التصنیف: عقلیّات
التاریخ: 15 سبتمبر, 2019
المشاهدات: 168
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الدكتور أيمن المصري
ملاحظات:

فضل حظ الرجل عقله، إن ذل أعزه، وإن سقط رفعه، وإن ضل أرشده، وإن تكلم سدده”… الإمام علي بن ابي طالب

تكلمنا في المقالة السابقة عن معاداة النظام الراسمالي للعقل الإنسانى الميتافيزيقي(INTELLECT)، واكتفائه بالعقل العلمي الأداتي (REASON)الذي يمكن أن يستغله في تحقيق مصالحه المادية في تسخير المنجزات العلمية الحديثة، من أجل الهيمنة على الشعوب، ونهب ثرواتها الطبيعية.

أما سر معاداته للعقل الإنساني الحقيقي، فيكمن في أنّ العقل الإنساني يعتمد في نظامه الفكري(PARADIGM)، على مبادئ مجردة عن الحس والمادة، على عكس المبادئ المادية المحسوسة التي ينطلق منها النظام الرأسمالي، وبالتالي فهو يخالفه، في المنهج، والرؤية، والسلوك.

ومن أجل بيان ذلك الأمر المغفول عنه عند أكثر مفكرينا، لاسيما المفتتنين منهم بالرأسمالية، وزخارفها الكثيرة، ينبغي أن نشير إلى تلك المبادئ التجريدية التي يعتمد عليها العقل الإنساني في منهجه، ورؤيته، ومبادئه الأخلاقية والاجتماعية، والتي أزعجت النظام الرأسمالي المستغل، ودعته إلى إعلان الحرب عليه على كافة الجبهات العلمية والثقافية، والاجتماعية، والتي استعان فيها بالأنظمة السياسية، وبحلفائه من المؤسسات الدينية الانتهازية المرتبطة به، كما سنشير إلى ذلك في المستقبل إن شاء الله تعالى.

بالنسبة للمنهج العقلي التجريدي، فينطلق في تفكيره من المبادئ العقلية الأولية المحضة، كأصل امتناع النقيضين ، وارتفاعهما، وأصل الهوية، وأصل السببية والسنخية، وامتناع الدور والتسلسل.، وكذلك يعتمد في منظومته الأخلاقية والاجتماعية، على مبدأ أصل العدالة، والحرية، والمساواة، والإنصاف، والاحسان، وحسن العدل وقبح الظلم..، وغيرها من المبادئ القبلية التي لاتعتمد على الحس أو التجربة، بل إنّ صلاحية الحس، والتجربة الحسية يقومان عليها.

فهو ينطلق أولا من هكذا مبادئ عقلية مجردة واضحة بذاتها عند العقل ـ كما يقول ديكارت ـ ليستنتج مها نتائج جديدة، ليجعلها بعد ذلك مقدمات براهين جديدة يستنتج منها نتائج أخرى، وهكذا يستمر في الاستدلال والانتاج بنحو مستقل عن الحس والتجربة، ليبني منظومته الفلسفية المعرفية بعد ذلك.

أما النظام الراسمالي المادي، فلايعتمد في منهجهه وتفكيره إلا على العقل الأداتي، المتعلق بالموضوعات المادية المحسوسة لاغير، كالموضوعات الرياضية، وعلى التجربة الحسية، ليستكشف بها اسرار الطبيعة المادية لاغير، ولكن ياليته اكتفى بتسخير الطبيعة لصالح الإنسان، كما حصل في مجالات كثيرة في الطب والهندسة، والكثير من الصناعات التقنية، ولكنه أخذ يستغلها لمصالحه الشخصية والفئويةـ في تضليل الشعوب، واستغلال ثرواتها، وفي إشعال الحروب العالمية المدمرة، التي أكلت الأخضرواليابس.

وقد بدأ هذا النظام الرأسمالي ومع مطلع القرن السابع عشر في الغرب، في محاربة العقل الإنساني، والمنطق العقلي الأرسطي، والتشكيك في صلاحيته العلمية، والتأسيس للمنطق المادي الجديد، وذلك عن طريق العديد من الفلاسفة الغربيين الذن تماهوا مع فلسفته المادية، والذين كان الكثيرمنهم يرتبط بهم سياسيا، وايديولوجيا.

ولنا أن نشيرفي الحلقة القادمة لبعض فلاسفة الرأسمالية، كبيكون، ولوك، وهيوم، وكانط، وحلقة فيينا الوضعية، ليتبين لنا مدى الأثر السلبي الذي أحدثوه في الغرب، بإقصائهم للعقل الإنساني التجريدي، واستبداله بالمنطق الحسي التجريبي، والذي يسمونه ـ وكما يحلو لهم ـ بمنهج البحث العلمي.

وقد انعكس هذا التفكير الحسي السطحي المادي، على المفكرين والمثقفين العرب، والشرقيين، الذين تتلمذوا على أيديهم في الجامعات الغربية، من خلال البعثات التعليمية المكثفة، وذلك مع مطلع القرن التاسع عشر، وخروج العرب والمسلمين من ظلمات القرون الوسطى الإسلامية، التي استمرت أكثرمن خمسة قرون، في ظل الخلافة العثمانية المتخلفة، والتي حاربت العقل والعلم، ورسخت للتعصب والخرافة، فعاد هؤلاء المثقفون، ليبشروا، بهذا المنهج الجديد في بلدانهم، عن طريق المراكز الجامعية والمراكز الأكاديمية ، والمنابر الإعلامية المختلفة، مستغلين في ذلك الفن والدراما، وشتى الأساليب الأخرى.

والذي زاد من الطينة بلة، هو اقتران هذا الهجوم الثقافي، بالهجوم العسكري الاستعماري، الذي احتل معظم الأراضي العربية، ليفرض على شعوبها نمط التفكير المادي الرأسمالي، وثقافة الاستهلاك، والتبذير، والطبقية، وغيرها من المظالم والمفاسد الاجتماعية، وقام في النهاية بتأصيل سياسة التبعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.