ماهیة السعادة وكيفية تحديدها | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 13 يونيو, 2015
المشاهدات: 1٬893
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات: مع بعض الإضافات

السعادة هي غاية ما يتشوقها كل إنسان، وأنّ كل من ينحو بسعيه نحوها؛ فإنّما ينحوها على إنّها كمال ما؛ فذلك ما لا يحتاج في بيانه إلى قول، إذ كان في غاية الشهرة.

وكلّ كمال وكل غاية يتشوّقها الإنسان، فإنّما يتشوّقها على أنّها خير ما، فهو لا محالة مؤثر. ولمّا كانت الغايات التي تتشوق على إنّها خيرات مؤثرة كثيرة؛ كانت السعادة أجدى الخيرات المؤثرة. وقد تبيّن أنّ السعادة أعظم خيرا من بين الخيرات، وأكمل غاية سعى الإنسان نحوها من بين المؤثرات.

إنّ الخيرات التي تؤثر منها ما يؤثر لينال بها غاية أخرى مثل الرياضة وشرب الدواء، ومنها ما يؤثر لأجل ذاتها، وبيّن أنّ التي تؤثر لأجل ذاتها آثر وأكمل من التي تؤثر لأجل غيرها، كما أن الذي يؤثر لأجل ذاته: منه ما يؤثر أحيانا لأجل شي‏ء آخر؛ مثل العلم: فإنّا قد نؤثره أحيانا لأجل ذاته، لا لننال‏ به شيئا آخر، وقد نؤثره أحيانا لننال به الثروة أو أمرا آخر من الأمور التي قد تنال بالعلم كالرئاسة. ومنها ما شأنها أن تؤثر أبدا لذاتها ولا تؤثر في وقت من الأوقات لأجل غيرها؛ وهذا آثر وأكمل وأعظم خيرا من التي قد تؤثر أحيانا لأجل غيرها.

ولما كنّا نرى أنّ السعادة إذا حصلت لنا لم نحتج بعدها أصلا أن نسعى لغاية ما أخرى غيرها، ظهر بذلك أنّ السّعادة تؤثر لأجل ذاتها ولا تؤثر في وقت من‏ الأوقات لأجل غيرها؛ فتبيّن من ذلك أنّ السعادة هي آثر الخيرات وأعظمها وأكملها.

وأيضا فإنّا نرى أنّها إذا حصلت لنا لم نحتج معها إلى شي‏ء آخر غيرها، وما كان كذلك فهو أحرى الأشياء بأن يكون مكتفيا بنفسه.

وقد يشهد بهذا القول ما يعتقده كلّ إنسان فيما تبين له أو ظنه أنّه وحده هو السعادة حيث يعتقد أنها آثر وأعظم خيرا وأكمل من باقي الخيرات. وسواء في ذلك ما يراه بعضهم من أنّ الثروة هي السعادة، أو أن التمتع باللّذات هو السعادة، أو الرئاسة أو العلم أو غير ذلك هو السعادة، فإن الجميع يرى فيما جعل السعادة فيه أنه الأعلى مرتبة من بين الخيرات.

وإذا كانت  مرتبة السعادة، بأن تكون هي نهاية الكمال الإنساني، فيلزم من آثر تحصيلها لنفسه أن يكون واجدا لسبيلها وللأمور التي بها يمكن الوصول إليها.

فنبتدئ فنقول: إنّ أحوال الإنسان التي توجد له في حياته، منها ما لا يلحقه محمدة ولا مذمة، ومنها ما إذا كانت‏ له لحقته بها محمدة أو مذمة. وبيّن أن السعادة ليست مما يناله الإنسان بأحواله التي لا يلحقها حمد أو ذمّ؛ وإنما ينالها من خلال أحواله التي يلحقه بها حمد أو ذمّ.

وأحواله التي يلحقه بها حمد أو ذمّ ثلاثة:

أحدها: الأفعال التي يحتاج فيها إلى استعمال أعضاء بدنه الآلية؛ مثل القيام والقعود والركوب والنظر والسّماع. وهذه إنما تلحقه المذمة عليها متى كانت قبيحة، وتلحقه المحمدة عليها متى كانت جميلة.

والثاني: عوارض النفس، وذلك مثل الشهوة واللّذة والفرح والغضب والخوف والشوق والرحمة والغيرة وأشباه ذلك. وهذه إنما تلحقه المذمّة عليها متى كانت على غير ما ينبغي، وتلحقه المحمدة عليها متى كانت على ما ينبغي. ‏

والثالث: هو التمييز بالذهن. وهذه إنما تلحقه المذمّة عليها متى كان الإنسان رديء التمييز بأن لا يتمكن من الاعتقاد فيما يرد عليه أنه حق أو باطل بالحقيقة وتلحقه المحمدة متى كان جيد التمييز، بأن يتمكن من اعتقاد الحقّ، ويقوى على تمييز ما يرد عليه من كونه حقا أو باطلا.

ولا يخلو الإنسان في وقت من زمان حياته إلا ويكون له بعض هذه الثلاثة هي ولذلك يجب أن نبيّن كيف لنا السبيل إلى أن تكون أفعالنا جميلة، وعوارض أنفسنا على ما ينبغي وبأيّ سبيل تحصل لنا جودة التمييز.

وينبغي أن نعلم أولا أنّ الأفعال الجميلة قد يمكن أن توجد للإنسان باتفاق دون قصد لها بالذات، ويمكن أن توجد له بسبب إجبار أو إكراه لا طوعا واختيارا، ويمكن أن توجد له باختياره ولكن في وقت دون وقت وفي شيء دون شيء، ويمكن أن توجد له باختيار وفي جميع الأوقات وجميع الأشياء.

وبين أن السعادة ليست تنال بالأفعال الجميلة متى كانت عن الإنسان اتفاقا أو اضطرارا أو مبعّضة؛ وإنما تنال بأن يكون قد فعلها طوعا وباختياره، وفي زمان حياته بأسره وفي جميع الأشياء التي تعلق بها فعله.

وهذه الشرائط بعينها يجب أن تكون في عوارض النفس الجميلة وفي جودة التمييز حتى تنال السعادة بها وإلا فقد توجد عوارض النفس الجميلة لا باختيار ولا كلية وكذلك ربّما يحصل للإنسان اعتقاد حقّ لا بقصد ولا بصناعة ومن حيث لا يشعر الإنسان بما يميّز كيف يميّز، أو من حيث يشعر بها لكن في أشياء يسيرة وفي بعض الأزمان.

وبالتالي ما لم تكن الأفعال الجميلة صادرة عن قصد واختيار وما لم تكن عوارض النفس حاصلة كذلك، وما لم تكن جودة التمييز حاصلة بالذات وبالصناعة، ولم يكن جميع ذلك شاملا لجميع الزمان في جميع الأشياء فإن السعادة على الإطلاق لا تكون متحققة بعد.

وأما الشقاوة على الإطلاق فإنها تلحق الإنسان متى كانت أفعاله وعوارض نفسه وتمييزه بضدّ هذه التي قيلت في شرط السعادة؛ وذلك بأن يفعل الأفعال القبيحة طوعا ويختارها في كلّ ما يفعله في زمان حياته بأسره وفي جميع الأشياء، وكذلك عوارض نفسه، ويكون له رداءة التمييز في كلّ ما للإنسان تمييزه وفي كلّ حين من زمان حياته.

وينبغي أن نقول الآن في التي بها تكون الأفعال وعوارض النفس والتمييز؛ بالحال التي تنال بها السعادة لا محالة، وفي التي بها تكون هذه الثلاثة بحال لا تلحقنا بها السعادة لا محالة، ثمّ نتجنب هذه ونعنى بتلك.

إنّ كلّ إنسان هو مفطور من أوّل وجوده على قوّة بها تكون أفعاله وعوارض نفسه وتمييزه على ما ينبغي، وبتلك القوّة بعينها تكون‏ له هذه الثلاثة على غير ما ينبغي، فبهذه القوّة يفعل الأفعال الجميلة وبها بعينها يفعل الأفعال القبيحة؛ فيكون بسبب ذلك إمكان فعل القبيح من الإنسان على مثال إمكان فعل الجميل منه. وبها يمكن أن تحصل له جودة التمييز، وبها بعينها يمكن أن تحصل له رداءة التمييز. وتلك حال هذه القوى من عوارض النفس؛ فإنّ إمكان القبيح منها على مثال إمكان الجميل. ثمّ يحدث بعد ذلك للإنسان حال أخرى؛ بها تكون هذه الثلاثة على أحد أمرين فقط: أعني إمّا على جميل ما ينبغي فقط، وإمّا على قبيح ما ينبغي فقط، من غير أن يكون إمكان فعل ما ينبغي على مثال إمكان فعل ما لا ينبغي بالسواء، لكن يكون بها أحدهما أشدّ إمكانا من الآخر.

أمّا القوّة التي يفطر عليها الإنسان من أوّل وجوده، فليس إلى الإنسان اكتسابها. وأمّا الحال الأخرى التي بها يتم تعيين الجميل والقبيح فإنّها إنّما تحدث باكتساب من الإنسان لها.

وهذه الحال المكتسبة تنقسم إلى صنفين:

الأول هو الحال المكتسب الذي إما أن يتعين بسببه تحصيل جودة التمييز فقط ويسمى قوة الذهن، وإما أن يتعين بسببه تحصيل رداءة التمييز فقط ويسمّى ضعف الذهن والبلادة.

والثاني الحال المكتسب الذي إما أن يتعين بسببه كون الأفعال، وعوارض النفس؛ جميلة فقط، وإمّا أن يتعين بسببه كونها قبيحة فقط، وهذا ما يسمّى بالخلق ويكون خلقا حسنا أو خلقا قبيحا تبعا لما يصدر بسببه عن الإنسان من الأفعال القبيحة والحسنة وتبعا لما يعرض النفس بسببه من العوارض القبيحة والحسنة.

ولمّا كانت الأفعال والتمييز، التي بها تنال السعادة؛ هي بالشرائط التي قيلت؛ وكانت إحدى تلك الشرائط أن تكون هذه في كل شي‏ء ودائما؛ لزم أن يكون ما به تصدر عنه الأفعال والتمييز بهذه الشرائط، حالا شأنه أن يكون بسببه بالذات حصول الجميل والحسن فقط؛ وذلك حتى يمكن للإنسان به إدامة فعل الجميل وجودة التمييز في كلّ شي‏ء.

ولمّا كانت القوّة التي فطر الإنسان عليها قابلة لأن يصدر عنها الجميل والقبيح دون تعيين لأحدهما من ذاتها، لزم أن تكون غير كافية لتعيين أحدهما واتصفنا به وبالتالي غير كافية لإدامة فعل الجميل وجودة التمييز في كل شيء.

ولما كانت الحال المكتسبة التي تحدث لنا زيادة على تلك القوة هي التي يكون أحد الأمرين متعينا بها؛ لزم أن تكون الأفعال وعوارض النفس إنّما يمكن أن تكون منّا، بحيث ننال بها السعادة لا محالة؛ متى حصلت لنا عن خلق جميل بأن تصير ملكة فينا شأنها بذاتها أن يحدث عنها ذلك. وأن تكون لنا جودة التمييز بحيث ننال بها السعادة لا محالة متى صارت لنا قوّة الذهن ملكة فينا والملكة هي الحال الذي لا يمكن زوالها أو يعسر.

والنتيجة أن الخلق الجميل وقوّة الذهن هما جميعا الفضيلة الإنسانية، من قبيل أنّ فضيلة كلّ شي‏ء هي التي تكسبه الجودة والكمال في ذاته بالذات، وتكسب أفعاله جودة بالذات.

وهذان جميعا هما اللّذان إذا حصلا حصلت لنا الجودة والكمال في ذواتنا وأفعالنا فبهما نصير نبلاء أخيارا فاضلين، وبهما تكون سيرتنا في حياتنا سيرة فاضلة، وتصير جميع تصرفاتنا تصرفات محمودة.



займ на картукредит онлайн