيدة عند الناس. فالذي يولد في مصر يصبح مسلما سنيا والذي يولد في العراق مثلا مسلما شيعيا او في الفتيكان يصبح مسيحيا او في الصين يصبح بوذيا.

الطريق الثاني المعروف ايضا لبناء العقيدة هي اعتقاد الاكابر، يعني الانسان عندما يثق في الاكابر داخل المجتمع، الذين يمثلون الرموز الاجتماعية داخل المجتمع كآبائه واجداده ومشايخه وكاساتذته ومفكريه ورؤسائه… هؤلاء يأخذ ايضا اعتقاده منهم، عندما يثق بهم يعتقد باعتقادهم وهذا الذي نسميه في المنطق بالمقبولات اي تلك الاعتقادات التي قبلها الانسان من الاكابر ومن الرموز والنخب المفكرة العلمائية سواء كانت الدينية او المادية، يأخذ منها اعتقاده ويسمى بالاعتقاد المقبول وهو ايضا من الطرق المعروفة داخل المجتمع لبناء الاعتقاد هو تبعية الاكابر والجهات التي يثق فيها في الاعتقاد.

اما الطريق الثالث فهو: شرائح من الناس تمردت على هذه المقبولات والاعراف المشهورة وقالت نحن نحصل عقائدنا بالتجربة الحسية في هذه الحياة، اي نحن نعيش تجربة معينة و نستطيع ان نبني رؤيتنا عن الحياة عن طريق هذه التجربة التي نكتسبها من الحياة والتي نشاهدها، طبعا هذا الاتجاه عادة يكون اتجاها ماديا يكون رؤية مادية لانه عندما يعتمد على الحس والتجربة فقط سيعتقد الاعتقاد الذي يمكن ان يدرك عن طريق الحس والتجربة وهو القضايا المادية.فيصبح الانسان مادي. هذا مشهور جدا في المجتمعات الغربية او الليبرالية وهو لا يقبل الانصياع لا لكلام الاكابر ولا للاعراف الاجتماعية التي نشأت في المجتمعات التي نشأ فيها، وبالتالي هو يأخذ تجربته من الحياة ويقول ان الحياة عبارة عن كذاوكذا ودائما وغالبا ما تكون رؤيته مادية ،هذه هي الطرق الثلاثة التي يعتمدها اغلب الناس في بناء رؤيتهم الكونية.

اما الانسان العاقل فمع ادراكه لاهمية العقيدة البالغة في تعيين مسير ومصير الانسان في الحياة الدنيا ومابعدها، فلا يغامر بانتهاج هذه الطرق الثلاثة التي ذكرناها لبناء عقيدته، لماذا؟ لان طريق الحس والتجربة يعلم العقل بأنه طريق محدود وسطحي ولا يمكن ان يلبي بنحو واقعي الاجابة على هذه الاسئلة، اي لايمكن ان يكشف عن مبدأ الانسان ومنتهى الانسان وحقيقة الانسان فكل هذه الامور غير محسوسة اي خارجة عن مجال الحس فكيف يعتمد على الحس والتجربة فيها، اذن هذا الطريق لا يمكن ان يقبلها الانسان العاقل، اما طريق المشهورات والمقبولات والاعراف فقد تصيب وقد تخطئ فهذه الامور، ليس بالضرورة عندما اولد في مجتمع يمتلك اعتقاد ما اذن هذه العقيدة صحيحة، والا لتناقضت وتقابلت العقائد المختلفة، المجتمعات تحمل عقائد مختلفة ومتباينة بل متقابلة، اذن لا يمكن الاعتماد، او مثلا كلام الاكابرفي المجتمع فقد يصيبوا وقد يخطئوا فأيضا لا يمكن ان نتبعهم في اعتقاداتهم بالنحو الذي يؤمن لنا الاعتقاد الواقعي او الصحيح فاذن الاعتماد على كلام الاكابر او على الاعراف او المقبولات والمشهورات هي امور نسبية متغيرة بتغير الزمان والمكان ولا يمكن التعويل عليها في بناء العقيدة التي يريد الانسان ان يبني حياته ومصيره على اساسها، إذن ماذا يفعل هذا الانسان؟ يقول نحن لابد ان نبدا من حيث ينبغي ان نبدا، اي نبدأ من الامور والقضايا الواضحة البديهية عند الانسان التي هي قواعد ومفاهيم مشتركة الوضوح عند الجميع غير قابلة للخطأ وانها امور موضوعية اي objective وليست subjective ذاتية نفسية تخضع للمزاج والاعراف والغيرية،فهذه امور مشتركة بين الناس،هذه البديهيات التي ينبغي ان ينطلق منها الانسان ويجعلها اساسا لبناء صرح المنظومة المعرفيةوالعقائدية لديه بنحو واقعي ومطمئن وهذا هو طريق الحكماء وطريق الانبياء عليهم الصلاة والسلام ،الانطلاق من الفطرة الانسانية التي ينبغي الانطلاق منها وهي مبادئ واضحة عامة بين كل الناس واضحة عند جميع العقول صادقة في نفسها غير قابلة للانكار وفي نفس الوقت هي موازين موضوعية لا تخضع للامزجة والاراء الشخصية وبناء عليها نبني اعتقاداتنا على هذه الاسس البديهية العقلية.

 

ماهو الفرق بين الفيلسوف والمتكلم؟

بالنسبة للفرق بين الفيلسوف والمتكلم، فهذا سؤال مهم لان الكثير لا يميز بينهما بصورة واضحة على رغم الخلاف الطويل والمرير بينهما على مر التاريخ، الفيلسوف ،طبعا عندما اتكلم عن الفيلسوف اقصد الفيلسوف الحقيقي وليس اي انسان يفكر تفكير نحو معين، كما الان للاسف اصبحت كلمة الفيلسوف كلمة مبتذلة يتصف بها كل من تفكر تفكيرا ما غير تفكير عامة الناس الامر ليس هكذا، الفيلسوف هو الانسان الباحث عن الحقيقة هذا اول شيء، وباحث عن بناء الرؤية الكونية الصحيحة عن الانسان وعن مبدئه وعن معاده، وهو ينتهج في سبيل الوصول الى هذه الرؤية المنهج العقلي البرهاني الذي يخضع للقوانين المنطقية الصادقة والثابتة والتي تم بيان صلاحيتها العلمية في صناعة المنطق، فهو انسان يبدأ وينطلق من هذه القضايا البديهية الاولية التي اشرنا اليها ويبني عليها صرح معرفته ورؤيته فهو يستعمل البرهانالعقلي الذي يتألف من قضايا بديهية بصورة قياس منتج حتى يصل الى النتيجة النهائية التي تكشف عن الواقع كما هو بدون استحسانات شخصية وبدون ارتكازات عرفية او قضايا مقبولة من اكابر المجتمع، فهوانسان يسعى للوصول الى الحقيقة وبالتالي ينتهج المنهج المنطقي الصحيح الذي يوصله الى الحقيقة لانه مبني على قضايا فطرية صادقة غير قابلة للخطأ كما قلنا، فيصل الى هذه الحقيقة بغض النظر عما ادى اليه البرهان مهما كانت النتيجة فهو تابع للبرهان، وكل نتيجة يؤدي اليها البرهان العقلي القائم على القضايا الفطرية البديهية هو يؤمن بها ويعتقد بها بدون اي احكام مسبقة مكتسبة من العرف او من اكابرالقوم او من الاهواء والامزاج الشخصية فهذا هو الفيلسوف.

اما المتكلمون، فهم رجال الدين سواء كانو في الدين المسيحي او الاسلامي، هم رجال الدين الذين اعتنقوا ديانة معينة ثم بعد ذلك يسعون الى اثباتها بالطرق العقلية وبالطرق المنطقية، فهو يعتقد اولا ثم يستدل ثانيا، هم في الاصل كما قلنا هم كانوا من الفقهاء والمحدثين الذين كانوا من رجال الدين وهم يرون ان هذه العقيدة صحيحة وينبغي فهم العقيدة من خلال النصوص الدينية ثم بعد ذلك نسعى لاقامة الادلة العقلية المنطقية عليها لاثباتها للخصم ،لاثباتها لمن لا يؤمن بهذه النصوص الدينية، وهو يسمى المنهج الجدلي، يعني هو عبارة عن إلزالم الخصم وافحام الخصم بصحة وحقانية الاعتقاد، هذا الاعتقاد كيف حصله هو حصله طبعا بداية بالامور الفطرية الاولية عنده،

ولكن المتكلم يرى ان العقائد التفصيلية كلها المبدأ والمعاد والنبوة، لا بد ان تؤخذ من النص لا من العقل، نعم يستعمل الادلة العقلية لاثبات ما فهمه من النصوص الدينية للفلاسفة او لمن لا يؤمن بهذه النصوص الدينية كمبدأ ومنطلق لفهم العقيدة والرؤية الكونية هذا هو المتكلم،لذلك هم يسيرون في الاتجاه المعاكس للفيلسوف، لان الفيلسوف يستدل ثم يعتقد اما المتكلم فيعتقد ثم يستدل، يعتقد اولا بعقائده التفصيلية التي انتزعها من النصوص الدينية ثم يستدل عليها بالادلة العقلية، وهذا الذي اوجب النزاع بينهما، المنهج مختلف ومتعاكس تماما، طبعا هم يرون ان المسلك الصحيح هو هذا او اذا اراد الانسان ان يبدأ بالعقل فلا بأس بشرط ان لا يخالف في نتيجته ظاهر النصوص الدينية، هنا بيت القصيد، يعني يقول يمكن للانسان ان يبدأ بالعقل ولكن هناك خطوط حمراء ينبغي عدم تعديها وهي ظواهر النصوص الدينية، يقول العقل لا ينبغي ان يؤدي الى نتيجة تخالف النقل، وبالتالي لديهم خطوط حمراء يعني ليس لديهم الحرية المطلقة التي عند الفيلسوف. الفيلسوف لا يعتقد اي اعتقاد قبل البرهان يرى ان الطريق المشروعة الوحيدة المنسجمة مع الفطرة العقلية هي ان يسلك الانسان السلوك البرهاني وما تؤدي اليه النتيجة يستسلم لها ويسلم لها لا يعتقد اولا من خلال النصوص الدينية التي هي ظنية الصدور وظنية الدلالة في اكثرها ثم يبني عقيدته ثم يسعى لتلفيق دليل عقلي عليها لاثباتها كما يفعل المتكلمون فبالتالي هذا الذي ادى الى الخلاف الكبير بين الفلاسفة والمتكلمين، المتكلمون كانوا يعتقدون ثم يستدلون وكانوا يضعون خطوطا حمراء لا ينبغي تعديها وينبغي رفض اي برهان عقلي مبني على خلافها، على خلاف الفلاسفة هم ينطلقون بمنتهى الحرية بموضوعية تامة ونزاهة تكملة في اثبات اعتقاداتهم على اساس البراهين العقلية المنطقية، هذا هو الفرق الحقيقي بين الفيلسوف والمتكلم.

 

ماهي أهم الإشكالات العقائدية التي أوردها المتكلمون على الفلاسفة المشائيين؟ وكيف يمكنكم الإجابة عليها؟

 

اما بالنسبة للاشكالات التي اوردها المتكلمون على الفلاسفة، فابو حامد الغزالي في كتاب تهافت الفلاسفة اورد ثلاثة اشكالات رئيسية على الفلاسفة واعتبرها كلها مسوغا لتكفيرهم وخروجهم عن الاسلام وهذا من الامور العجيبة، الاشكال الاول: انكارهم للحدوث الزماني للعالم واثباتهم لقدم العالم. هذا هو الاشكال الاول، الاشكال الثاني انكارهم للمعاد الجسماني كما هو ظاهر من النصوص الدينية، وذهابهم الى اثبات المعاد الروحاني فقط لا غير، الاشكال الثالث انكارهم لعلم الباري تعالى بالجزئيات وقولهم ان الباري لا يعلم الا الكليات مع ان الله يعلم كل ما يجري في ملكه، هذه هي الاشكالات الثلاثة الرئيسية التي اوردها المتكلمون واعتبروها انكارا لما هو معلوم من الدين ضرورة واصل هذه الاشكالات الثلاثة كما سنشير مبني على المنهج المعرفي في معرفة الواقع والفهم العرفي الساذج للنصوص الدينية وقياسهم للغائب على الشاهد يعني هم يعتبرون الباري سبحانه وتعالى صانع ويسمونه بالصانع وبالتالي في علمه وقدرته وافعاله وصفاته كأي صانع موجود كالنجار ولكن اعظم. اي اعظم صانع اعظم من الصانع المادي، ولكن نفس الصفات والافعال الموجودة عند الصانع المادي موجودة عند الباري سبحانه وتعالى فيقيسون افعال الصانع هناك على افعال الصانع هنا. وهذا هو منشأ اشتباهاتهم كلها التي اوردوها في العقيدة. وسنبين الرد على كل واحدة واحدة من هذه الاشكالات بنحو منطقي انشاءالله تعالى.

اما الاشكال الاول وهو قدم العالم فالفلاسفة اولا تقول بحدوث العالم حدوثا ذاتيا وليس حدوثا زمانيا، اي لم يكن ثم كان لان وجوده ليس من ذاته فبالتالي وجوده عارض على ذاته وجوده من غيره فيكون بعد غيره متاخر عن الغير وهذا يكفي في اثبات خلقة العالم وان العالم مخلوق، ان وجوده من غيره مما يستلزم تاخره عن هذا الغير الذي هو فاعله وخالقه وتاخر ليس زمانيا بل ذاتيا فيكفي في اثبات المخلوقية الحدوث الذاتي لان هم اشكالهم على القدم انه اذا كان العالم قديما كما يقول الفلاسفة فهذا يستلزم ان لا يكون مخلوقا لانه دائما مع الله مع انه قد خلقه. نحن نجيب لا ،المخلوقية ليست بالضرورة ان تكون مخلوقية زمانية اعم من ان تكون مخلوقية ذاتية او مخلوقية زمانية، كان الله ثم خلق الخلق هذا الترتب ليس بالضرورة، ثم في اللغة العربية تعني الترتب ولكن ليس بالضرورة الترتب الزماني بل اعم من الذاتي والزماني. وابن سينا في الاشارات اشار الى مسالة مثال اليد والمفتاح يعني عندما يحرك الانسان المفتاح ويفتح الباب نقول تحركت اليد فتحرك المفتاح مع ان حركة اليد والمفتاح معا في نفس الزمان فهذا مثال لطيف عرفي يبين انه حركة المفتاح من حركة اليد وان اتحد زمانا لكن هذا لا يعني المعية في كل شيء. نقول تحركت اليد فتحرك المفتاح وهذا تاخر وترتب رتبي علّي وليس زمانيا.هذا الامر الاول الامر الثاني. ان الحدوث الزماني للعالم تقول الفلاسفة ان اصل صدور العالم يعني عالم الامكان ككل متاخر عنه ذاتا ورتبة اما هذا العالم الذي نحن نعيش فيه اي عالم الزمان فكل موجود زماني من هذه الموجودات التي في هذا العالم عالم الطبيعة الذي نحيا فيه هي حادثة زمانا كل واحد حادث زماني فيه ولكن يكون هذه الحوادث الزمانية ليس لها اول من جهة الماضي. ليكن ادم عليه السلام خلق منذ عشرة الاف سنة مثلا ألم يكن قبله احد؟ من جمادات حيوانات نباتات اي شيء، خلق ادم عليه السلام منذ عشرة الاف سنة ثم جاءت ذريته من بعده بالترتيب الزماني الى يومنا هذا ما الاشكال في هذا وما التعارض مع العقل او الشرع، هذا يعني تحميل النص اكثر مما يستحق، فالمنهج المعرفي الحسي العرفي هو الذي اوقعهم في هذه المشكلات. من يقول بقدم العالم يتنافى مع المخلوقية ويتنافى مع الروايات التي تقول ان الله كان ولم يكن معه احد ثم خلق الخلق. نقول لا، المخلوقية اعم من ان تكون زمانية تستلزم التاخر الزماني للمخلوق على الخالق او مخلوقية ذاتية تستلزم التاخر الذاتي للعالم عنه.

 

وبالنتيجة هو الاول وهو المتقدم وهو الخالق فاذن ما ذهبوا اليه ليس بصحيح وكما قلنا ان جميع الحوادث الموجودة زمانية في هذا العالم حادثة زمانا من اول ابونا ادم عليه السلام الى يومنا كلهم من الحوادث الزمانية والفلاسفة تقول هذا لكن تقول هذه الحوادث ليس لها اول من جهة الماضي. وهذا ليس له علاقة بالشرع هذا بحث فلسفي، وايضا العالم الطبيعي اعم من الكرة الارضية التي نعيش فيها، الكرة الارضية ربما وجدت من عشرة مليون سنة لكن كما في عالم الطبيعة السماوات والارض هذه خلقت من زمان سحيق والله العالم، بل ليس لها بداية زمانية هذه بناء على البراهين العقلية واصل العلية وعلى ان الله تعالى هو علة تامة لمجمل العالم وبالتالي لا بد ان يكون المعلول مع علته في الوجود والا ان كان متاخرا عنها رتبة. ولكن العلة التامة لا تنفك عن المعلول هذه القواعد العقلية التي التزم بها الفلاسفة اذا نحن انكرناها لا يمكن اثبات اي شيء لا نثبت الخالق ولا المخلوق ولا المعاد لان هذه البراهين العقلية مبنية على هكذا قواعد واسس عقلية يجب ان تحترم وان تقدس اصل امتناع النقيضين ،اصل الهوية، اصل العلية واصل السنخية هذه القضايا مقدسة وكذلك مثلا اصل امتناع التسلسل..اساس البراهين العقلية التي اثبتنا بها الدين.

هذا بالاضافة الى ان الباري تعالى ليس موجودا زمانيا، ليس في الزمان فكيف يكون مخلوقه متاخرا عنه زمانا، لكن نفس هذا القوة الوهمية التي تسيطر على اذهان المتكلمين تشبيهه بالصانع المادي كالنجار،فالنجار يوجد اولا ثم يخلق الكرسي او الطاولة، النجار موجود في زمان،ويمكن ان يكون موجوداوالكرسي غير موجود ثم يشرع في صناعة الكرسي هكذا قياس الغائب على الشاهد هو الذي اوقعهم في القوة الوهمية وفي هذه الاشتباهات العجيبة، كيف يفرض موجودا غير زماني ثم تفرض موجودا ويكون متاخرا عنه زمانا! لا يمكن هذا كانك تفرض انه موجود اليوم ثم ياتي بعد ذلك مصنوعه في اليوم الثاني، نعم هذه في الموجودات المادية الزمانية اما الباري الذي هو فوق الزمان لا معنى ان يكون العالم متاخرا عنه زمانا بل يكون متاخرا عنه رتبة او دهرا كما عند السيد الداماد كما سنشير بعد ذلك هذا هوما اردنا بيانه بالنسبة للشبهة الاولى التي اوردوها على الفلاسفة.

اما بالنسبة لانكارهم للمعاد الجسماني، فهذا ليس بصحيح، المعروف والمشهور عند امثال الفارابي وابن سينا عدم انكارهم للمعاد الجسماني، بل يقولون مثلا في المعاد ان هناك بعض الذين هم اصحاب العمل السيء يمكن ان يتعلقوا بجسم فلكي، ويتكاملوا فيه ويشعرون باللذة او بالالم فيه يوم القيامة وهذا نوع من المعاد الجسماني، بالاضافة الى انه يوجد فرق بين ان يقول هناك برهان على امتناع المعاد الجسماني وبين انه ليس لدينا برهان على المعاد الجسماني، والثاني هو المشهور عندهم، ابن سينا يقول نحن اقمنا البرهان على المعاد الروحاني اما المعاد الجسماني فليس لدينا البرهان ولكن يمكن ان نعتقد به تعبداكنص ديني مقبول من النبي صلى الله عليه واله وسلم، من الصادق المصدق، وبالتالي يكون تعبديا وليس تحقيقيا، فلم ينكر المعاد الجسماني بل يقول ليس هناك برهان عليه، فاذن يبقى في حيز الامكان فاذا كانت النصوص الدينية تشير الى المعاد الجسماني نقول المعاد الجسماني موجود، فهذا افتراء بان الفلاسفة تنكر المعاد الجسماني، ليس لدينا برهان، نعم اذا قام البرهان على امتناع المعاد الجسماني نؤول كل هذه النصوص التي وردت في المعاد نؤولها على مصاديق معنوية ولا اشكال في هذا كما أولنا نصوص المبدأ المجسمة مثل يد الله عين الله، وجه الله، جاء ربك، الى ربها ناظرة ويحمل عرش ربك يومئذ.. هذه كلها ظاهرة ظهورا واضحا في ان الله جسم، ولكن ماذا فعلنا، لانها على خلاف ما جاء به البرهان العقلي قمنا بتأويلها وقلنا يد الله قدرته، عين الله عنايته، الى ربها ناظرة اي الى رحمة ربها ناظرة، وهكذا فعل الائمة والحكماء، فاذن مذهبنا هو هذا اذا تعارض النص مع البرهان العقلي يمكن ان يؤول النص بلا اي اشكال، العرب تستعمل المجاز اكثر مما تستعمل الحقيقة، نحمله على المعنى المجازي بلا اي توقف، ويمكن ان نفعل ذلك في الايات ايضا التي تتحدث عن المعاد نحمل كل اللذائذ المادية على اللذائذ العقلية وهاذا تفسير ولكن نحن لا نفعل ذلك لانه ليس لدينا برهان على الامتناع، فقد قلنا فرق بين انه لا يوجد لدينا برهان على الاثبات وان نقول لدينا برهان على الامتناع، الاول هو الصحيح ليس لدينا برهان على المعاد الجسماني وبالتالي يبقى في حيز الامكان ونقبل هذه النصوص على ظاهرها بلا اي مانع عقلي، فاذن اتهام الفلاسفة بانكارهم للمعاد الجسماني كذب وافتراء.

هذا بالاضافة الى ان المتكلمين يعتقدون بالمعاد العنصري، الجسماني العنصري، وهي الطامة الكبرى لان المعاد العنصري وهو عودة الروح بعد الموت الى نفس هذا الجسم العنصري يعني عودة الانسان الى الدنيا وهذا تناسخ وليس معادا، فهذا انكار للمعاد، المعاد هو العودة الى الله، انا لله وانا اليه راجعون، عودة الروح الى الله وليس الرجوع الى الدنيا، الرجوع الدنيا ليس الا الرجوع الى الجسم العنصري، الروح اذا تعلقت بالجسم العنصري دخلت الدنيا، هذا معنى دخول الانسان الدنيا، عندما تتعلق بهذا الجسم العنصري فاذا ما خرجت روحه ثم عادت الى نفس هذا الجسم العنصري فقد عادت الى الدنيا، وهذا هو التناسخ وليس المعاد، او يصير مثل احياء الموتى، احياء الموتى غير المعاد، اهل الكهف حينما اماتهم الله ثم احياهم او مثلا عزير اماته الله ثم احياه هذا احياء للموتى غير المعاد، المعاد العود الى الله فانتم عندما تقولون بالمعاد العنصري يعني هذا انكار للمعاد، فاذا كان لابد للتكفير فهم اولى بالتكفير من الفلاسفة، الفلاسفة لم ينكروا اصل المعاد وانما بينوا نحوا من المعاد: المعاد الروحاني، اي سباب المعاد الروحاني بالبراهين، اما انتم انكرتم المعاد بذهابكم الى عودة الروح الى الجسم لا الى الله فانتم اولى بالتكفير من الفلاسفة ان كان هناك ضرورة للتكفير. هذا ما اردنيا بيانه بالنسبة الى الاشكال الاول.

اما بالنسبة الى مسالة علم الباري سبحانه وتعالى، وهي من ارقى المسائل التي بينها الفلاسفة المشاؤون بنحو تام وصريح، الفلاسفة عندهم قاعدة عقلية تقول: ذوات الاسباب لا تعرف الا باسبابها، وهذا هو منشأ البراهين، ان ذوات الاسباب لا تعرف الا باسبابها الذاتية، عن طريق عللها الطبيعية، بحيث يكون الموضوع هو علة للمحمول، فهنا يصبح الصدق واجب وواقعي عند العقل، لا كلام الناس او كلام الاكابر كما قلنا في اعتقادات المتكلمين وغيرهم من عوام الناس بهذه القاعدة بأن ذوات الاسباب لاتعرف الا باسبابها وان العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول اثبتوا علم الله تعالى قبل ايجاده وهي من معضلات المسائل العقائدية، وان الله سبحانه وتعالى كيف علم بالاشياء قبل ايجادها وهي معدومة، هذا غريب اذا كانت معدومة فكيف علمها ،العلم الذي هو الحضور عند العالم، يجب ان يكون المعلوم موجودا حتى يعلم، ولكنه غير موجود قبل الايجاد فكيف يعلمه، واذا كان لا يعلم قبل الايجاد فكيف اوجد العالم دون علم هذا ايجاد عبثي، ويستلزم الجهل على الباري سبحانه وتعالى، الفلاسفة المشاؤون اثبتوا علمه سبحانه وتعالى قبل الايجاد بهذه الطريقة، بان الله تعالى يعلم بذاته وذاته علة للعالم والقاعدة العقلية تقولان العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول، فهو يعلم بالعالم باعلى مراتب العلم الاكتناهي التام قبل ايجاده،عن طريق هذه القاعدة العقلية، اذن علمه تعالى بالعالم قبل الايجاد وليس بعد الايجاد، حتى بعد الايجاد لايضيف الى علمه شيئا، تحصيل حاصل، وهناك رواية عن مولانا امير المؤمنين عليه السلام يقول علمه بعد الايجاد كعلمه قبله،فعلمه فعلي وليس انفعاليا، لا نريد ان نخوض كثيرا في هذه القاعدة الفلسفية اريد ان اقول ان الله تعالى يعلم بالاشياء عن طريق اسبابها فهو يعلم بكل شيء عن طريق اسبابه، يعلم بكل شيء جزئي او كلي قبل ايجاده عن طريق اسبابه، مثال على العلم بالجزئيات قبل ايجادها عن طريقاسبابها مثل العلم بالخسوف والكسوف، العلم في ما سيجري في المستقبل في شروق الشمس وغروب الشمس هذا علم بالاشياء قبل حصولها كما يعلم منجم هذه الاشياء والذي يقوم مواقيت الصلاة ومواقيت الخسوف والكسوف في السمتقبل، طبعا بناء على حسابات رياضية دقيقة يعلم ان الشمس ستشرق ولو بعد سنة او سنتين الساعة كذا وان القمر ينكسف بعد سنتين والقمر ينكسف بعد ثلاث سنوات فهو يعلم بدقة عن طريق الحسابات الرياضية، فهو علم بالاشياء عن طريق اسبابها، اذا كان المخلوقون يعلمون بالاشياء قبل حصولها فالباري تعالى لا يعلم! اذن هذا العلم بالاسباب هو ما يقصده الفلاسفة بالعلم الكلي، يقولون يعلم بالاشياء بنحو كلي اي بنحو ثابت عن طريق اسبابه وليس انه لا يعلم بالاشياء الجزئية، بل يعلم بالاشياء الجزئية بنحو كلي اي بنحو ثابت يعني عن طريق اسبابها الذاتية كعلم المنجم بحوادث المستقبل، فاذن هذا الخلط والمغالطة بين العلم بالكلي والعلم بالجزئي بنحو كلي الذي هو العلم بالجزئي بطريق ثابت عبر معرفة الاسباب الذاتية للحوادث الزمانية، فالله عند الفلاسفة المشائين يعلم بكل شيء بكل ذرة وبكل شيء جزئي ولكن بنحو كلي ثابت عن طريق اسبابه الذاتية وبالتالي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الارض، هذا هو الجواب عن الشبهة الثانية.

وخلاصة كل هذه الشبهات التي اوردناها تدل على غلبة القوة الوهمية عند المتكلمين، وعدم تجردهم العقلي في المباحث الفلسفية العقلية، وبالتالي الخطأ في منهجهم وتشبيههم للصانع والباري تعالى بانه هوالصانع وقياس الغائب على الشاهد هو الذي اوقعهم في الشبهات، فتلاحظون شبهة حدوث العالم يتوهمون الباري كانه صانع كالنجار يكون موجودا اليوم ثم يصنع الكرسي غدا فالكرسي حادث زمانا هكذا توهموا الباري سبحانه وتعالى، مسألة العلم بالجزئيات ايضا فالفلاسفة لا ينكرون العلم بالجزئيات لكن ينكرون العلم بالجزئيات بنحو جزئي يعني بنحو حسي، ما يتعلق به الاشارة الحسية الانية الزمانية، فالله ليس عنده حس، فكون الله لا يتحرك ولا يحس بل يعقل فقط بنحو اشرف من تعقلاتنا، فاذن تشبيه الغائب على الشاهد هو الذي اوقعهم في هذه الشبهات كالحدوث الزماني العالم او مسالة العلم بالجزئيات التي هي العلم الاحساسي فهم يثبتون الحس للباري تعالى كما يثبتون الحركة ايضا وهذا الشيء مؤسف نسال الله ان يجنبنا اياه.

 

ماهو الفرق بين الفيلسوف والعارف؟

أما عن الفرق بين الفيلسوف والعارف الصوفي فهو في المنهج المعرفي.

نحن قلنا أنّ الفيلسوف منهجه المعرفي هم المنهج العقلي البرهاني يعتمد على البرهان العقلي اليقيني في التعرّف على حقائق الوجود ومبادئه العليا، أما العارف فله منهج معرفي آخر، العارف يعتمد على القلب، والمقصود بالقلب ليس الجسم الصنوبري الموجود في جسم الانسان لا، يقصد به جوهر الانسان نفسه، هذا الجوهر المجرّد الذي يمثّل حقيقة الانسانية مجردٌ عن القوى الادراكيّة والمحرّكة، نفس لُب الانسان. فإذاً القلب بمعناه اللغوي أي اللب أي جوهر الانسان المجرد، هو يرى أنّ هذا الجوهر له حالة مرآتيّة كالمرآة، والمرآة حتّى تكشِف عن الواقع أو عن الحقيقة التي أمامها نحتاج الى أن نجري ثلاثة أشياء :

أولاً نقوم بصقل المرآة وتخليصها من الشوائب والقاذورات التي عليها، هذا يتم عن طريق تخلية النفس من الرذائل والأحقاد والأمراض النفسيّة.

الخطوة الثانية هي رفع الحجب، والتي هي عبارة عن قطع العلائق الماديّة، أي الانسان يقطع علائقه الماديّة مع شهوات الدنيا ورغباتها.

الخطوة الثالثة هي توجيه صفحة المرآة نحو الشمس، نحو الحقيقة، فمجرّد أن يفعل ذلك تنعكس الشمس مباشرةً على صفحة المرآة.

فالخطوة الأولى التي هي الاولى والثانية يقوم بها ما يسمى بشيخ الطريقة الذي يكون وظيفته هي تخلية القلب السالك المريد ورفع الحجب عنه، وهي قطع العلائق الماديّة عنه. أمّا الذي يقوم بتوجيه مرآة القلب السالك الى شطر عالم الملكوت والغيب هو شيخ الحقيقة، الشيخ الواصل كما يسمونه، هذا مجرد يستعمل الارادة التكوينية في توجيه مرآة قلب الانسان نحو الحقيقة فيرى ربّه في قلبه.

إذاً هذه المراحل الثلاثة: مسألة التخلية ورفع الحجب وتوجيه مرآة قلب السالك، هذا هو السلوك الصوفي والسلوك العرفاني الذي ينبغي أن يسلكه العارف حتّى تنكشف له الحقيقة، إذاً منهج العارف هو ليس منهج التربية والتعليم المتيسر لنا في المدارس والحوزات العلمية، وإنما هو بهذه الكيفية،مجاهدة النفس، رياضة النفس، بالاستعانة اولاً بشيخ الطريقة ثم الاستعانة بشيخ الحقيقة في النهاية في توجيه مرآة القلب الى عالم الملكوت والحضرة الالهية. هذه هي طريقة العارف او المنهج المعرفي للعارف، وبالتالي اذا مرّ بهذه الخطوات الثلاثة تحصل له المكاشفات، المكاشفات عندهم عبارة عن مكاشفات صوريّة ومكاشفات معنويّة، المكاشفات الصورية مثل المنامات الصادقة التي يراها في المنام او في اليقظة، وأمّا المكاشفات المعنوية فهي الالهامات التي يمكن أن يلهمها السالك الى الله سبحانه وتعالى وأما المكاشفة الثالثة فهو العلم الحضوري، ما يسمى بالعلم الحضوري يعني حضور الموجود الخارجي وانكشافه بوجود العارف نفسه ، العلم الحضوري بالاشياء هو وجود المعلوم بوجوده الخارجي عند العارف مباشرةً دون توسط اي صورة او معنى آخر.

نحن نقول إن السلوك العرفاني لتصفية النفس وتحليتها هو أمر متفق عليه بين الحكماء والعرفاء، وهذا أمر نَدَبَ اليه الانبياء عليهم الصلاة والسلام، ولكن الفرق بين الحكماء والعرفاء أنّ هذا السلوك العرفاني هو عند الحكماء وسيلة لتصفية النفس حتى تتفرغ للتفكير الصحيح واكتساب المعرفة بالحدِّ والبرهان، فهو وسيلة وعِلّة مُعِدّة للتفكير الصحيح بالمنهج العقلي، ولكن عند العرفاء هو وسيلة فاعلة ومنتجة للمعرفة، هنالك إتفاق على حُسن هذا السلوك و استحبابه في كمال الانسان، فلا بد للانسان حتى يتوجه الى عالم الغيب أن يرفع رأسه عن الأرض وعن التوجّه الى الامور الماديّة والشهوانية وإن كان حتّى حلالاً فهذا أمر متّفق عليه، ولكن الحكماء و الفلاسفة ينظرون الى أن السلوك الى الله هذا علّة معدّة لتصفية الذهن للتفكير الصحيح والعرفاء يقولون إنّ هذا علّة مُوَلّدة ومنتجة وفاعلة للمعرفة. ونحن نقول إن هذه المكاشفات التي يبنون عليها هي ليست ميزانا في نفسها وليست حجة حتى على صاحبها، ولكن الكلام في حجّيتها وصلاحيّتها العلمية هذه المشاهدات اذا كانت مشاهدات تتعلق بالعقائد النظرية فلا بد ان تكون موافقة للعقل والبرهان، فاذا وافقته فنور على نور، وأمّا إذا خالفته فهي مكاشفات شيطانيّة باطلة ليس لها أي قيمة علمية وإذا كانت متعلّقة بالقضايا العمليّة فالميزان هو الحكم الشرعي وهو الذي بيّنه لنا الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم بالرجوع الى الرسالة العملية والرجوع الى الاحكام الشرعية وفتاوى الفقهاء والمجتهدين فيها، لا يمكن أن نقبل أي مكاشفة عمليّة تحلّل حراماً أو تحرّم حلالاً. فإذاً الميزان في النتيجة يرجع إما الى العقل في العقائد، او يرجع الى الشرع في القضايا العمليّة هذا هو بالنسبة لما يدّعونه مكاشفات. نحن لا ننكر هذه المكاشفات ولكن المشكلة في حجّيّتها.

 

ماهو الفرق بين الفلسفة المشائية من جهة والفلسفة الإشراقية والحكمة المتعالية من جهة أخرى؟

اما الفرق بين الفلسفة المشائية وما يسمى بالفلسفة الاشراقية والحكمة المتعالية ففي الواقع الفلسفة ليست في   نفسها مشائية او اشراقية او متعالية هذه مدارس، المدرسة المشائية، المدرسة الاشراقية ، مدرسة الحكمة المتعالية، مدارس واتجاهات، اما الفلسفة كعلم هو العلم الباحث عن الموجود المطلق بالبرهان العقلي، لماذا؟ لان الفيلسوف باحث عن الحقيقة، والحقيقة لا يمكن معرفتها بنحو يقيني كما تبين في صناعة البرهان الا عن طريق البرهان، ما سوى البرهان لا يمكن ان يفيد هذا اليقين الصادق الثابت المطلق، هذا امر ثبت في المنطق، وما يسمى بالفلسفة المشائية يعني في الواقع هم الذين التزموا بهذا المنهج فلذلك يعتبر المشاؤون هم الاوفياء للمنهج العقلي، يعني هم الفلاسفة حقا، لانهم لم يشركوا مع البرهان شيئا، اي هي الفلسفة الخالصة، اما بعد ذلك عندما جاء المرحوم شيخ الاشراق السهروردي وابتدع الفلسفة الاشراقية هذا من باب التسامح هي ليست مدرسة، هو اضاف منهج معرفي آخر بجانب المنهج العقلي البرهاني وهو المنهج الكشفي للصوفية والعرفاء، فكانت فلسفته تركيبية تلفيقية مركبة من العقل والكشف، فهذه تعتبر مدرسة وليست فلسفة لان الكشف كما قلنا لا يمكن ان يفيد اليقين بالمعنى الخاص وايضا المرحوم الملا صدرا بعد ان جاء بعد شيخ الاشراق واضاف مدرسة الحكمة المتعالية هذه المدرسة الكبيرة والمشهورة الى يومنا هذا وهي المسيطرة على المراكز العلمية والحوزوية خصوصا في ايران والعراق والدول المجاورة منذ اكثر من اربعة قرون، المرحوم ملا صدرا كان فيلسوفا مشائيا كبيرا ثم صار بعد ذلك عارفا ومتكلما فاضاف الى العقل والى الكشف النص الديني فصارت المدرسة مركبة من العقل والقران والعرفان يعني هو عنده اعتقاد بانه يوجد ثلاثة قنوات معرفية موجودة لكشف الواقع والحقيقة، العقل البرهاني والذي عليه جمهور الفلاسفة المشائين والكشف كما ذهب شيخ الاشراق بالاضافة الى النص الديني كما ذهب المتكلمون فيمكن اعتبار المرحوم الملاصدرا عبارة عن فيلسوف ومتكلم وعارف في نفس الوقت يعني جمع بين هذه الامور الثلاثة وهذه من الامور الغريبة واقعا، المهم هذا الفرق الاساسي بين الفلسفة المشائية والاشراقية والمتعالية، الفلسفة ليست الا علم يبحث عن الوجود بالمنهج العقلي البرهاني ، المشاؤون هم الاوفياء لهذا المنهج، اما الإشراقيون والحكمة المتعالية هؤلاء مدارس الفلسفة تعتبر جزء منها والا لا يمكن الاعتماد على غيرالعقل البرهاني كما ثبت في الصناعات الخمسة في كشف الواقع بنحو يقيني صادق مطلق وثابت فلذلك ابن سينا نفسه برغم انه يعتبر امام المشائين هو يقول لست مشائيا، لانه اذا كان مشائيا لا بد ان يتبنى جميع مباني المشائين في الرياضيات والطبيعيات والفلكيات والالهيات، لا هذه مدرسة، يقول لست مشائيا ولكن اذا اردتم تصنيفي فالمشاؤون هم اولى الناس بالاتباع، لماذا لانهم اقرب الى العقل، لاخلاصهم ووفاءهم للمنهج العقلي، فاذن انا دائما اقول بان نسبة الفلسفة المشائية للفلسفة هي كنسبة الشيعة الى الاسلام، عندما نقول الشيعة ليس هناك دين اسمه الشيعة بل الدين عند الله هو الاسلام، لكن من هم الشيعة واتباع اهل البيت كما نعتقد نحن، هم الاوفياء للاسلام، لانهم هم الذين التزموا بالاسلام دون ان يضيفوا او يبتدعوا فيه شيئا اخر، الاسلام الخالص الاسلام الاصيل، فالفلسفة المشائية تمثل الفلسفة الاصيلة بلحاظ المنهج ولايعني هذا ان كل ما جاؤوا به من نظريات صحيحة ولكن بلحاظ المنهج هم الفلاسفة حقا اما فلاسفة الحكمة المتعالية فاجتهادات شخصية تعتبر مدارس فكرية وليست بفلسفة حقيقية.

وأيضاً عندما نقول الفلسفة اليونانية أو الفلسفة الاسلامية هذا تسامح اي الفلاسفة اليونانيين، الفلسفة الاسلامية يعني الفلاسفة الاسلاميين، الفلاسفة الاسلاميون المشاؤون هم اتباع ارسطو من بعده ابتداءا منالكندي والفارابي وابن سينا والطوسي والمعلم الثالث السيد الداماد هؤلاء هم يعتبروا المشائيون،الاشراقيون مثل المرحوم السهروردي والحكمة المتعالية مثل المرحوم الملا صدرا واتباعه الى يومناهذا فهذه اسمها الفلسفة الاسلامية، ولكن الفلسفة لا هي اسلامية ولا يونانية كما قلنا، ايضا الفلسفة الغربية ليست الغرب الحديث يعني فلاسفة الغرب والا الفلسفة تبقى كعلم يبحث عن الموجود بالبرهان العقلي.

تأمل كما نقول مثلا النحو البصري والنحو الكوفي والنحو لا هو بصري ولا هو كوفي ما علاقة النحو بالجغرافية؟!، النحو البصري يعني نحاة البصرة والكوفي يعني نحاة الكوفة اما النحو كعلم يبحث عن الكلمة من حيث البناء والاعراب هذا علم مستقل.

 

ماالفرق بين الفلسفة المشائية والفلسفة الغربية الحديثة؟ و ماهي أهم إشكالات الفلسفة الغربية الحديثة على الفلسفة المشائية القديمة؟

 

اما الفرق بين الفلسفة المشائية والفلسفة الغربية، المشائية بيناها وهي الفلسفة الحقيقية التي تنتهج المنهج العقلي البرهاني في كشف الواقع والحقيقة اما الفلسفة الغربية الحديثة، طبعا الفلسفة الغربية قديمة وارسطو هو غربي ولكن عندما نتكلم عن الفلسفة الغربية نقصد الحديثة التي بدأت مع عصر النهضة في القرن السابع عشر الى يومنا هذا هذه انا لا اعدها فلسفة اصلا لانها لا تعتمد على المنهج العقلي البرهاني الميتافيزيقي الذي اعتمده الفلاسفة اليونانيين والفلاسفة الاسلاميين هم الفلاسفة الحنفيون، انما اعتمدت على المنهج الحسي التجريبي الفلسفة ليست مجرد التفكير بنحو عام لا بل التفكير بمنهج العقلي البرهاني وهم قد سعوا منذ بداية عصر النهضة في ابطال المنهج العقلي الميتافيزيقي وفي إبطال المنطق الأرسطي وفي ابطال فلسفة ارسطو على اساس بعض الطبيعيات التي ابتنت عليها الفلسفة المشائية وفلسفة أرسطو ثبت بطلانها في الافلاك وفلسفة العناصر والاجسام. ونحن نقول بطلان الطبيعيات القديمة يؤثر على الفلسفة القديمة بنحوين، اما ان يؤدي الى بطلان البراهين التي اعتمدت على هذه الأصول الطبيعية في مقدماتها نعم هذا صحيح ولكن الفلاسفة كان لهم براهين اخرى مثلاً في إثبات التوحيد كان لهم براهين اخرى غير الطبيعية التي اعتمدت على الحركة والافلاك، فهناك طريق اخرى قد اعتمدواعليها في اثبات التوحيد كما سنشير بعد ذلك فاذن هذا يؤدي الى بطلان بعض البراهين وليس المنهج البرهاني او كل الفلسفة واما يؤدي الى تغير المصداق يعني مثلا عندما كان يعتمد المشاؤون على ان العناصر اربعة وهي الماء والهواء والتراب والنار، وقد ثبت ان هذه ليست عناصر بسيطة وانما هي مركبات من عناصر اخرى يعني الماء مركب من عنصرين الاوكسجين والهايدروجين ،هذه شبهة مصداقية يبقى العنصر ليس الماء بل جزء الماء، والاكسوجين والهايدروجين.

ايضا عندما يعتبرون مثلا الجسم البسيط هو مثلا العنصر ثبت ان الجسم مؤلف من جزئيات ومن ذرات والكترونات نحن نقول مثلا مصداق الجسم الطبيعي يضبح هو الذرة او هو الالكترون او هو ما سياتي بعد الالكترون يعني هو نفس الجسم الممتد في الابعاد الثلاثة سواء كان مصداقه الماء او الهواء او الذرة او الالكترون اوالبروتون او الفوتون او النيترون هذا ليس مهما، يعني هي تغيير مصداقي شبهة مصداقية فهذا ايضا لايضر باصل الفلسفة واصل المنهج العقلي، هذه امور هم قاموا بتضخيمها لاسباب ايديولوجية ودوافع سياسية، هم بعد ان قام توما الاكويني باستعمال الفلسفة والمنهج العقلي في اثبات عقائد النصارى فعندما ثاروا على الدين وعلى الكنيسة ثاروا على الفلسفة لاعتبارهم الفلسفة وسيلة لاثبات الدين” لاثبات المبدا والمعاد هم لا يريدون ان يحققوا الدين او يثبتوا صحة الدين فلكراهيتهم للدين وللكنيسة قاموا بالهجوم على المنطق وعلى الفلسفة الارسطية بهذه الادلة الواهية التي لا يمكن ان نعتبرها ادلة حقيقية، فبالتالي اعرضوا عن المنهج العقلي البرهاني وسلكوا المنهج الحسي جميع الفلاسفة الغربيين سواء كانوا قد سموا انفسهم عقلانيين او حسيين هم كلهم حسيون حتى ديكارت وسبينوزا وغيره هؤلاء كانوا اما رياضيين واما فيزيائيين والرياضيات والفيزياء موضوعاتها موضوعات حسية ملموسة وان كانت عقليةتجريبية او عقلية تحليلية، لكن موضوعاتها حسية، هم اعرضوا عن المنهج العقلي البرهاني الميتافيزيقي،الذي يعتبر ارقى مراتب العقل البرهاني لانه مبتن على القضايا البديهية الاولية فكانت النتيجة انهم وقعوافي مستنقع المادية، ومستنقع السفسطة بعد ذلك عندما جاء كانت ودخلت المثالية وفلسفة اللغة والتفكيكية والحداثة وما بعد الحداثة هذه كلها سفسطة والان يعاني الغرب من حالة من السفسطة ومن انحطاط خصوصا في عصر ما يسمى بعصر ما بعد الحداثة وهي السفسطة المطلقة ، الذين ينكرون كل ثابت كل قيمة كل فكر كل دين كل عقيدة كل مذهب ولا يوجد اي معيار واي ثبات اوهام في اوهام واضغاث احلام، لذلك انا لا اعتبر هذه الفلسفة الغربية بفلسفة بل ناتج فكر مبعثر لا يستند الى اسس علمية حقيقية وواقعية، والغرب خسرخسرانا كبيرا باعراضه عن الفلسفة الحقيقية، وما حققوه من تطور وتقدم مادي لا ينافي ما قلناه لانهم اعتمدوا على المنهج التجريبي في القضايا الفيزيائية وهذا صحيح والمنهج التجريبي ليس من اكتشافهم،ارسطو مكتشف هذا المنهج التجريبي والتجربة من مبادئ البرهان وهي منهج معرفي معتبر ومحترم لكن في القضايا المادية، وليس في مطلق الموجودات حتى الميتافيزيقية، فهم عندما اعتمدوا على المنهج العقلي التجريبي في القضايا الحسية والفيزيائية نجحوا وتقدموا وهذا ليس فيه اي مشكلة من هذه الجهة ولكن عندما ينكرون ويتنكرون المنهج العقلي البرهاني الذي هو اصل واساس المنهج العقلي التجريبي فهذا ليس بصحيح وهذا اعطى نتيجة الى السفسطة والانحرافات والالحاد والتهتك الفكري والاخلاقي وضياع الانسانية وتفشي الامراض النفسية في الغرب الى يومنا هذا الفلسفة الاسلامية في الشرق تختلف عن الفلسفة الاسلامية في المغرب، الفلسفة الاسلامية في المشرق التي اسسها الفارابي وبعده ابن سينا وشرحها الطوسي وطورها السيد الداماد هذه تختلف عن الفلسفة التياسسها ابن الطفيل وابن باجا وابن رشد، هؤلاء كانوا شراح لارسطو، يعني في المغرب كانو شراحا لارسطو ولم يضيفوا خصوصا ابن رشد كان يفتخر بانه لم يضف اي شيء على فلسفة ارسطو انما اعتبر ارسطو هو التمام وفوق التمام،وكان مجرد شارحا، وفي له لم يضف اي شيء عليه انما قام بالشرح والبيان لا اكثر من ذلك، وكان يعاتب ابن سينا والفرابي على انهم ابدعوا وادخلوا اشياء غير صحيحة فيالفلسفة وهذا ايضا ليس بصحيح، الذي فعله الفلاسفة الاسلاميون المشرقين لاسيما ابن سينا والفارابي ليس بقليل هم طوروا الفلسفة، طبعا انطلقوا من المنطق الارسطي ومن الفلسفة الارسطية ولكن طوروها كثيرا جدا هذا ما يعترف به القاصي والداني، واي انسان درس فلسفة ارسطو يفهم ما الذي اضافه الفارابي وابن سينا، وليست هذه الاضافة مجرد اضافة كمية، وانما اضافة كيفية هذه نقطة مهمة ينبغي التوجه اليها المعلم الاول ارسطو مدخله الى الالهيات مدخل طبيعي فيزيائي حسي عن طريق القوة والفعل وما يلزمهما من المادة والصورة، فهذه الاركان الاربعة التي تقوم عليها فلسفة ارسطو في الالهيات، كانت هذه هيكلية المنطق الارسطي وبرهانه حتى في الالهيات هو انطلاقا من برهان الحركة،الذي يبين الخروج من القوة الى الفعل، ويبين المبدا الاول للحركة والمحرك الذي لا يتحرك فالاهياته صارت محدودة جدا ومبنية على اسس فيزيائية حسية، اما الذي فعله الفارابي فهو غير المدخل الى الالهيات بدأ من الناهية والوجود يعني ليس من القوة والفعل من الماهية والوجود وهو مدخل جديد وعظيم جدا ادى الى فتح باب عظيم، وكان من اعظم نتائج هذا المدخل، تقسيم الموجود الى واجب وممكن، ممكن الوجود الذي وجوده عارض على ذاته وواجب الوجود الذي وجوده عين ذاته، وبالتالي تم تعريف الباري تعالى باعظم تعريف في تاريخ البشرية وهو انه واجب الوجود، كالماهية له، هو ليس ماهية ولكن هذا افضل تعريف للباري تعالى،كنه الباري لا نعرفه بعقولنا ولكن هذا اقرب تعريف له،وهذا التعريف وهذا التصور الدقيق والواقعي، ادى الى فتح باب واسع من الالهيات في فلسفة الفارابي ومن بعده ابن سينا بالذات، الذي وسع بحث الوجود والماهية بنحو غير مسبوق بنظير، وبالتالي اثبات كل مباحث التوحيد كاثبات الذات والصفات والافعال كلها كانت مبنية من هذا التعريف المبارك، بان الباري تعالى هو واجب الوجود لذاته، والذي بعد ذلك تبين انه اصل الوجود وانه واحد للوجود وهو لا يصدرعنه الا واحد وصفاته عين ذاته وكل هذه الامور من المبدأ الى المنتهى تم بيانها في الالهيات الاسلامية التي اثبتها الفارابي وابن سينا من بعده، وصارت بعد ذلك للمحقق الطوسي الى ان وصلت الى ذروتها على يد السيد الداماد الذي اضاف الكثير الكثير، الى منطق ارسطو في مباحث الوضع والحمل ومراتب نفس الامر والى الفلسفة نفسها بالتاكيد على مبحث اصالة الماهية والحدوث الدهري فمباحث عميقة جدا جدا وصلت اليها الحكمة المشائية على يد المعلم الثالث المرحوم السيد الداماد فبالنتيجة الفلسفة الاسلامية لا تقاس بالفلسفة اليونانية وان كان المنطق الارسطي و الفلسفة الارسطية اليونانية هي الاساس والمبدأ التي انطلق منها الفلاسفة الاسلاميين بعد ذلك، فما يدعيه ويزعمه المستشرقون والفلاسفة الغربيون بان الفلاسفة الاسلاميين مجرد شراح للفلسفة اليونانية هذا ليس بصحيح وهذا نتيجة جهلهم وقلة اطلاعهم على الفلسفة الاسلامية الحقيقية.

 

إذن أشرف مباحث التوحيد تم اثباتها في الفلسفة المشائية خصوصا فلسفة ابن سينا التي طورها بعد ذلك السيد الداماد المعلم الثالث رحمه الله في كتبه المتعددة، مباحث راقية وعظيمة في بيان صفات الباري سبحانه وتعالى، ومراتب افعاله في هذا العلم العظيم، الذي بينوه في الفلسفة الميتافيزيقية الالهية كما يسمونه بالفلسفة بالمعنى الاخص، هذا بالنسبة للمبدا اما بالنسبة للمعاد الفلاسفة المشاؤون اثبتوا المعاد بطريقين قطعيين وهما اثبات تجرد النفس الانسانية ، ويالتالي اثبات بقائها بعد الموت والامر الثاني امتناع او ابطال التناسخ، لان الامرين الذين يمكن ان يمنعا اثبات المعاد: الاول ان تكون النفس مادية وليست مجردة فاذا كنت مادية فهي تفسد بفساد البدن الذي يفسد ويتحول الى تراب بالمشاهدة الحسية وهنا يمتنع اثبات المعاد، الامر الثاني ان تكون عندما تخرج من الانسان يمكن ان ترجع الى انسان اخر وهذا هو التناسخ اي تكون مجردة ولكن اذا مات زيد خرجت روحه ودخلت في بدن عمر، وهلما جرا من جسم الى جسم الى جسم من دنيا الى دنيا الى دنيا فينسد باب اثبات المعاد، الفلاسفة اثبتوا هذين المطلبين في كتبهم بنحو تفصيلي انما نشير فقط الى المسالتين ببرهانين بسيطين لاثبات تجرد النفس اولا والثاني لاثبات امتناع التناسخ بالنسبة لاثبات تجرد النفس الانسانية هناك اكثر من عشرة براهين اقامها الشيخ الرئيس في نفس الاشارات و الشفاء و نورد منها ما يتناسب مع المقام، يوجد برهان عرفي سهل يدركه الجميع وهو ان الانسان مع تقدم عمره جسمه يضعف ونفسه تقوى عقله يقوى الانسان كلما يزداد يزداد خبرة يزداد علم يزداد تجربة يزداد رجاحة في العقل والحكم، وفي نفس الوقت البدن يضعف ويبدأ بالانحلال الذي يقوى غير الذي يضعف وبالتالي يصبح هناك تفاوت بين البدن وبين الروح، هذا برهان سريع، البرهان الثاني وهو برهان الرجل المعلق وهذه من المفاخر للشيخ ابن سينا وابتكاراته، وهو انه اذا تصورنا انسانا ولد دفعة في فضاء مظلم ليس فيه اي شيء، لا يسمع شيء ولا يرى شيء ولا يحس بشيء، ولا يلمس شيئا، يعني عندما تتعطل جميع حواسه الخمسة يدرك ايضا انه موجود ويقول الان انا موجود فهذا الاحساس بالموجود هو ليس بالجسم، الجسم ادراكه يكون باللمس بالشم بالمشاهدة بالاحتكاك هذا كله تم تعطيله بحسب الفرض بالبرهان، فلا يبقى الا ان هذا المدرك ليس هو الجسم انما شيء اخر وهو المعبر عنه بـ (انا) وهي روح الانسان وحقيقته المجردة، ايضا من البراهين الاخرى التي اكدوا عليها هي براهين مسالة امتناع انقسام المعقولات، ان المعاني الكلية التي ندركها كالعدالة والحرية والكرامة والانسانية هذه القضايا الكلية غير قابلة للانقسام ليست كالصور الحسية والخيالية، فاذا كانت تمتنع القسمة فلا يمكن ان تحل في شيء قابل للقسمة اذن محلها ايضا ممتنع القسمة، والامور المادية كلها قابلة للقسمة، فهذه تركب قياسا من الشكل الثاني أن المعقولات محلها لا ينقسم والماديات محلها ينقسم فتصبح المجردات ليست مادية وهنا من هذا الامر تم اثبات غير المادي وهو المجرد فثبت ان محل المعقولات هي الروح المجردة وهناك براهين كثيرة في اثبات تجرد النفس نكتفي بهذا المقدار.

 

أما برهان ابطال التناسخ فهو كالتالي وهو انه ثبت في علم النفس ان كل استعداد يولد يعني كل بدن مستعد لاستقبال روح انسانية ناطقة يحدث في هذا العالم يستحق لذاته نفسا من عالم الغيب، نفس انسانية، كل بدن يحدث فيه استعداد لقبول النفس الانسانية تفاض عليه هذا النفس من عالم الغيب، الان اذا وجد هذا البدن وحدث فاذا حدث استحق نفسا من عالم الغيب من الله سبحانه وتعالى وافيض عليه ذلك وفي نفس الوقت اذا كان هناك تناسخ التناسخ يقول اذا خرجت روح زيد دخلت في جسم عمر فهنا اذا وجد عمر من حيث هو جسم حادث يستحق نفسا جديدة من عالم الغيب فاذا لحقت به هذه النفس القديمة بناء على التناسخ وجد جسم له روحان له نفسان، فيلزم كثرة الواحد وهو محال، بعد ان اثبت المشاؤون تجرد النفس وابطلوا التناسخ ينفتح باب اثبات المعاد بالبراهين القطعية، وان النفس بعد فراقها للبدن تبقى وتبقى النفس ببقاء موجدها الاصلي وهو الباري سبحانه وتعالى، تبقى عند باريها وهذا هو المعاد الروحاني اما عودة النفس بعد ذلك الى الجسم فلم يقل عليه البرهان فيؤخذ تعبدا من الشرع وبحسب الظواهر الشرعية ان النفس ارجع الى جسم وتعيش حياة جسمانية ايضا، ولكن هنا لابد من التاكيد.من ان هذا الجسم لا يمكن ان يكون هو هذا الجسم العنصري الذي يذهب اليه المتكلمون، لان هذا انكار للمعاد وعودة الى الحياة الدنيا، لا بد ان يكون جسم لا كالاجسام وهذا ما تؤكده النصوص الدينية ان الحياة الاخرى اسمها حياة اخرى، يعني وننشئكم فيما لا تعلمون اي تلك النشأة الاخرى فهذه نشاة اخرى اي ما لا اذن سمعت ولا عين رات ولا خطر على قلب بشر، فهذا واضح انه سنخ حياة مادية اخرى يمكن ان تكون كالاجسام الاثيرية ولكن لا يمكن ان تكون جسما عنصريا قابلا للفساد، الذي هو منشأة الامراض والاوبئة وكل المشاكل في هذه الحياة الدنيا والتغيرات والانحرافات والخروج من القوة الى الفعل والتدرج هذه كلها امور توجب عودة الى الدنيا مرة اخرى وتنفي الاخرة وهذا خلاف النصوص ان الحياة الاخرى هي اخرى وليست نفس هذه الحياة بل تغير جذري وهذا الجسم لا بد ان يكون جسم اخر وليس هذا الجسم العنصري. اذن في النهاية نريد ان نقول ان اصول الدين سواء المبدأ او المعاد ، النبوة الامامة كلها ثابتة في الفلسفة المشائية في كتب الشيخ الرئيس في كتب الفارابي في كتب المرحوم السيد الداماد على احسن نحو، نحو قطعي وبرهاني ويا ليت الامة قد اخذت اعتقاداتها من هذه الاصول البرهانية القطعية الواضحة، لما اختلفت الامة ولما وقعت هذه الصراعات والتناحرات ولكن للاسف لما اعرضوا عن العقل واتجهوا نحو النصوص مباشرة والنصوص تختلف سندا ودلالة ظنية السند وظنية الدلالة فيمكن انتزاع امور مختلفة منها وهذا الذي ادى الى تشتيت الامة وتفريقها وتشرذمها الى ملل ونحل ومذاهب وطرائق قددا، هذا ما اردنا بيانه في اهمية العقائد في الفلسفة المشائية

 

لماذا اخترتم الفلسفة المشائية دون غيرها من الفلسفات؟

اما سؤالكم الاخير وهو لماذا اخترتم الفلسفة المشائية دون غيرها فيتبين مما طرحناه في البداية انه اولا الفلسفة المشائية هي الفلسفة الحقيقية، الفلسفة الحقيقية لانها اعتمادا على المنهج العقلي البرهاني، الانسان اذا اراد ان يبني رؤيته الكونية وعقائده بنحو قطعي يقيني علمي منطقي وموضوعي وصادق وثابت ومطلق فليس هو الا ان ينهج المنهج العقلي البرهاني المحكم والمتقن والامن والمطمئن، حتى يصل الى بناء اعتقاداته على اسس قوية ومحكمة ومستقرة وثابتة، اما اذا رجع الى غير هذه المناهج من المناهج الكلامية او الاخبارية او الصوفية او الحسية اوالوجدانية او غيرها او العرفية هذا لا يمكن ان يبني اصلا اعتقادا ما، قد يصيب وقد يخطئ، لكن لا يمكن ان نبني صرح العقيدة التي تؤثر علة مسير ومصير الانسان على قضايا ظنية قضايا غير مطمئنة قضايا غير موضوعية قضايا في معرض الخطأ، لذلك نحن اخترنا الفلسفة المشائية لانها هي السبيل الوحيد للوصول الى الواقع بنحو مطمئن قد توصل طرق اخرى الى الواقع ولكن ليس بهذا النحو المطمئن والآمن، فهذا هو الذي دعانا الى التمسك بالفلسفة المشائية، وهي الفلسفة العقلية، وهذا لا يعني انني اقر واتحد مع المشائين في كل ما قالوه لا بل المنهج العقلي، نحن الفلسفة لا بد ان تكون عقلية ولا يمكن ان تكون الا عقلية اما الفلسفة الكلامية او الاخبارية او الصوفية او العرفانية او ما يسمى بالفلسفة الغربية الحسية الاستقرائية فهذه ليست فلسفة وانما لها اراء خاصة غير مبتنية على اسس سليمة وواقعية، هذا مااردنا بيانه ونسال الله سبحانه وتعالى ان يهدينا الى سواء السبيل وان نكون قد وفقنا في الاجابة على ماطرحتموه عن العقائد في الفلسفة المشائية، والحمدلله رب العالمين.

 

أجرى المقابلة: حسين شمس الدين

فرغها: حسين كوثراني وعلي خلف


  1. ليلى علي - الأحد, 26 نوفمبر 2017 في الساعة 6:57 م

    جميييل جدا
    وفقكم الله

  2. ahmad - الخميس, 25 يناير 2018 في الساعة 1:48 ص

    وفقكم الله لكل خير


займ на картукредит онлайн