مراحل تطور عملية الإستدلال عند البشر | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 8 فبراير, 2014
المشاهدات: 1٬558
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات:

عناوين المقال

فإذا استوفيت الصنائع‏ العمليّة وسائر الصنائع العامّيّة اشتاقت النفوس بعد ذلك إلى معرفة أسباب الأمور المحسوسة في‏ الأرض وفيما عليها وفيما حولها وإلى سائر ما يحسّ من السماء ويظهر، وإلى معرفة كثير من الأمور التي استنبطتها الصنائع العمليّة من الأشكال والأعداد والمناظر في المرايا والألوان وغير ذلك،  فينشأ من يبحث عن علل هذه الأشياء.

المرحلة الأولى: الأسلوب الخطابي

ويستعمل أوّلا في الفحص عنها وفي تصحيح ما يصحّح لنفسه فيها من الآراء وفي تعليم غيره‏ وما يصحّحه عند مراجعته الطرق الخطبيّة لأنّها هي الطرق القياسيّة التي يشعرون بها أوّلا، فيحدث الفحص عن الأمور التعاليميّة وعن الطبيعة.

ولا يزال الناظرون فيه ا يستعملون الطرق الخطبيّة، فتختلف بينهم الآراء والمذاهب وتكثر مخاطبة بعضهم بعضا في الآراء التي يصحّحها كلّ واحد لنفسه ومراجعة كلّ واحد للآخر، فيحتاج كلّ واحد إذا روجع فيما يراه‏ مراجعة معاندة أن يوثّق ما يستعمله من الطرق ويتحرّى أن يجعلها بحيث لا تعاند أو يعسر عنادها.

المرحلة الثانية: الأسلوب الجدلي والتمييز بين السفسطة والجدل

ولا يزالون يجتهدون‏ ويختبرون الأوثق إلى أن يقفوا على الطرق الجدليّة بعد زمان، وتتميّز لهم الطرق الجدليّة من الطرق السوفسطائيّة، إذ كانوا قبل ذلك يستعملونهما غير متميّزتين، إذ كانت الطرق الخطبيّة مشتركة لهما ومختلطة بهما، فترفض عند ذلك الطرق الخطبيّة وتستعمل الجدليّة، ولأنّ السوفسطائيّة تشبه الجدليّة يستعمل كثير من الناس الطرق السوفسطائيّة في الفحص عن الآراء وفي تصحيحها، ثمّ يستقرّ في النظر في الأمور النظريّة والفحص عنها وتصحيحها على الطرق الجدليّة وتطرح السوفسطائيّة ولا تستعمل إلّا عند المحنة.

 فلا تزال تستعمل إلى أن تكمل المخاطبات الجدليّة، فتبين بالطرق الجدليّة أنّها ليست هي كافية بعد في أن يحصل اليقين.

فيحدث حينئذ الفحص عن طرق التعليم والعلم اليقين‏، وفي خلال ذلك يكون الناس قد وقعوا على الطرق التعاليميّة وتكاد تكتمل أ وتكون قد قاربت الكمال، فيلوح لهم مع ذلك الفرق بين الطرق الجدليّة وبين الطرق اليقينيّة وتتميّز بعض التمييز، ويميل الناس مع ذلك إلى علم الأمور المدنيّة، وهي الأشياء التي هي مبدؤها الإرادة والاختيار، ويفحصون عنها بالطرق الجدليّة مخلوطة بالطرق اليقينيّة وقد بلغ بالجدليّة أكثر ما أمكن فيها من التوثيق حتّى كادت تصير علميّة، ولا تزال هكذا إلى أن تصير الحال في الفلسفة إلى ما كانت عليه في زمن أفلاطون.

المرحلة الثالثة: الأسلوب البرهاني وتمييز موجب اليقين الحقيقي عن غيره

 ثمّ يتداول ذلك إلى أن يستقرّ الأمر على ما استقرّ عليه أيّام أرسطوطاليس، فيتناهى النظر العلميّ وتميّز الطرق كلّها وتكمل‏ الفلسفة النظريّة والعامّيّة الكلّيّة، ولا يبقى فيها موضع فحص، فتصير صناعة تتعلّم وتعلّم‏ فقط، ويكون تعليمها تعليما خاصّا وتعليما مشتركا للجميع.

فالتعليم الخاصّ هو بالطرق البرهانيّة فقط، والمشترك الذي هو العامّ فهو بالطرق الجدليّة أو بالخطبيّة أو بالشعريّة، غير أنّ الخطبيّة والشعريّة هما أحرى أن تستعملا في تعليم الجمهور ما قد استقرّ الرأي فيه ويصحّ بالبرهان من الأشياء النظريّة والعمليّة.

 ومن بعد هذه كلّها يحتاج إلى وضع النواميس‏، وتعليم الجمهور ما قد استنبط وفرغ منه وصحّح بالبراهين من الأمور النظريّة، وما استنبط بقوّة التعقّل من الأمور العمليّة.

مرحلة وضع القوانين العملية للجمهور

وصناعة وضع النواميس فهي بالاقتدار على جودة تخييل ما عسر على الجمهور تصوّره من المعقولات النظريّة، وعلى جودة استنباط شي‏ء شي‏ء من الأفعال المدنيّة النافعة في بلوغ السعادة، وعلى جودة الإقناع في الأمور النظريّة والعمليّة التي سبيلها أن يعلّمها الجمهور بجميع طرق الإقناع‏، فإذا وضعت النواميس في هذين الصنفين وانضاف إليها الطرق التي بها يقنع ويعلّم ويؤدب الجمهور فقد حصلت الملة التي بها علّم الجمهور وأدّبوا وأخذوا بكلّ ما ينالون به السعادة.

كيفية نشوء صناعتي الفقه الكلام وغرضهما

 فإذا حدث بعد ذلك قوم يتأمّلون‏ ما تشتمل عليه الملّة وكان فيهم من يأخذ ما صرّح به في الملّة واضعها من الأشياء العمليّة الجزئيّة مسلّمة ويلتمس أن يستنبط عنها ما لم يتّفق أن يصرّح به‏، محتذيا بما يستنبط من ذلك حذو غرضه بما صرّح به، حدثت من ذلك صناعة الفقه، فإن رام مع ذلك قوم أن يستنبطوا من الأمور النظريّة والعمليّة الكلّيّة ما لم يصرّح به واضع الملّة أو غير ما صرّح به منها، محتذين فيها حذوه فيما صرّح به، حدثت من ذلك صناعة ما أخرى، وتلك صناعة الكلام، وإن اتّفق أن يكون هناك قوم يرومون إبطال ما في هذه الملّة، احتاج أهل الكلام إلى قوّة ينصرون بها تلك الملّة ويناقضون الذين يخالفونها ويناقضون الأغاليط التي التمس بها إبطال ما صرّح‏ به في الملّة، فتكمل بذلك صناعة الكلام، فتحصل صناعة هاتين القوّتين، وبيّن أنّه ليس يمكن ذلك إلّا بالطرق المشتركة وهي الطرق الخطبيّة.

فعلى هذا الترتيب تحدث الصنائع القياسيّة في الأمم‏ متى حدثت عن قرائحهم أنفسهم وفطرهم‏.

مع تعديل المسؤول العلمي للموقع



займ на картукредит онлайн