التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 6 يونيو, 2015
المشاهدات: 2٬416
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات:

إن اليقين الذي ليس يعني الجزم وحالة الإصرار النفسي بمعزل عن كون ذلك الشيء الذي تعلق به اليقين أمرا مطابقا للحكم الذي جزمت به…

فلو كان هذا هو المراد من اليقين لكان كل متعصب متيقن…

ولكن المراد من اليقين الذي هو غاية المنهج العقلي البرهاني هو الحكم الناشئ عن خصوصية الشيء الذي تعلق به الحكم.

ولذلك ينقسم اليقين إلى يقين ضروري ويقين اقتضائي ويقين آني

وإنما يكون اليقين ضروريا لأن متعلقه ضروري يأبى أن يتبدل ويتغير مثل اليقين بأن 2+2=4، أو النقيضان لا يجتمعان….

وإنما يكون اليقين اقتضائيا لأن متعلقه هو أمر اقتضائي مثل اليقين بأن البذرة من شأنها أن تنمو وتصير شجرة وليس عندنا يقين ضروري بأنها إذا زرعت ستصير شجرة لأنه من الممكن أن يحصل جفاف أو أن ننسى أن نسقيها أو أن يقوم أحد باقتلاعها إلى آخره.

وإنما يكون آنيا لأن متعلقه في نفسه فاقد لأي موجب لثباته أو أكثرية وجوده مثل يقينك بانك تقرا كلامي الآن فإن هذا اليقين سيزول عندما تذهب لعمل شيء آخر….

وبالجملة اليقين هنا في أنحائه الثلاثة هو أثر لخصوصية الواقع وطبيعته وليس إملاء من الفكر على الواقع وبالتالي ليس الإدراك هنا إلا حاك أمين موضوعي للواقع كما هو وحدود الجزم تتبع حدود الواقع لا غير.

وفي قبال اليقين هناك حالات جزم تنشأ من شؤون الإنسان المدرِك والفاعل للحكم وليس بسب طبيعة الواقع المحكوم عليه، وذلك كمن يقدس شخصا ما ويصدقه ويقبل قوله بلا تردد فعندما يخبره ذلك الشخص بحدوث أمر ما فإنه تلقائيا وبلا تردد أو تفكير يصدق ويحكم حكما جازما بما حدث، وهذا الجزم ليس ناشئا عن خصوصية الواقع والحدث ولا تابعا له، بل تابع لحال الإنسان الذي حكم وجزم، وذلك لكونه بنى وأخذ على نفسه أن ما يخبر به ذلك الشخص هو حق وفي هذا الحال لا يكون الجزم يقينا بل يسمى ظنا لأن شرط اليقين أن ينشأ الجزم عن الواقع بالذات وليس مطلق الجزم كيفما كان.

وهاك مثالا آخر: فمثلا من ينشأ في بيئة معينة ويتربى على أفكار معينة ويرى كل من حوله يحكمون بأحكام ويعتقدون باعتقادات فإنه وبنحو تلقائي سلس ينشأ وهو معتقد ومتبن لتلك الأفكار لأنه يرى أن الجميع يقول بها ويرفض أي فكرة تتنافى معها لأنه يرى أن هذا خلاف المشهور والسائد وما يقول به كل الناس، وهو هنا يكون جازما بما اتفقت عليه الآراء وشاع بين الناس ولكن منشأ جزمه هو حاله الخاص وظروفه الشخصية وخصوصيته من كونه من تلك الجماعة أو من الناس وقد بنى على جعل اتفاقهم سببا للقبول والحكم، وفي هذه الحال لا يكون الجزم ناشئا عن الواقع تبعا لخصوصية الواقع بل ناشئا عن خصوصية الإنسان الذي يحكم وبالتالي لا يسمى الجزم الحاصل هنا باليقين بل بالظن لأن شرط اليقين هو أن ينشأ الجزم عن خصوصية الواقع لا عن خصوصية الشخص الممارس للإدراك.

هذا التمييز لمعنى اليقين لهو أمر بالغ الأهمية حتى يعلم الآخرون ما معنى اليقين الذي يدعو إليه العقل البرهاني ولماذا كانت الأحكام الناشئة عنه أحكاما تأبى أن تكذب لأنها ليس من صنعه وإنما حكاية عن الواقع من الواقع دون إملاء وتدخل لخصوصيات الباحث وهذا ما تضع شروطه وطرقه صناعة البرهان المنطقي المجهولة والمهجورة على مر التاريخ إلا من قلة وفوا للعقل وكانوا خلانه.


  1. حنان الموسوي - السبت, 6 يونيو 2015 في الساعة 3:12 م

    احسنتم وبارك الله بكم

  2. حمید - السبت, 6 يونيو 2015 في الساعة 5:47 م

    شكرا شكرا
    و لايستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون

  3. Brahim Belhadj Salah - السبت, 5 مارس 2016 في الساعة 12:05 ص

    بعد التحية و السلام هل تريد أن تقصد اليقين هو منطق القداسة و ليس قداسة المنطق و شكراو

  4. محمد ناصر - السبت, 5 مارس 2016 في الساعة 6:15 م

    أهلا وسهلا بكم
    إن اليقين على مراتبه هو غاية تطبيق المنطق اما غاية المنطق فهي بيان طريق كل منها