التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 24 مايو, 2015
المشاهدات: 1٬844
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات:

ما هو التفكير البرهاني؟

لقد حاولنا في الحلقة الأولى من خلال سعينا لنتعرف على ماهية التفكير البرهاني أن نتعرف على ماهية التفكير بشكل عام وقد قادنا ذلك كما نتذكر إلى ان نبحث أنواع الإدراك وقد ظهر لنا أننا نملك أربعة أنواع من الإدراك وهي الحسي والخيالي والوجداني والعقلي وعرفنا تبعا لذلك أن التفكير هو من قسم الإدراك العقلي.
وحينما حاولنا ان ننطلق لنتعرف على التفكير ظهر لنا انه يتمتع بعدة خصائص حيث تبين لنا أنه لا بد أولا أن يكون هناك أمر ما نجهله قد توجهنا إلى أننا نجهله وإلا فعن أي شيء سنبحث.
وكذلك عرفنا أننا ملزمون بأن نرجع إلى ما عندنا من أمور معلومة لنستخدمها في طلب العلم بذلك الذي نجهله.
وكذلك لم نغفل حينها عن أن نلتفت إلى أن المعلومات التي نحاول ان نستخدمها لا بد ان تكون صحيحة لأن غايتنا من التفكير هي التعرف على ما نجهله بشكل صحيح، وهذا ما لا يمكننا ان نتأكد منه إلا إذا كانت تلك المعلومات التي شرعنا منها في التفكير، معلومات صحيحة.
وبعد ذلك دققنا قليلا وتبين لنا أنه لا يكفي ان تكون المعلومات التي عندنا صحيحة حتى نستطيع التعرف على ما نجهل بل لا بد أن تكون تلك المعلومات أيضا مناسبة أيضا لأنه ليس بالإمكان ان نعرف أي شيء من خلال أي معلومة مهما كانت بل لا بد ان يكون هناك ارتباط ما بين ما نجهله وبين ما نريد العلم به.
وعندما وصلنا إلى هذا الحد حاولنا أن نستكشف ماهية التفكير البرهاني مما جعلنا نتعمق قليلا ونحاول استكشاف معنى ان تكون المعلومات التي نستخدمها، معلومات مناسبة.
وإذا تذكرون عندما استخدمنا مثال عامر الذي يلبس قبعة حمراء وكان يسير على الجسر وقد حاولنا ان نستكشف من رؤيتنا له بالأمس انه كان يمشي على الجسر ويلبس قبعة حمراء. هل هو موجود على الجسر اليوم أم لا؟ وحاولنا ان ننظر على الجسر من شباك الغرفة لنرى إن كان هناك أحد يلبس قبعة حمراء ويمشي هناك ام لا.
ولكننا التفتنا إلى أننا إذا لم نشاهد أحدا يلبس قبعة حمراء فهذا لا يعطينا الحق بان نستكشف أن عامر ليس موجودا على الجسر وذلك لأن وضع عامر للقبعة الحمراء ليس أمرا لازما له بل قد يرتديها وقد لا يرتديها.
…………………
وهنا تعرفنا على شيء من معنى المناسبة وشرط من الشروط التي يجب ان تكون متوفرة في المعلومات التي عندنا قبل أن نستخدمها ولكن لن أخبركم أسم هذا الشرط قبل ان أتابع معكم التأمل في المثال مرة أخرى.
…………………
تعالوا معي لنسأل أنفسنا، ماذا لو نظرنا من الشباك ووجدنا أحدا يلبس قبعة حمراء ويمشي على الجسر؟
ماذا لو حصل ذلك؟!
هل يمكننا أن نقول بان عامر موجود على الجسر؟
بماذا ستجيبون؟!
ستجيبون بالتأكيد! بأن ذلك لا يسمح لنا ان نقول بان عامر موجود على الجسر، وإذا سألتكم لماذا؟ ستجيبون بثقة واضحة أن لبس القبعة الحمراء ليس أمرا خاصا بعامر بل قد يوجد شخص غيره يملك قبعة حمراء ويمشي على الجسر.
جميل!…
وهذا يعني أننا من خلال تأملاتنا البسيطة السابقة توصلنا إلى أمر واضح وهو ان لبس القبعة الحمراء فاقد لخاصيتين مهمتين ولذلك لم نتمكن من أن ننتقل من عدم وجود أحد يلبس القبعة الحمراء إلى عدم وجود عامر على الجسر ولم نتمكن أيضا من أن ننتقل من رؤيتنا لأحد يلبس قبعة حمراء على الجسر إلى أن عامر موجود على الجسر.
فما هما هاتين الخاصيتين يا ترى؟
بالتأكيد فالأمر واضح!….
فإن لبس القبعة الحراء ليس أمرا لازما لعامر، ولا هو أمر مختص به ولذلك لم نتمكن من أن نثبت أو ننفي وجوده على الجسر.
جيد إلى هنا أليس كذلك؟
طيب!
علينا قبل أن نمضي إلى الأمام أن نرجع قليلا إلى الوراء وأرجو ألا يزعجكم ذلك وأن لا تصابوا بالملل فما أحوجني إلى صبركم معي.
فلنعد إلى ما كنا نطلب العلم به وهو أن (عامر موجود على الجسر اليوم) وسنجد أننا سألنا أنفسنا السؤال التالي وهو:
هل عامر موجود على الجسر أم لا؟ وهذا يعني ان لدينا مسألة ترددنا فيها بين الإيجاب والسلب ولا أظن أحدا يشك بان اجتماع الإيجاب والسلب معا هو أمر محال فإن عامر إما أن يكون على الجسر وإما ألا يكون وهذا ما نسميه قاعدة امتناع اجتماع النقيضين لأن النقيضان هما الإيجاب والسلب وهذه القضية بديهية تأبى أن تكذب.
المهم!!
حينما سألنا هذا السؤال ماذا فعلنا؟
سأخبركم بما فعلناه وأنتم تعرفونه ولكن لأننا نمارسه ببساطة فقد لا نتأمل فيه.
لقد قمنا بوضع المطلوب أمام أذهننا ونظرنا ووجدنا انه مؤلف من جزءين وهما حاكم ومحكوم عليه المحكوم عليه هو عامر والحاكم هو قولنا: موجود على الجسر اليوم.
ولأجل ذلك فنحن حاولنا أن نبحث عن شيء يربط بينهما ويدلنا على أن هذا الحكم موجود لعامر.
وللعلم فقط فإننا في علم قواعد التفكير البرهاني (علم المنطق) نسمي المحكوم عليه بـ(الموضوع) والحكم بـ(المحمول)
وعليه فنحن نفتش عن شيء يربط بين المحمول والموضوع أي بين المحكوم عليه والحكم ونريد أن نعرف هل هو صحيح أو لا؟
ولذلك قمنا بما يلي:
بعد أن وضعنا كل المطلوب أمام أذهاننا، نظرنا إلى جزئه الأول وهو الموضوع والمحكوم عليه وهو (عامر)، وحاولنا ان نبحث عن وصف يتصف به ووجدنا أننا نعلم من يوم أمس ان عامر قد لبس القبعة الحمراء عندما كان على الجسر، فاستخدمنا هذه المعلومة ووضعناها جانبا قليلا، ثم نظرنا مرة أخرى إلى الجزء الآخر من المطلوب وهو المحمول والحكم أي قولنا (موجود على الجسر) ثم أبقينا نظر ذهننا عليه واستعرنا الوصف الذي وجدناه في الموضوع وهو (لبس القبعة الحمراء) وبدأنا نسأل أنفسنا هل هناك أحد يلبس القبعة الحمراء على الجسر فنظرنا من الشباك ووجدنا انه يوجد هناك من يلبس القبعة الحمراء أو بالعكس لم نجد أحدا كذلك.
………………
وهنا وقفنا لنقول لأنفسنا، إن الوصف -وهو لبس القبعة الحمراء- ليس وصفا لازما لـ(عامر)، ولا خاصا به، -هذا أولا- ثم قلنا، إن هناك شخصا يلبس القبعة الحمراء ويمشي على الجسر -بحسب ما رأينا من الشباك-، أو بالعكس لم نجد أحدا كذلك، ومن هنا فإننا إذا كنا قد وجدنا أحدا يمشي على الجسر ويلبس قبعة حمراء قلنا لا يمكننا ان نقول إن (عامر) على الجسر لان (لبس القبعة الحمراء) ليس خاصا به، وأما إذا كنا لم نجد أحدا كذلك قلنا أنه لا يمكننا ان نعلم عدم كون (عامر) هناك لأن (لبس القبعة الحمراء) ليس خاصا بعامر بل يوجد له ولغيره.
……………….
فإذا بعد كل هذا التفصيل الممل الذي نمارسه عادة بسرعة وجدنا أننا نستعمل معنى آخر غير موجود في المطلوب ونبحث عن علاقة لهذا المعنى مع الموضوع وعلاقة كذلك له مع المحمول، فإن كانت هاتين العلاقتين تسمحان بأن نعلم من خلالهما بالعلاقة بين المحمول والموضوع، فحينها نحكم بأن عامر موجود على الجسر اليوم، ولكن ذلك لم يحصل، لان ما عثرنا عليه من الأوصاف وهو (لبس القبعة الحمراء) لم تكن له علاقة مع الموضوع (عامر) بحيث تعطينا الحق بالحكم بانه موجود على الجسر عندما علمنا بالحس (أن هناك أحدا يلبسها على الجسر) ولا أيضا كانت تلك العلاقة تعطينا الحق بأن ننفي وجوده على الجسر عندما أدركنا بالحس أنه (ليس هناك أحد على الجسر يلبسها).
أي: أن المعلومات التي عندنا لم تكن تسمح لنا بالعلم بالمطلوب لا الإيجاب ولا السلب.
طيب بعد كل هذا نكون قد تعرفنا على أحد أوصاف التفكير البرهاني وهو:
(أن يكون ما استعملناه من المعاني للربط بين المحمول والموضوع يمتلك علاقة بكل منهما تسمح لنا بأن ننتقل للعلم بالعلاقة بينهماسلبا أو إيجابا).
……………..
وأول صنف من هذه العلاقات الذي تعرفنا عليه اليوم هو أن يكون ذلك الوصف خاصا بالموضوع ومعنى قولنا خاصا في علم التفكير البرهاني (علم المنطق) هو أن يكون الوصف لازما ومختصا أي يوجد دائما له، وله وحده فقط.
وقبل أن أريحكم وأغادركم، أعلمكم: أن ذلك الوصف يسمى بالوسط أو بالحد الأوسط ولذلك يمكن أن نختصر العبارة عن كل ما تقدم:
(أن الوسط الذي نستخدمه في معرفة العلاقة بين طرفي المطلوب (الموضوع والمحمول) لا بد أن يكون على علاقة خاصة مع الموضوع أي خاصة له يلازمه ولا يوجد لغيره).
…………………..
طبعا هناك أحوال وطرق عديدة أخرى وشروط أخرى ايضا لابد أن نتعرف عليها حتى تكتمل المعرفة لحقيقة التفكير البرهاني بالتفصيل ولكن نترك ذلك إلى فرصة أخرى.


  1. حمید - السبت, 6 يونيو 2015 في الساعة 4:43 م

    احسن الله اليكم
    انا معجب بمثل هذا البيان الذي تنكشف به الحقيقة علي ما هي عليها
    زدنا مأجورين