التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 5 يونيو, 2015
المشاهدات: 2٬308
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات:

إن العقل كقوة موجودة فينا، ومشتركة بين بني الإنسان، ليست تكفي بصرف وجودها؛ لأن يكون الحكم الصادر عنها مطابقا للواقع، بل لا بد أن يكون ذلك الحكم قد نشأ عن تطبيق معايير الحكم التي للعقل، دون تحكيم لمعايير منافية له؛ إذ إن عملية التفكير الصورية متقومة بأن تكون نحو تحصيل مجهول من خلال مبادئ تكون طريقا له، وهي تقبل من حيث ذاتها أن تكون مستعملة لمبادئ غير واقعية، وأن تكون مخلَّة في شروط الحكم بمراعاة حيثيات الموضوع التي تصحح الحكم سلبا أو إيجابا، كما أنَّ الإخلال في كل من هاتين الجهتين له أسبابه الخاصة المؤدية إليه.

فبالنسبة إلى المبادئ، فإننا لسنا نقتصر في التصديق بتلقائية، على تلك القواعد الصادقة في نفسها، من أوليات عقلية ووجدانية، بل نتعداها لنحكم بتلقائية، على طبق أحكام سائدة نشأنا وترعرعنا معها، وطغت شهرتها على قابلية التنبه لفحصها. وكذلك بالنسبة إلى الأحكام التي تصدر كتوجيهات وإرشادات وأخبار ممن نعظمهم ونقدسهم ونحترمهم، دون أن يسمح ذلك التقديس والتعظيم والاحترام، وتلك الثقة العالية، بأن نلتفت لفحص ما يقال لنا ونرشد إليه؛ وبالتالي نأخذها كمبادئ مسلمة. وكذلك بالنسبة إلى الأحكام التي نصوغها على طبق ما يكتنف خيالنا من قدرة أو عجز، فنحكم بامتناع ما عجزنا عن تخيله، ونحكم بإمكان ما استطعنا تخيله، دون أن نرجع في الحكم إلى معيار العقل في الإثبات والإبطال؛ وبالتالي يحجبنا حال خيالنا وضعف التمييز بين التخيل والتعقل عن أن نتنبه لنفحص معيار الحكم. والأمر عينه يقال بالنسبة إلى صياغة الأحكام بالنحو المتناسب مع المشاعر التلقائية والانفعالات الطبعية غير المروّاة؛ وبالتالي يحجبنا ذلك التأجج الانفعالي عن التنبه لعدم معيارية المشاعر للحكم بالخير والشر والحق والباطل.

ومن هنا فهناك مصادر أربعة لأحكام تؤخذ بتلقائية بلا فكر ونظر مع أنها لا تملك معيار الواقعية والموضوعية، وبالتالي إذا ما استخدمت هذه الأحكام كمبادئ للدليل فإن النتائج ستكون على شاكلتها بالضرورة؛ ولذلك وجب على الإنسان أن يتنبه إلى شرط مبادئ الدليل البرهاني من كونها واجبة التوفر على معيار الصلاحية للاستعمال العقلي البرهاني. وهذا الشرط لا يتوفر إلا في الأوليات العقلية، والحسيات الباطنية، والحسيات الظاهرية المرعية بقوانين الفحص الحسي والعقلي، والتجريبيات التي هي تطبيق للأوليات العقلية العامة تطبيقا جزئيا في المواد الحسية بطريقة مطابقة لشرائط تطبيق الأوليات العقلية عليها.

أما بالنسبة إلى معايير شروط الحكم وعملية الانتقال من المبادئ إلى النتيجة، فإننا لسنا دائما نراعي الشروط والقيود التي تؤخذ في موضوعات الأحكام، فقد يكون حكم ثابتا لموضوع من حيث قيد ما، فنقوم: بإغفال القيد، وترتيب الحكم بنحو مطلق؛ فنقع في الخطأ. وقد يكون موضوع الحكم مطلقا، فنتوهم تقيده؛ فيفوتنا الصواب في ترتيب النتيجة. وقد يكون حكم ما ممتنعا من حيث قيد ما، ضروريا من حيث قيد آخر. وقد يكون حكم ما ممكنا بالنسبة إلى صرف ذات الموضوع، ضروريا أو ممتنعا من حيث قيد أو ظرف ما. وقد يكون ثبوت حكم ما منوطا بتوفر عدة حيثيات وشروط، فنغفل بعضها أو نضيف ما لا دخل له. وقد يكون المحمول الذي أثبتناه للموضوع مقيدا بقيد، فنأخذه مطلقا، وقد يكون مطلقا فنقيده بقيد. وقد يكون الحكم ثابتا على نحو الاقتضاء، فنأخذه على نحو الفعلية. وقد تكون العلاقة بين المحمول والموضوع عرضية اتفاقية، فنأخذها مجردة عن ذلك، ونعاملها معاملة الذاتي، وقد تكون ذاتية فنعاملها معاملة العرضي. وقد نحكم بأن معنى ما هو مقوم للموضوع، والحال أنه غير مقوم، وقد نحكم بأنه خاص بالموضوع والحال انه أعم منه أو أخص. وقد يكون للموضوع محمول بحسب مرتبة من الشدة أو الضعف، فنأخذ المحمول مطلقا عن ذلك.

وهكذا، فإن الحكم والربط تمهيدا لتحصيل النتيجة، عرضة للإخلال بضوابط كون الحكم ناشئا عن خصوصية الموضوع في نفسه، لا بسبب إملاء الاعتبارات الشخصية؛ وبالتالي ما لم يطبَّق قانون العقل في التفكير على عملية التفكير؛ فإنه لن يكون ضامنا لأن يكون سائرا نحو الصواب، بل ستختلف الأحكام باختلاف أحوال الممارسين للتفكير، طالما ان أحوالهم الشخصية تكون مقومة لعملية اختيار مبادئ الدليل وكيفية الحكم.

وبعد وضوح ذلك كله يصبح واضحاً أن الكلام ليس في كون العقل هو العقل الفردي أو العقل الإنساني العام، وليس العقل الفردي من حيث هو عقل فرد ما بضائر بكون أحكامه خالية عن الاعتبارات الشخصية، وليس إمكان عروض الموانع والتأثر بمعايير غير برهانية، مسوغا للحكم بأنها موجودة في كل محاولة تفكير فردي، وليس إمكانها مانع من العلم بانتفائها في موارد تفكير بعينها؛ وذلك أنّ صدق التفكير وتجرُّدَه عن الاعتبارات الشخصية، ليس أمرا اتفاقيا، لا نعلم مصدره، ولا نملك معيار فحصه، وتكرار اختباره؛ للتأكد من نشوء الحكم عن خصوصية الموضوع نفسه، لا عن خصوصية المفكر نفسه؛ نتيجة تعب أو سهو أو غير ذلك، بل إننا نملك المعيار، ونملك تكرار الفحص، والتأكد من توفر الشروط، كما في المسطرة في قياس الأطوال، والميزان في قياس الأوزان، فإن إمكان الاشتباه واحتماله لا يوجب ضرورة وقوعه، ولا يمنع من البت بعدم وقوعه، طالما أن معيار التفكير السليم من حيث المبادئ ومن حيث كيفية الربط، أمر نحوزه ونملكه باليقين الممتنع زواله؛ لرجوعه إلى ما يأبى الكذب، وهو حاكم لمتن الواقع، مهما كان نوعه، وهو قانون امتناع اجتماع التناقض وما يتفرع عليه من قواعد.

وبالجملة إن قابلية قوة العقل المشتركة بيننا لأنْ تطبِّق قانونها؛ يجعل من الحكم الذي تصل إليه-إذا ما شاع تطبيق القانون-حكما مشتركا، ولكنَّ ذلك لا يجعل واقعية ذلك الحكم؛ ناشئة من اجتماع الآراء. ولكن متى ما لم تطبق العقول معايير التفكير، فإن اقتصار التفكير الصحيح على ثلة قليلة؛ لا يعني أن أحكامها خاصة بها، ولا يعني أن الآخرين، بعدم فهمهم، وضعف إدراكهم، وسوء تطبيقهم، سيكونون على حق-إذا ما كانوا متفقين-في الحكم؛ نتيجة اجتماعهم على معايير اجتماعية مشهورة أو إرشادات مقبولة عندهم أو حالات خيالية أو انفعالية. فليس الشيوع معياراً، ولا حتى التوافق سبيلاً للبتِّ بحال الصحة والخطأ، والخير والشر، والكمال والنقص.