التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 1 فبراير, 2014
المشاهدات: 3٬557
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات:

عناوين المقال:

تعريف اليقين بالتفصيل وهوعلى ستة مراحل:

 (1) اليقين على الاطلاق هو أن يعتقد في الشى‏ء انّه كذا أو ليس بكذا (2) ويوافق أن يكون مطابقا غير مقابل لوجود الشى‏ء من خارج (3) ويعلم انه مطابق له (4) وانّه غير ممكن أن لا يكون قد طابقه أو أن يكون قد قابله (5) ولا أيضا يوجد في وقت من الاوقات مقابلا له (6) وأن يكون ما حصل من هذا حصل لا بالعرض بل بالذات.

بيان جنس اليقين

(1) فقولنا «أن يعتقد في الشي‏ء انّه كذا أو ليس بكذا» هو جنس اليقين ولا فرق بين أن يسمّيه الاعتقاد، أو يسمّيه الاجماع على الشى‏ء انّه كذا أو ليس بكذا، وهذا هو الرأى وما بعده فهى فصول له.

بيان الخاصية الذاتية الأولى لليقين

(2) وقولنا: «ويوافق أن يكون مطابقا غير مقابل لما عليه وجود الشى‏ء من خارج»، فمعنى المطابقة وأن لا يكون مقابلا، هو أنّ اعتقاد النفس: ان كان موجبا كان ذلك الشى‏ء الذي من خارج، أعنى خارج الاعتقاد، موجبا أيضا وان كان الاعتقاد سالبا، كان ذلك الشى‏ء الذي من خارج الاعتقاد سالبا.

في معنى الصدق

وهذا هو معنى الصدق، وهو اضافة ما للاعتقاد إلى المعتقَد من حيث هو خارج النفس، أو من حيث هو خارج الاعتقاد أو من حيث هو موضوع له.

وتوضيح ذلك هو أن الموجودات الخارجة عن الاعتقادات، هي موضوعات للاعتقادات. وانّما يصير الاعتقادات كاذبة أو صادقة، باضافتها إلى موضوعاتها التي هي من خارج النفس، أو من حيث هي خارجة عن الاعتقادات.

ومن هنا فانّ كانت كيفيات الاعتقادات في الايجاب أو السلب مطابقة، وغير مقابلة لكيفيات الموضوعات، التي هي من خارج في الايجاب أو السلب، كانت صادقة؛ وان كانت كيفيات الموضوعات مقابلة لكيفيات الاعتقادات، كانت الاعتقادات كاذبة.

بيان الخاصية الذاتية الثانية لليقين

(3) وقولنا «ويعلم انّه مطابق وغير مقابل له» انّما اشترط فيه، لأنّه قد يجوز أن يوافق وأن يكون مطابقا له، ولكن دون أن يشعر المعتقد انّه مطابق، بل قد يكون عنده أنّه عسى أن يكون قد غير مطابق.

ما هي موضوعات الاعتقاد

والتي من خارج الاعتقاد هي الموجودات التي آثار النفس أمثلة لها، وهى المعانى التي ذكرها أرسطوطاليس في صدر كتابه الثاني من المنطق، وهي الداخلة في أجناس المقولات التي أحصاها في كتاب المقولات، فانّها موجودة من قَبل أن يُعتَقد فيها شى‏ء.

وهذه المعاني التي تدخل في أجناس المقولات منها ما هي خارج النفس، ومنها ما وجودها في النفس، مثل أكثر الأشياء المنطقية، وما ينظر فيه من امر العقل والمعقولات والذكر والنسيان والانفعالات النفسانية وغير ذلك.

ثم إن الاعتقاد يحوى هذه الأشياء التي وجودها في النفس، على مثال ما يحوى الأشياء التي هي خارج النفس، وتجرى مجرى واحدا في أنّها موضوعات لأن تعلم وتعتقد، وهى من خارج الاعتقادات الواقعة عليها.

ونعنى بالتى من خارج، ما كان خارجا عن الاعتقاد. فان الاعتقاد نفسه قد يعتقد فيه انّه يقين، أو ظن، أو صادق، أو كاذب. فيكون الاعتقاد الذي يعتقد فيه أنّه صادق، أو كاذب، أو انّه يقين، أو انّه ظنّ، أو غير ذلك مما يجوز أن يحمل على الاعتقاد هو أيضا من خارج، اذ كان خارج الاعتقاد الذي يعتقد به فيه انّه ظن أو يقين مثلا، وعلى هذا كثير من الأشياء المنطقية، والمعقولات التي تسمّى المعقولات الثوانى.

الصدق والكذب بالعرض

وإذا كان الاعتقاد مطابقا وكان عند المعتقِد بنحو أنه عسى أن يكون مطابقا، فيكون ذلك ظنا صادقا لا يشعر به المعتقد لصدقه، فيكون ذلك صادقا عنده بالعرض. وكذلك ان كان الاعتقاد غير مطابق، وكان عنده عسى ان يكون مطابقا، كان ذلك ظنا كاذبا لا يشعر المعتقد بكذبه، فيكون ذلك ظنّا كاذبا عنده بالعرض. وعلى هذه الجهة يكون الظنون الصادقة والظنون‏ الكاذبة. وشرط الصدق في اليقين أن لا يكون بالعرض، فلذلك ينبغى أن يكون قد شعر الانسان بمطابقة الاعتقاد لوجود الامر وعدمه.

ما هو العلم؟ وكيف يكون تارة بالقوة وأخرى بالفعل؟

ومعنى علمه أن يصير حال العقل عند المعقول، وهو الموجود الذي من خارج من حيث هو موضوع للاعتقاد، كحال البصر عند المُبصَر في وقت الابصار. فان هذه الاضافة هي العلم، ويكون بالقوّة احيانا، وبالفعل أحيانا. ويكون بالقوة على ضربين: إمّا بالقوة القريبة، وإمّا بالقوة التي هي أبعد. والقوّة القريبة هي أن يكون بحيث إذا شاء الانسان حصل ما بالقوّة بالفعل. والبعيدة تتفاضل بالبعد، مثل قوة النائم على أن يبصر، وقوة المغمى عليه، وقوة الجرو أول ما تولد، وقوة الجنين.

بيان الخاصية الذاتية الثالثة لليقين

(4) وقولنا «أنه غير ممكن أن لا يكون مطابقا أو أن يكون مقابلا» هو كون الاعتقاد على درجة من التأكيد والوثاقة التي بها يدخل الاعتقاد والرأى في حدّ اليقين، وذلك بحيث يجب اضطرارا أن يكون قد طابقه، وليس يمكن أن لا يكون طابقه، وأنّه بحال ما لا يمكن أن يكون قد قابله، بل هو بحال يجب لها ضرورة أن يكون قد طابقه، ولم يناقضه، ولا ضاده.

وهذه الوثاقة والتأكيد في الاعتقاد نفسه إنّما تستفاد عن الشي‏ء الذي أَوقعه سواء كان ذلك الشي‏ء هو الطبيعة أو القياس.

بيان الخاصية الذاتية الرابعة لليقين

(5) وقولنا: «ولا أيضا ممكن أن يوجد في وقت مقابلا له»، هذا أيضا تأكيد آخر أزيد استفادة للاعتقاد ناشئة من تأكّد نفس الشي‏ء الموضوع للاعتقاد ووثاقته في وجوده خارج الاعتقاد، فان الشريطة السابقة قد تكون في المحسوسات أيضا، وفي قضايا وجودية. أمّا هذه الشريطة فليست تكون إلا في الاعتقادات التي موضوعاتها المعقولات الضرورية على الاطلاق.

فإن المحسوسات قد تكون صادقة، ولا يمكن أن تكون قد قابلت اعتقادنا لها أنها هكذا، ولكن تكون إمّا ممكنة أن تزول، في وقت غير محدود مثل جلوس زيد، أو تكون لا محالة زائلا في وقت ما محدود، مثل كسوف القمر الذي تراه الان. وكذلك القضايا الوجودية الكلية، كقولك: كل انسان أبيض.

وأمّا الاعتقاد الذي لا يمكن أن يكون مقابلا ولا في وقت من الاوقات، فانّه يكون في المعقولات الضرورية فقط. فإنه هاهنا لا الاعتقاد يصير مقابلا للوجود في وقت من الاوقات، ولا الوجود يصير مقابلا للاعتقاد في وقت من الاوقات.

الخاصية الذاتية الخامسة لليقين

(6) قولنا «وأن يكون ما حصل من ذلك حصل لا بالعرض» هو الذي به تمّ حدّ اليقين على الاطلاق. وذلك أنه لا يمتنع أن تكون جميع الشرائط السابقة قد حصلت في الانسان باتفاق، لا عن الأشياء التي شأنها بالطبع أن يحصل عنه، ويتّفق أن يكون هذا في قضايا ضرورية، فتكون هذه الشرائط كلّها قد توافت، إمّا من حيث لا يشعر بها الانسان، أو بالاستقراء، أو لأجل شهرة عند الجميع وشهادتهم به، أو بإخبار مخبر وثق الانسان به.

فلا يكون ذلك الاعتقاد الذي حصل من هذه الطرق إنّما حصل له عن بصيرة نفسه، ولا يكون حاله بما يعقله فيها مثل حال من ينظر إلى الشي‏ء حين ما ينظره، ويشعر انّه ينظر اليه.

التفرقة بين اليقين الوهمي واليقين الحقيقي

وأيضا فإنّه لا يمتنع أن يكون كثير من الانفعالات قد يجعل الرأى عند الانسان هذا المحل الذي يكون في حال اليقين، وذلك مثل المحبّة له، أو لصاحبه، أو الحميّة والعصبية له، والغضب والالف له بالزمان الطويل وعظم الامر عنده وشنعة خلافه، أو عظم صاحب الرأى عنده والمخبر له وعنه، وجلالته، وإفراط ثقته به، وحسن الظن به، يجعل محلّ الرأى عنده هذا المحلّ من الوثاقة، فيظن أنّه قد تيقن بالرأى. وفلذلك شرط أرسطوطاليس هذه الشريطة في اليقين.

وأيضا فلاجل أن كثيرا من الناس أيضا إذا لم يشعروا بموضع الفساد في رأى ما، وخفى عليهم، خاصّة إذا كانوا قد اجتهدوا في طلبه، والفحص عنه، ولم يكونوا متّهمين لأنفسهم في شى‏ء؛ ظنّوا أو وهموا في الظاهر أن الذي حصل لهم منه هو اليقين، فيكون هؤلاء ايضا قد ظنّوا أن ما ليس بيقين انّه يقين.

فلذلك يجب أن يطلب الشى‏ء الذي يحصل عنه ومنه اليقين بالذات لا بالعرض، لان هذه الشريطة ليست انّما هي شريطة في الشى‏ء الذي عنه يحصل اليقين فقط، لكن وفي الشى‏ء الذي فيه يحصل اليقين أيضا.

وقد بيّن ذلك كلّه أرسطوطاليس في كتابه في البرهان. وهذا اليقين هو الذي يستعمل ويوجد في الفلسفة، وبالجملة في العلوم النظريّة.

حصول اليقين الحقيقي على نحوين

وهذا اليقين قد يحصل لا عن قياس أصلا، وهو يقين بنفسه من غير حاجة به إلى يقين آخر. وهذا اليقين الاقدم بالطبع وبالزمان، وهو اليقين بالمقدّمات التي هي المعقولات الأول، التي هي مثل مبادى العلوم النظرية، وقد يحصل عن قياس، وهو الذي هو يقين عن يقين أقدم منه.

المتيقن عن قياس إما أن يعلم سببه أو لا

فالذي يحصل عن قياس ضربان: ضرب ينبغى أن يشترط فيه جميع تلك الشرائط الست، بأن يقال وأن يعلم سبب وجوده. وضرب ينبغى أن يشترط فيه معها مقابل الشريطة السابقة، وذلك بأن يقال من غير أن يعلم سبب وجوده، وترتب كلّ واحد من هاتين -أي العلم بالسبب وعدمه- بين الشريطة الخامسة وبين السادسة.

 ثم يلتمس بعد هذا بأي أحوال وأوصاف وشرايط[1] ينبغى أن تكون الامور والقضايا التي سبيلها أن يكون موضوعة لكلّ واحد من هذه الاصناف الثّلاثة[2]، حتى يحصل فيها ذلك اليقين، ومن أي جهات وقضايا، وعن أي أمور شأنها أن يحصل كلّ واحد منها.

اليقين الحقيقي لا يزول إلا بجنون أو نسيان

وهذه الأشياء استقصاها أرسطوطاليس غاية الاستقصاء في كتابه في البرهان، وبيّن أن اليقين على الاطلاق، اذ كانت صفته قد تمت فيها هذه الشرائط، ثم حصل للانسان في رأى واعتقاد ما فإنه لم يزل عنه الا بموت أو جنون وما شاكله أو نسيان، فأمّا بعناد أو تلف الامر، فلا.

أما زواله  بتلف الأمر فلأن الموضوعات لهذا اليقين لا تتغيّر أصلا، فلا يمكن أن تتبدل عما هي عليه، فلذلك لا تتلف، اذ كانت قضايا كلية ضرورية كما قلناه.

وأما زواله بعناد، فلا يمكن أيضا، لأنّه لا يمكن أن يوجد له عناد صادق أصلا.

ما يتوهم إبطاله لليقين الحقيقي

أمّا العناد الكاذب الذي يمكن أن يغالط به، فإن المغالطة على ما قيل في كتاب البرهان إمّا مغالطة تخصّ الصناعة وإمّا مغالطة بأعراض خارجة عن الصناعة، أي مغالطة بأشياء هي عرضيّة بالنسبة إلى  الصناعة التي حصل فيها اليقين.

والصناعة المغالطة التي هي عرضية في الصناعة التي حصل فيها اليقين، فإنها لا تخطر ببال صاحب الصناعة، وإذا ما خطرت بباله، أو خوطب بها؛ عرف كذب الكاذب منها بسرعة انتقال القوّة على الأشياء الذاتية في الصناعة. فإن ما ليست بذاتية فإن كليتها كاذبة.

وأما التي تخص الصناعة، فإنّها تستعمل لامتحان صاحب الصناعة واختباره. فإن انقاد لها وشككته تلك في شى‏ء مما في الصناعة، تبيّن له ولغيره أنّه لم يكن له ذلك الشى‏ء يقينا.

كيفية تشكيك المغالطة وأسبابه

وأكثر ذلك، إذا شككته الأشياء التي هي عرضية في الصناعة، فهذا يعني أن الانسان وبالنسبة إلى كل واحد من الأمرين أي الذي يخص الصناعة، والذي هو من خارجها، ليس يكون معه يقين في ذلك الشى‏ء، وإن ظنّ انّه يقين، وينبغى أن يكون قد نقصه من شرائط اليقين شى‏ء، وأغفله.

وذلك انّه قد بُيّن في كتاب البرهان أن الرأي لا يمكن أن يحصل ويتصف بتلك الشرائط التي هي شرائط اليقين، دون أن يكون قد حصل له اليقين أيضا -وبتوفر تلك الشرائط ايضا- بكذب مقابله في ذلك الرأى، وكذب مقابلات المقدمات التي تنتج مقابل ذلك الرأى.

و إذا كان ذلك كذلك، فأي شى‏ء يبقى ممّا يغالط به! فإن المغالطات التي تخص الصناعة يمكن إحصاءها، وتحصل للإنسان بحصول الصناعة اليقينية. وهذا كلّه بيّن في كتاب أرسطوطاليس في البرهان.

اليقين الحقيقي غير قابل للإبطال

فعناد اليقين غير ممكن أصلا، لان اليقين بصدق القضيّة لا يمكن أن يحصل، دون اليقين بكذب مقابلها، وبحيث يلزم عن اليقين بصدق القضيّة اليقين بكذب مقابلها، وليس ذلك إلا لأنّه إذا أمكن عندنا صدق المقابل، أمكن أن يكذب القضية.

كيفية دحض معاندات اليقين الحقيقي

القضايا التي يحصل اليقين فيها في الصنائع اليقينية، منها المعقولات الأول التي هي مبادئ تلك الصناعة، ومنها نتائج كائنة عن تلك المبادئ. والتي هي مبادئ في الصناعة اليقينية فإنها محدودة العدد ومحصاة معلومة كم هي.

ومن هنا فإنه إنما يمكن أن يعاند ما بعدها من النتائج الكائنة عن المبادئ، وذلك إمّا بمقابلات تلك المبادئ وإما بمقابلات نتائج كائنة عن تلك المبادى.

وحيث إن اليقين بالمبادئ لا يحصل دون أن يحصل اليقين بكذب مقابلاتها.

فإذا كانت المقدمات المأخوذة في العناد مقابلات المبادئ، فليست تَرِد على الانسان إلا عرف كذبها من ساعته، فلا ينقاد لذلك العناد.

وكذلك الحال أيضا إذا ما كانت القضايا التي عوند بها إنما هي مقابلات نتائج كائنة عن المبادئ، فإنه إذا كان قد علم تلك النتائج في الصناعة اليقينية، ووقف على براهينها. فانّه ليس يكون قد تيقنها إلا وقد تيقن بكذب مقابلاتها. وبالتالي فإنه وكلما يرِد عليه منها يقف على كذبها من ساعته، فيتلقاها بالبراهين المنتجة لتلك النتائج في الصناعة اليقينية، فيعاندها بها فتبطل.

وأما إذا كانت تلك مقابلات نتائج من تلك الصناعة؛ لم يعرفها بعد، فيجب أن يوقف أمرها إلى أن يعرفها.

متى يمكن ابطال اليقين

وبالجملة انّما يمكن أن يعاند فقط وفقط تلك القضية التي كانت قد انتجت عن بعض مقدّمات تكون بحيث يمكن أن يعتقد في مقابلاتها عين ما اعتقد في تلك المقدّمات التي انتجتها. وأمّا إذا كانت منتجة عن مقدّمات لا يمكن أن يعتقد في مقابلاتها ما اعتقد به في تلك المقدمات، فإنه لم يمكن أبدا في تلك النتائج أن تعاند أصلا.

والمقدّمات التي يمكن هذا فيها هي المشهورات من جهة ما هي مشهورة[3]، والتي لا يمكن فيها هذا هي اليقينية.

وأمّا المغالطة فانّها إنّما يمكن أن تتقدر وتشكّك أو تزيل رأى الانسان في العلوم اليقينية، متى اتفق أن لا تستوفى شرائط اليقين، إمّا في النتائج، وامّا في البراهين.

وأمّا المقدمات الأول؛ فان اليقين فيها طالما أنه سهل يسير، فإن ذلك يخرجها من أن تكون برهانية أي لا تحتاج إلى برهان ، كما يخرجها عن أن تكون جدليّة فلا يراد الإلزام بها أو إبطالها، وكذا ليست تصلح أن تكون سوفسطائيّة لعدم إمكان التغليط والتمويه فيها ومثله الحال في كونها قضايا خطبية لأن القناعة بها حاصلة بيسر ومفروغ عنها فلا تقع غرضا لذلك.

تزلزل اليقين يعني نقصا في شرائط البرهان

وحيث إن المغالطة إنما تشكك وتزيل اليقين في النتائج والبراهين فقط فإن ذلك سيرجع بالضرورة إلى النقص في شرائط البرهان في سائر المقدّمات لتلك النتائج وفي البراهين، فلذلك متى ما زال رأى الانسان عن قضية ما في العلوم النظرية اليقينية لأجل عناد ورد عليه -حتى وإن كان ذلك العناد مغالطة لم يشعر بها ذلك الانسان- فحينئذ لابد أن ذلك الرأي منه قد كان ظنا، وليس عنده يقين حقيقي به أصلا، وبالتالي فإنه سيجد لا محالة نقصا من شرائط البرهان.

أقسام اليقين غير الحقيقي مواطن الانتفاع به

واليقين لا على الاطلاق ضربان: يقين إلى وقت ما ثم يزول، ويقين مظنون انّه يقين.

واليقين الذي يوجد في وقت ما ثم يزول يحد ويعرّف بأن يشترط مكان الشريطة الخامسة “ويوجد في وقت من الاوقات ويوجد مقابلا له” ويقر باقى الشرائط على حالها.

وذلك ضربان: ضرب يوجد في وقت من الاوقات مقابلا له ضرورة، مثل الكسوف الجزئى، وضرب آخر يمكن أن لا يوجد في وقت من الاوقات مقابلا له ضرورة مثل علمنا ان زيدا جالس وبالجملة القضايا الوجودية.

وكل واحد من هذين يزول بزوال الامر الموضوع للاعتقاد لا بالعناد.

واليقين المظنون هو الذي يحد ويعرف بأن يجعل مكان الشريطة السادسة مقابلتها، بأن يقال‏ “ويحصل ما يحصل من ذلك بالعرض لا بالذات“. وهذا هو بالحقيقة ظن، وهو يزول بالعناد.

واليقين الذي يوجد في وقت ما يستعمل في الصنائع التي توجد موضوعاتها أشخاصا، وفي الصنائع التي تستعمل القضايا الكلية الوجودية، مثل الخطابة وكثير من الصنائع العملية[4].

وأما اليقين المظنون كونه يقينا فإنما يستعمل حيث ما استعمل على جهة الغلط والسهو، وعلى جهة المغالطة بها، وذلك في الصنائع الذي يبلغ الغرض بها وإن غلط فيها، أو في التي يبلغ غرضها بالمغالطة مثل الخطابة والشعر والتي غرضها المغالطة[5] مثل السوفسطائية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أي تبين خصوصية الموضوع والمحمول ونحو العلاقة بينهما بأن يكون أحدهما أو مقابله مُتَضَمّن في الآخر فيعلم أن سلب الحمل أو إيجابه موجب للجمع بين النقيضين وهذا قد يكون بلا وسط وقد يكون بوسط إلى غير ذلك من التفصيلات التي ذكرها الفارابي ومن قبله أرسطو في صناعة البرهان.

[2] اليقن لا عن قياس، واليقن عن قياس مع العلم بالسبب، واليقين عن قياس بلا علم بالسبب.

[3] أما إذا تيقنت باليقين الحقيقي واتفق أن كانت مشهورة فإنها لا يمكن أن تعاند وتبطل والحال كذلك.

[4] الصنائع العملية هي الصنائع غير الاستدلالية والتي تعرف بالتلقين ويكون الغرض فيها التطبيق فقط كما في البناء والنجارة والزراعة والطبابة وغير ذلك.

[5] وذلك لأنها تستعمل ما يوجب القناعة والتصديق بحسب خصوصية المتلقي لا بحسب خصوصية الأمر في نفسه ولذلك تكون مغالطة من هذه الجهة إلا أنها تكون سفسطة إذا كانت مموهة للواقع وبغرض الاقناع والتصديق بما هو كاذب في نفس الأمر.

مع تعديل المسؤول العلمي للموقع


  1. حمید - الثلاثاء, 9 يونيو 2015 في الساعة 1:12 ص

    اعلي الله مقامه
    شكرا