التصنیف: حکمة نظریة, عقلیّات
التاریخ: 27 يوليو, 2015
المشاهدات: 3٬089
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الشیخ الدكتور فلاح العابدي
ملاحظات:

مبادئ كلِّ علمٍ هي مجموعة من المفاهيم والقضايا، يُبتدأ بها ويعتمد عليها في تحقيق مسائل ذلك العلم، حيث يبتني عليها اكتساب العلم التصوّري والتصديقي في ذلك العلم في بدء الأمر؛ وعليه لا بُدَّ أن تـكون تلك المفاهيم واضحة المعاني، وتلك القضايا ثابتة الصدق ومسلَّم بها عند صاحب الصناعة قبل الدخول في تحقيق مسائل صناعته؛ لأنَّ البدء بتحقيق مسائل أيِّ صناعةٍ أو علمٍ لا بُدَّ وأن يعتمد على مادّة معيّنة معدة لأن تبتني عليها تلك المسائل، سواء على مستوى العلم التصوّري أو التصديقي، وكون المبادئ واضحة ومسلَّم بها، إمَّا لوضوحها في نفسها، أو لأنَّها مُبيَّنة في صناعةٍ وعلمٍ آخر غير هذه الصناعة، فلا يمكن تحصيل علم جديد لم يكن لدى النفس إلَّا بواسطة أمور معلومة لديها سلفاً، قال المعلِّم الأوّل أرسطو طاليس: ( كلُّ تعليمٍ وكلُّ تعلّمٍ ذهني إنَّما يكون من معرفة متقدّمة الوجود)([1]).

وتلك المبادئ لا بُدَّ أن يكون منها ما هو تصوّري يبتني عليها العلم التصوّري المطلوب في ذلك العلم، ومنها تصديقي يبتني عليها العلم التصديقي المطلوب فيه، ومن الواضح جدّاً ـ بعد معرفة دور المبادئ في بناء العلم ـ أنَّ رصانة أيِّ علمٍ واستحكامه رهن رصانة مبادئه واستحكامها.

وأمَّا بالنسبة إلى علم الفلسفة، فلمَّا كان موضوعه ـ وهو الموجود المطلق من حيث هو موجود ـ أعمّ موضوعات العلوم، كان هو العلم الأعلى، بحيث لا يقع فوقه علم، فكان من حقِّ هذا العلم أن يتقدّم على العلوم كلها في الواقع والرتبة.

إلَّا أنَّه من جهتنا وعجز النفوس البشريّة، فإنَّه قد يتأخر عن بعض العلوم الأخرى، فبناءً على المدخل الذي دخله المعلِّم الأوّل ـ أرسطو طاليس ـ لإثبات المبدأ، وذلك عن طريق النظر في الحركة في عالم المحسوسات، وأنَّ كلَّ متحرّكٍ يحتاج إلى محرّك غيره، حتّى ينتهي إلى المحرّك الذي لا يتحرّك، والذي يكون هو المبدأ لكلِّ الحركات في هذا العالم، فكان دخوله إلى عالم الغيب من طريق علم الطبيعيات، والبحث في المحسوسات.

ولكن الفلاسفة المسلمين ـ كالمعلِّم الثاني الفارابي والشيخ الرئيس([2]) ومن جاء بعدهم ـ دخلو من مدخلٍ آخر لا يعتمد على الطبيعيات ولا الحركة، ويبدأ من النظر في الموجود، وتقسيمه بحسب العقل إلى الواجب والممكن، وهو طريق يعتمد على مقدمات عقليّة كليّة، تثبت الواجب وكونه مبدأً للكلِّ وعلَّةً أولى لكلِّ الأشياء، وتثبت صفاته وأفعاله، ومبادئ هذا المدخل لا تبحث ولا تثبت في علمٍ آخر، بل هي من الأمور البديهيّة الواضحة، فمثلاً في التصوّرات فإنَّ مثل مفهوم الموجود والشيء وأقسامها الأولى كالواجب والممكن والواحد والكثير وغيرها، بديهيّة أو قريبة من البديهيّة؛ بحيث ترتسم معانيها في النفس من دون الحاجة لأن تُعرف بمفاهيم أخرى.

وفي التصديقات فهو يعتمد على القضايا البديهيّة وعلى رأسها أولى القضايا بالتصديق وما ينتهي إليها صدق كلِّ قضيةٍ عند التحليل، وهي قضية استحالة اجتماع النقيضين، وكذلك أصل العلّية والسنخية البديهيان، وبطلان الدور والتسلسل.

نعم، قد تحتاج بعض المطالب التفصيليّة فيه إلى أصول مأخوذة من العلوم الأخرى، كالطبيعيات وعلم الهيئة والفلك؛ وذلك لقصور الطبيعة العاقلة البشريّة عن سلوك هذا الطريق الذي هو سلوك من العلَّة إلى المعلول ومن المفيض إلى الصوادر، إلَّا في بعض مراتب الموجودات لا جميعها بنحوٍ مفصّلٍ؛ ولذلك قد يضطر إلى الاستعانة بمثل تلك المقدِّمات.

 

مسائل علم الفلسفة

تنقسم مسائل علم الفلسفة إلى عدّة أقسام: منها ما يبحث عن الأسباب الأولى للموجود من حيث هو موجود، ويبحث فيه عن السبب الأوّل لكلِّ موجودٍ، من حيث إثبات وجوده ووحدانيته، وعن صفاته وأفعاله.

ومنها ما يبحث عن الموجودات الإمكانيّة وخصائصها من حيث هي موجودة، والتي يكون قسم منها مبادئ للعلوم الأخرى، كحقيقة الجسم الذي هو موضوع الطبيعيات وما يقع تحتها من علوم، أو الكم الذي هو موضوع الرياضيات وما يقع تحتها من علوم، حيث إنَّ مبادئ كلِّ علمٍ أخصّ تبحث في العلم الأعلى، فإنَّ كلَّ ما تقدَّم يعتبر كالأقسام أو الأنواع للموجود بما هو موجود، فهي من عوارض الموجود الذاتيّة.

ومنها ما يبحث عن العوارض العامّة للموجود من حيث هو موجود، وهي المفاهيم العامّة المشتركة بين العلوم، كالوجوب والإمكان والعلّية والمعلوليّة والوحدة والكثرة، والتي تحكي عن نحو وجود الموجود المتصف بها.

([1]) أرسطو طاليس، كتاب البرهان من منطق أرسطو، تحقيق وتقديم: د. فريد جبر، ص425.

([2]) انظر: ابن سينا، الإلهيات من كتاب الشفاء، مراجعة وتصدير: د. إبراهيم بيومي مدكور، ص21، وكان ممَّا قاله: (إنَّ لنا سبيلاً إلى إثبات المبدأ الأوّل لا من طريق الاستدلال من الأمور المحسوسة، بل من طريق مقدمات كليّة عقليّة توجب للموجود مبدأ واجب الوجود وتمنع أن يكون متغيراً أو متكثراً في جهة …..).

من كتاب الدِّين والفلسفة وجدليَّة العلاقة بينهما


  1. سرور مجازی - الأربعاء, 18 مايو 2016 في الساعة 8:23 ص

    […] مبادئ كلِّ علمٍ هي مجموعة من المفاهيم والقضايا، يُبتدأ بها ويعتمد عليها في تحقيق مسائل ذلك العلم، حيث يبتني عليها اكتساب العلم التصوّري والتصديقي في ذلك العلم في بدء الأمر؛ وعليه لا بُدَّ أن تـكون تلك المفاهيم واضحة المعاني، وتلك القضايا ثابتة الصدق ومسلَّم بها عند صاحب الصناعة قبل الدخول في تحقيق مسائل صناعته؛ لأنَّ البدء بتحقيق مسائل أيِّ صناعةٍ أو علمٍ لا بُدَّ وأن يعتمد على مادّة معيّنة معدة لأن تبتني عليها تلك المسائل، سواء على مستوى العلم التصوّري أو التصديقي، وكون المبادئ واضحة ومسلَّم بها، إمَّا لوضوحها في نفسها، أو لأنَّها مُبيَّنة في صناعةٍ وعلمٍ آخر غير هذه الصناعة، فلا يمكن تحصيل علم جديد لم يكن لدى النفس إلَّا بواسطة أمور معلومة لديها سلفاً، قال المعلِّم الأوّل أرسطو طاليس: ( كلُّ تعليمٍ وكلُّ تعلّمٍ ذهني إنَّما يكون من معرفة متقدّمة الوجود)([1]). […]