معاني مفهومي "الذات" و"بالذات" والفرق بينها وموارد استعمالها | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: حکمة نظریة, عقلیّات
التاریخ: 8 فبراير, 2014
المشاهدات: 1٬855
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات:

عناوين المقال

معاني مفهوم الذات وعلاقته مع مفهوم الجوهر

الذات يقال على كلّ مشار إليه لا في موضوع، ويقال على كل ما يعرّف في مشار مشار إليه ممّا ليس في موضوع ما هو، ممّا تدلّ عليه لفظة مفردة أو قول، ويقال أيضا على كلّ مشار إليه في موضوع، ويقال على كلّ ما يعرّف في مشار مشار إليه ممّا في موضوع ما هو، وهذه بأعيانها هي المقولات الباقية التي تعرّف في المشار إليه الذي ليس في موضوع، ما هو خارج عن ماهيّته، ويقال أيضا على ما ليس له موضوع أصلا ولا هو موضوع لشيء أصلا، إن تبرهن أنّ شيئا ما بهذه الصفة.

فهذه معاني الذات على الإطلاق وهو يقال على كلّ ما يقال عليه الجوهر وعلى ما لا يقال عليه الجوهر.

فإنّ المشار إليه الذي في موضوع ليس يقال إنّه جوهر أصلا لا بإطلاق ولا بإضافة، وأما ذات الشيء فهو ذات مضافة، فإنّه يقال على ماهيّة شي‏ء وأجزاء ماهيّته وبالجملة لكلّ ما أمكن أن يجاب به -في أيّ شي‏ء كان-في جواب «ما هو» ذلك الشيء، سواء كان الشيء مشار ا إليه لا في موضوع أو نوعا له أو كان مشارا إليه في موضوع أو نوعا له.

التغاير بين ما يضاف إليه مفهوم الذات في السؤال وما هو مسؤول عن ذاته

ثم إنّ الذات المضافة إلى شي‏ء ينبغي أن يكون غير المضاف إليه، ولا يبالي أيّ غيريّة كانت بينهما بعد أن يكون غيره بوجه ما، حتّى أنّا إذا قلنا «ما ذات الشيء الذي نراه» يكون الذات مضافة إلى ما نفهمه من قولنا «هذا الذي نراه»، فإنّ معنى قولنا «هذا الذي نراه» ليس هو ذات لذلك الذي عنه نسأل، بل ذاته أنّه «إنسان»، فذلك المسئول عن ذاته هو إذن غير ذاته الذي إيّاه يلتمس، وحتّى لو قلنا «ذات الشيء» أو «ذات هذا الشيء» أو «ذات شي‏ء ما» فإنّما نلتمس به ماهيّته التي هي أخصّ ممّا يدلّ عليه «الشيء»، ولو قلنا «ذات زيد» فإنّما نلتمس ماهيّته التي هي أعمّ ممّا يدلّ عليه «زيد» أو التي هي ماهيّته في الحقيقة، لأنّ اسم «زيد» ربّما وقع على المشار إليه من حيث له علامة من غير أنّه «إنسان».

وأمّا أن يكون قولنا «ذات الشيء» مضافا إلى شي‏ء ما من حيث لا غيريّة بين المضاف والمضاف إليه بوجه من الوجوه، فإنّه هذر من القول، اللّهمّ إلّا أن نسامح فيه، فإنّ قولنا «نفس الشيء» أيضا إنّما نعني به أيضا هذا المعنى، وهو ماهيّة الشيء، وهو بعينه معنى قولنا «جوهر الشيء».

الفرق بين مفهوم “الذات” ومفهوم “ما بذاته” و”مفهوم الذي هو بذاته”

وأمّا قولنا «ما بذاته» و«الذي هو بذاته» فإنّه غير الذات وغير قولنا «ذات الشيء».

فإنّ «ما بذاته» قد يقال على المشار إليه الذي لا يقال على موضوع، يعنى به أنّه مستغن في ماهيّته عن باقي المقولات، فإنّه ليس يحتاج في أن تحصل ماهيّته إلى أن يحمل عليه شي‏ء منها ولا أن يوضع له، لا في أن يحصل معقولا ولا في أن يحصل خارج النفس.

ويقال أيضا على ما يعرّف ما هو هذا المشار إليه، إذ كان مستغنيا في أن تحصل ماهيّته ومستغنيا في أن تعقل ماهيّته عن مقولة أخرى، فأمّا سائر المقولات الباقية فإنّها محتاجة في أن تحصل لها ماهيّتها معقولة في النفس وتحصل خارج النفس إلى هذه المقولة أعني إلى المشار إليه الذي لا في موضوع وإلى ما يعرّف ماهيّته، فإذن يقال “ما بذاته” على ما يقال عليه الجوهر على الإطلاق.

وقد يقال «ما بذاته» على شي‏ء آخر خارج عن هذين، فإنّه قد يقال في المحمول إنّه محمول على الموضوع «بذاته» متى كانت ماهيّة الموضوع أو جزء ماهيّته هي أن يوصف بذلك المحمول، مثل أنّ الحيوان محمول على الإنسان «بذاته» إذا كانت ماهيّة الإنسان أو جزء ماهيّته أن يكون حيوانا أو أن يوصف بأنّه حيوان.

وقد يقال في المحمول إنّه محمول على الموضوع «بذاته» متى كانت ماهيّة المحمول أو جزء ماهيّته هي أن يكون محمولا على الموضوع، مثل «الضحّاك» الموجود في «الإنسان»، فإنّ ماهيّة «الضحّاك» أو جزء ماهيّته هي أن يكون محمولا على «الإنسان».

وقد يقال في المحمول إنّه محمول‏ على الموضوع «بذاته» متى كانت ماهيّة المحمول أو جزء ماهيّته هي أن يكون في ذلك الموضوع وكانت ماهيّة الموضوع أو جزء ماهيّته هي أن يوصف بذلك المحمول، وذلك أن يكون موضوعه جزء ماهيّته أو ماهيّته، مثل الزوج أو الفرد في العدد، فإنّ ماهيّة الزوج أو جزء ماهيّته هي أن يكون في العدد، والعدد هو جزء ماهيّة كلّ واحد منهما وهما محمولان على العدد.

والهاء في قولنا «بذاته» هي راجعة على ما شئت من هذين: إن شئت على الموضوع وإن شئت على المحمول، غير أنّها تظنّ أنّها راجعة في الأوّل على الموضوع فكأنه قيل المحمول محمول على الموضوع «بذات ذلك الموضوع»، يعنى «بذات الموضوع» من جهة ماهيّة الموضوع وفي الثاني على المحمول فكأنه قيل «المحمول بذاته وماهيّته محمول»، وأنت فاجعله ما شئت منها.

وقد يقال أيضا في المحمول إنّه محمول على الموضوع «بذاته» متى كان الموضوع إذا حدّ لزم من حدّه أن يوجد له ذلك المحمول، وهو أن تكون ماهيّة الموضوع توجب دائما أو على أكثر الأمر أن يوجد له ذلك المحمول حتّى تكون ماهيّته وحدّه هو السبب في أن يوجد له ذلك المحمول.

وقد يقال فيما عدا نسبة المحمول إلى الموضوع من سائر النسب -مثل أن يكون شي‏ء عند شي‏ء أو معه أو به أو عنه أو فيه أو له أو غير ذلك ممّا تدلّ عليه سائر الحروف النسبيّة-إنّه «بذاته» متى كانت ماهيّة كلّ واحد منهما أو ماهيّة أحدهما توجب أن تكون له تلك النسبة إلى ذلك الشيء أو أن يكون ضروريّا في ماهيّته أن تكون له تلك النسبة.

وبالجملة إنّما يقال في شي‏ء إنّه منسوب إلى شي‏ء آخر «بذاته»-أيّ نسبة كانت-متى كان أحدهما أو كلّ واحد منهما محتاجا في أن تحصل ماهيّته إلى أن تكون له تلك النسبة أو إن كانت ماهيّة أحدهما أو كلّ واحد منهما توجب أن تكون له تلك النسبة.

وهذا إنّما يكون أبدا فيما أحدهما منسوب إلى الآخر تلك النسبة دائما أو في الأكثر، وهذا المعنى من معاني «ما بذاته» يقابل ما هو بالعرض.

 والمعنى الثاني من معاني «ما بذاته» -وهو الذي يقال على ما يعرّف ما هو المشار إليه الذي لا في موضوع-يجتمع فيه أن يقال له «بذاته» بالجهتين جميعا-بالجهة التي قيل في المشار إليه إنّه «بذاته» والجهة التي قيل فيما هو محمول بذاته على الموضوع إنّه «بذاته»بمعنى واحد، وهو أنّه مستغن في أن يحصل ماهيّته بنفسه من غير حاجة إلى مقولة أخرى، و«المنسوب إلى شي‏ء آخر بذاته» يقال عليه بمعنى واحد، وهو أن تكون ماهيّته توجب أن يكون له تلك النسبة أو أن يكون يحتاج في أن تحصل له ماهيّته إلى أن يكون منسوبا هذه النسبة.

والذي يعرّف ما هو المشار إليه يقال له إنّه «بذاته» بالمعنيين جميعا، أحدهما أنّه أيضا مستغن في أن تحصل له ماهيّته بنفسه من غير حاجة إلى المقولات الأخر، والثاني أنّ المشار إليه يحتاج في ماهيّته إلى أن يوصف به ويحمل عليه، إمّا في أن تحصل ماهيّته موجودة أو معقولة، وقد يقال في الموضوع إنّه «بذاته يوجد له محمول ما» متى كان يوجد له لا بتوسّط شي‏ء آخر بين المحمول وبين الموضوع، كما يقول قوم «إنّ الحياة هي للنفس بذاتها ثمّ للبدن بتوسّط النفس»، وهذا أيضا قد يدلّ عليه بقولنا «الأوّل»، كما يقول قائل «إنّ النفس توجد لها الحياة أوّلا»، وهذا ربّما كان بالإضافة إلى شي‏ء دون شي‏ء، فإنّ المثلّث يقال فيه «إنّه توجد له مساواة الزوايا لقائمتين أوّلا»، فتناوله قوم من المفسّرين على أنّه بلا واسطة أصلا، وهذا شنيع غير ممكن، ولكن هذا «أوّل» بالإضافة إلى جنس المثلّث، ومعناه ألا يوجد بجنسه قبله وجودا كلّيّا، فإنّ قولنا في الشيء إنّه «بذاته» قد يقال على ما وجوده لا ينسب أصلا لا لفاعل ولا مادّة ولا صورة ولا غاية أصلا، ووجود ما هذه صفته يلزم ضرورة متى يترقّى بالنظر إلى أسباب الأسباب وكانت متناهية العدد في الترقّي.

وكلّ مستغن عن غيره في وجوده أو فعله أو في شي‏ء آخر ممّا هو له أو به أو عنه، يقال إنّه «بذاته».

 وهذه اللفظة وما تصرّف وتشكّل منها -أعني «الذات» و «ما بذاته» و«ذات الشيء» -ليست مشهورة عند الجمهور وإنّما هي ألفاظ يتداولها الفلاسفة وأهل العلوم النظريّة، والجمهور يستعملون مكانها قولنا «بنفسه»، فإنّهم يقولون «زيد بنفسه قام بالحرب» يعنون بلا معين، ويقولون «زيد هو بنفسه» أي بذاته لا بغيره، أي مستغن عن غيره في كلّ ما يفعله.

مع تعديل المسؤول العلمي للموقع



займ на картукредит онлайн