التصنیف: حکمة نظریة, عقلیّات
التاریخ: 1 فبراير, 2014
المشاهدات: 2٬372
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات:

المعقولات الكائنة في النفس عن المحسوسات إذا حصلت في النفس لحقها من حيث هي في النفس لواحق يصير بها بعضها جنسا، وبعضها نوعا، ومعرّفا بعض ببعض.

فإنّ المعنى الذي به صار جنسا أو نوعا –وهو أنّه محمول على كثيرين-هو معنى يلحق المعقول من حيث هو في النفس، وكذلك الإضافات التي تلحقها من أنّ بعضها أخصّ من بعض أو أعمّ من بعض هي أيضا معان تلحقها من حيث هي في النفس، وكذلك تعريف بعضها ببعض هي أيضا أحوال وأمور تلحقها وهي في النفس، وكذلك قولنا فيها إنّها «معلومة» وإنّها «معقولة» هي أشياء تلحقها من حيث هي في النفس.

وهذه التي تلحقها بعد أن تحصل في النفس هي أيضا أمور معقولة، لكنّها ليست هي معقولة حاصلة في النفس على أنّها مثالات محسوسات أو تستند إلى محسوسات، أو معقولات أشياء خارج النفس، وهي تسمّى المعقولات الثواني.

 وهي أيضا لا يمتنع -إذ كانت معقولات-أن تعود عليها تلك الأحوال التي لحقت المعقولات الأول، فيلحقها ما يلحق الأول من أن تصير أيضا أنواعا وأجناسا ومعرّفة بعضها ببعض وغير ذلك؛ حتّى يصير العلم نفسه الذي هو لاحق للشيء إذا حصل في النفس أن يكون معلوما أيضا، والمعلوم أيضا نفسه يكون معلوما؛ ويصير المعقول معقولا أيضا، والمعقول أيضا معقولا؛ والعلم الذي بمعنى العلم أيضا معلوما، وذلك لعلم آخر، وهكذا إلى غير النهاية؛ حتّى يكون للجنس أيضا جنس، ولذلك أيضا كذلك، إلى غير النهاية.

وذلك على مثال ما توجد عليه الألفاظ التي توضع في الوضع الثاني، فإنّها أيضا يلحقها ما يلحق الألفاظ التي في الوضع الأوّل من الإعراب. فيكون «الرفع» مثلا أيضا مرفوعا برفع، و«النصب» يكون أيضا منصوبا بنصب، ثمّ هكذا إلى غير النهاية.

 غير أنّ التي تمرّ إلى غير النهاية لمّا كانت كلّها من نوع واحد صار حال الواحد منها هو حال الجميع وصار أيّ واحد منها أخذ هو بالحال التي يوجد عليها الآخر، فإذا كان ذلك كذلك فلا فرق بين الحال التي توجد للمعقول الأوّل وبين التي توجد للمعقول الثاني، كما لا فرق بين الرفع الذي يعرب به «زيد» و«الإنسان» الذي هو لفظ في الوضع الأوّل وبين الرفع الذي يعرب به لفظ الرفع الذي هو في الوضع الثاني، فالحال التي يكون عليها إعراب ما في الوضع الأوّل من الألفاظ، بتلك الحال يكون إعراب ما في الوضع الثاني منها.

كذلك يوجد الأمر في المعقولات، فإنّه بالحال التي توجد عليه المعقولات الأول في هذه اللواحق هي بعينها الحال التي توجد عليها المعقولات الثواني، فالذي يعمّها من كلّ لاحق شي‏ء واحد بعينه، فمعرفة ذلك الواحد هي معرفة الجميع، كانت متناهية أو غير متناهية، كما أنّ معرفة معنى «الإنسان» والذي يلحقه من حيث هو ذلك المعنى هي معرفة جميع الناس وجميع ما هو إنسان، كانوا متناهين أو غير متناهين.

 فإذن لا حجّة تلحق من أن تكون غير متناهية، إذ كانت معرفتنا لواحد منها هي معرفة الجميع، إذ كنّا إنّما نعرف ما يعمّ الجميع الذي هو غير متناهي العدد.

ولذلك صار سؤال دنطثانس في حدّ الإنسان، وحدّ الحدّ، وحدّ حدّ الحدّ، الصائر إلى غير النهاية، غلطا، إذ كان ليس هناك نصير بالمعرفة إلى غير النهاية، ولا حاجة بنا إلى أن نعرف ما لا نهاية له، حتّى إذا عجزنا عن إحصائه وعن معرفة كلّ واحد على حياله تكون المعرفة قد بطلت، إذ كان معنى الحدّ معنى واحدا بعينه كلّيّا في جميع الحدود -كانت متناهية أو غير متناهية-كما أنّ معنى رفع «الرفع» ورفع «زيد» هو بمعنى واحد كلّيّ في هذين وفي رفع «رفع الرفع» الصائر إلى غير النهاية، وكذلك السؤال عن جنس الجنس، وجنس جنس الجنس، الصائر إلى غير النهاية.

وعلى ذلك المثال علم العلم بأنّه علم علم العلم، الصائر إلى غير النهاية، وكذلك السؤال عن الشبيه وهل هو شبيه شبيه آخر أو مغاير له، وهل معنى الغير غير لغير آخر أو شبيه به: فيكون الغير شبيها بما هو غير ويكون الشبيه غيرا بما هو شبيه؛ أو يكون الغير غيرا لغير آخر وغير الغير بغير آخر غيرا لكلّ واحد من الأمرين، وغيرا بغيريّة غير من آخرين، وغير الغير هكذا، إلى غير النهاية، وكذلك شبيه الشبيه بشبيه آخر له شبيه أيضا بشبيهين آخرين، وذلك إلى غير النهاية.

فهذه السؤالات كلّها من جنس واحد، وإنّما هي كلّها في المعقولات الثواني، والجواب عنها كلّها جواب واحد، وهو على مثال ما لخّصناه في تلك الأخر.

مع تعديل المسؤول العلمي للموقع