التصنیف: عقلیّات
التاریخ: 15 سبتمبر, 2019
المشاهدات: 190
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الدكتور أيمن المصري
ملاحظات:

“إذا أردت أن تكون تافها، فما عليك إلا أن تدير ظهرك للاخرين”….كارل ماركس

أشرنا في المقالة السابقة إلى أنّ الطبقة الرأسمالية المالكة لرؤوس الأموال، وبالاستعانة بالطبقة البرجوازية الفاعلة في الغرب، كما استغلت العلماء، ومراكز البحث العلمي التكنولوجي، في السيطرة على وسائل الانتاج، وفرض سلطتها على المجتمعات الغربية، فقد استغلت أيضا المفكرين الغربيين، في محاربة العقل الإنساني، وتشويه المنطق العقلي الأرسطي، المشتمل على القوانين الطبيعية للتفكير العقلي، وإقصاء الفلسفة الميتافيزيقية، الباحثة عن الحق، والصدق، والعدالة الإنسانية، وقامت بفرض المنهج الحسي التجريبي على كل المراكز العلمية الأكاديمية، من أجل الدفع إلى المزيد من التطور الصناعي، والذي يصب في النهاية في صالح تحكيم مواقعها، وتقوية سيطرتها على المجتمعات البشرية، وكل هذا في ظل غياب تام للمنهج العقلي، والرؤية الفلسفية الواقعية، الأمر الذي يسهل عليهم إلهاء الناس، وتسخيرهم بعد ذلك.

وأريد أن اشير في هذه المقالة إلى بعض هؤلاء المفكرين الذين كان لهم الدور التأسيسي في ترسيخ المنهج الحسي التجريبي في الغرب، وإقصاء المنهج العقلي البرهاني الميتافيزيقي، وكان لهم ارتباط مباشر مع النظام الرأسمالي هناك.

وأول هؤلاء هو المفكر الانجليزي”فرنسيس بيكون” الذي ترعرع في أحضان القصر الملكي البريطاني، وتقلد العديد من المناصب السياسية الهامة، ويعتبر بحق المؤسس الأول للاتجاه الحسي التجريبي في الغرب، والساخط على المنطق الأرسطي.

يقول بيكون «لأجل تكوين العقل الجديد لابد من منطق جديد يضع أصول الاستكشاف، فقد كانت الكشوف العلمية وليدة الاتفاق، وكان المعول على النظر العقلي، فلم يتقدم العلم» هو يزعم أنه قد اكتشف المنهج الحسي التجريبي، مع أنه لو كان قد قرأ فهرست كتاب المنطق لأرسطو، لوجد أن الاستقراء والتجربة الحسية من أركان هذا المنطق، وأن أرسطو قد كتب كتابا ضخما في الطبيعيات، قبل أن يكتب كتابه”مابعد الطبيعة” ثم يشكك في طبيعة العقل النظري قائلا “فليست (الأوهام العقلية) أغاليط استدلالية كالتي يذكرها أرسطو، ولكنها عيوب في تركيب العقل تجعلنا نخطأ في فهم الحقيقة” ثم يؤكد في النهاية على حصر المعرفة البشرية في الموضوعات الطبيعية المحسوسة«ولا سبيل إلى اكتشاف صور الأشياء سوى التجربة، أي التوجه إلى الطبيعة نفسها” والفيلسوف الثاني هو “جون لوك” الذي كانت تربطه علاقات حميمة مع اللورد آشلي، الذي كان يمثل الأب الروحي للمؤسسات الرأسمالية في لندن.

يقول ساخرا من المنطق الأرسطي: “لو وجب اعتبار القياس الأداة الوحيدة للعقل للوصول إلى الحقيقة، للزم ألا يوجد أحد قبل أرسطو يعلم أو يستطيع أن يعلم شيئا ما بالفعل، ولكن الله لم يكن ضنينا بمواهبه على البشر، إلى حد أن يقنع بإيجاد مخلوقات ذوات قدمين، ويدع لأرسطو العناية بجعلهم مخلوقات عاقلة بالفعل” وهو يجهل أنّ ارسطو لم يخترع منطقا عقليا من عنده، وإنما اكتشف القوانين الطبيعية الفسيولوجية للعقل الإنساني، كما اكتشف الأطباء القوانين الطبيعية لسائر أعضاء جسم الإنسان ثم يتنكر للقياس العقلي البديهي لأرسطو، والذي يُعد عماد التفكير الإنساني، مدعيا “إنّ قواعد القياس ليست هي التي تعلم الاستدلال، والقياس لا يفيد في كشف الخطأ في الحجج وفي زيادة معارفنا” وأما المفكرالثالث فهو المفكر البريطاني”دافيد هيوم” تلميذ جون لوك، والصديق الحميم ل “ادم سميث” مؤسس اقتصاد السوق الليبرالي.

يقول هيوم مؤسس مذهب الشك والسفسطة في عصر التنوير، ساخرا من العقل الإنساني، والفلسفة الميتافيزيقية ” فإذا ما تأبطنا هذه المبادئ، وتقحمنا المكتبات فأي الرزايا نحن منزلوها بها؟، سنسأل إذا ما أمسكنا بأي مجلد من مجلداتها في الإلهيات، أو فيما ورائيات المدرسة مثلا، هل في ذلك أي استدلال مجرد حول الكم أو العدد؟ كلا، هل في هذا المجلد أي استدلال تجريبي حول الوقائع والوجود العيني؟ كلا، ألا ألق به إذن إلى ضرام النار، فليس يكون فيه إلا سفسطة أو وهم” أما “عمانوئيل كانط ” المفكر الألماني، والذي يعتبر دافيد هيوم ملهمه الروحي، حينما يقول “لقد أيقظني هيوم من السبات الدوغمائي”، فهو لم يألوا جهدا في التشكيك في العقل الإنساني، والفلسفة الميتافيزيقية في كتابه الكبير”نقد العقل المحض”، والذي فتح الباب على مصراعية لظهور الوضعية المنطقية، وحلقة فيينا في القرن التاسع عشر، والتي تنكرت لكل ماهو غير محسوس، واعتبرت الفلسفة الميتافيزيقية أمور لامعنى لها، وأخرجتها من حيز العلوم الأكاديمية بالكلية.

يقول كانط “إن تناقضات العقل مع نفسه، التي لامجال لإنكارها، والتي لامفر منها كذلك في الطريقة الدوغمائية (أي اليقينية)، قد عرّت منذ زمن طويل أنواع الميتافيزيقا القائمة حتى الاَن من كل تقدير” أما برتراند رسل الذي نشأ في عائلة ارستقراطية ليبرالية، وتصدى بشدة للأفكار الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي، فقد هاجم الفلسفة، وحط من قيمتها العلمية والواقعية، واعتبرها مجرد مغامرة غير واقعية، ومهد لظهور الوضعية في اوروبا، فنجده يقول ” فالفلسفة في ذاتها لا تأخذ على عاتقها مهمة حل المشكلات التي نعاني منها، أو انقاذ أرواحنا، إنما هي نوع من المغامرة الاستكشافية، أو السياحة الفكرية التي نقوم بها لذاتها” هذا نموذج مختصر لثلة من المفكرين الغربيين الذين استغلهم النظام الرأسمالي في الغرب، لمحاربة العقل الإنساني، والفلسفة العقلية، والذين مازالت آثارهم تموج في اذهاننا إلى اليوم، وتفرض رؤيتها المادية على النظام التعليمي، والثقافي في الشرق والغرب.

وأنا قد أوردت هذا النموذج هنا، لكي أثبت أنّ الرأسمالية ليست كما يتوهم بعض السذج، هي مجرد نظرية اقتصادية للسوق الحر، بل هي في الحقيقة نظام فكري(PARADIGM) متكامل، يهدف إلى السيطرة على العقول قبل الأجسام، وتسخير العلم والفلسفة والثقافة، في خدمة مصالحه الشخصية والفئوية غير المشروعة.