التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 17 أكتوبر, 2015
المشاهدات: 1٬968
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الشیخ محمد العلي
ملاحظات:

قال ابن رشد في حق النظر ورد منكريه

((وليس يلزم من أنه إن غوى غاو بالنظر فيها، وزلّ زالّ………. أن نمنعها عن الذي هو أهل للنظر فيها))

ما تعودت عليه سيرة العقلاء، ودأب العلماء، هو النظر للشيء من طبعه وطبيعته، وما يترتب عيه من أثر بحسب حقيقته، ولا ينبغي النظر إلى الأشياء مع ما يلحقها من غرائب الصفات، وشذاذ التبعات، فمن أراد الحكم على الماء عليه ان يحكم عليه من حيث طبعه ومقدار ملائمته للمستفيد منه، ولا يكون حكمه عليه بما هو مخلوط بما يشوبه ويعكر عليه صفو نفعه، فسيكون حكما بغير محله، كما مثل صاحب القول بذلك.

فكذلك النظر العقلي والاستدلال للتوصل إلى حقائق الأشياء، لا ينبغي ذمها والتذمر منها بعد ملاحظة ما أوقعه غير أهلها من منتحليها والمتزينين بلباسها، بل ينبغي النظر إلى طبيعتها وحقيقتها وجوهر ذاتها ومساحة دائرة أعمالها، فلا مذمة لها، إن حاد بها الغير واستعملها في غير محلها لأسباب طرأت عليه وجعلته على غير جادة طريقها، كأن يكون “من قبل نقص فطرته، وإما من قبل سوء ترتيب نظره فيها، أو من قبل غلبة شهواته عليه، أو أنه لم يجد معلماً يرشده إلى فهم ما فيها، أو من قبل اجتماع هذه الأسباب فيه، أو أكثر من واحد”[1]، ومثل من فعل ذلك كمثل “من منع العطشان شرب الماء البارد العذب حتى مات من العطش، لأن قوماً غرقوا به فماتوا. فإن الموت عن الماء بالغرق أمر عارض، وعن العطش أمر ذاتي وضروري[2]

نعم قبل تعلم النظر وكيفية الاستدلال به ينبغي أن يحوز طالبها على شرائط عدة تمكنه من تمهيد أرض فطرته لاستيعابها ووضعها في محلها كي يكون كما ذكر ابن رشد من “أهل النظر فيها”، فمن الطبيعي أنّ كلّ إنسان لا يمكنه الوصول لغايته ولا يوفّق لنيلها ما لَمْ يعد نفسه إعداداً مسانخاً لها، فطالب المال بغية الوصول إليه يلزمه تهيئة نفسه وسلوكه بما يتناسب وتحصيل المال، فيعدّ المقدّمات من تهيئة رأس المال، والشروع في دراسة مفصلة لأوضاع الأسواق، ومجالسة التجار وغيرها مما له دخالة في تنميته المالية.

وكذا متعلم الحكمة يلزمه تهيئة جميع الأسباب الموصلة لغايته، سالكاً مسلكاً مناسباً لما يطلبه، من حضور مجالس العلم والعلماء ومساءلتهم، وطَرْقِ جميع أبواب المسائل عندهم؛ كي لا تبقى خافيةً تخفى على طالبها، ولا عقدةً لم تحل بأنامل السؤال شراكها؛ فإنّ مسائل العلوم، مغرية بظاهرها مهلكة لمن خَفيت عليه أسرارها، فكمْ من رجالات الدّهر رأينا تلقلقت ألسنتهم بظاهر مسائل العلوم، وخفيت عليهم محاسن أسرار تلك الفنون فضلّوا وأضلّوا، وهلكوا وأهلكوا؛ إذ ساروا من غير بصيرة، على الطريق، وما زادهم سيرهم إلاّ بعدا. فسلوك كلّ طالب لغاية ينبغي أنْ يكون منسجماً ومتناسباً مع غايته. ومن هنا قال الحكماء: الغاية تُعيّن نحو السلوك.

ونحن ههنا ذاكرون أهم ما ينبغي حيازته وتوفره.

لما كانت غايةُ الحكمة والنظر منتهى غاية الوجود؛ إذ بها يتمثل الإنسان بعالَم الفيض والعقول، كان حريٌ بطالبها أنْ يتصف بأعلى صفات الكمال للنفس والسلوك، من صفات مرتبطة بالقوة النظرية الإدراكية وصفات مرتبطة بالقوى العملية السلوكية. أمّا الأولى فما كانت بمثابة المقتضي لدراسة الحكمة تمكّن طالبها قابلية التعامل مع المطالب الحكمية الممتازة بالدّقة والعمق والتعقيد.

فما لم يتمتع المتعلم بجودة الذهن وقوة الحَدْس لا يمكنه سبر غور تلك المطالب العالية، والوصول إلى دقائقها النفيسة.

وما نعنيه من جودة الذهن قوةْ التصوّر وسرعة الفهم، ومن قوة الحَدْس قوة التصديق بمعنى سرعة الوصول إلى إثبات المطالب العقلية، بـسرعة تَمثّل الحدّ الأوسط في الذهن.

ولذا خاطب الشيخ في مقدّمة الإشارات طالب الحكمة بقوله:

((أيّها الحريص على تحقيق الحق إني مهدٍ إليك في هذه الإشارات والتنبيهات أصولاً وجملاً من الحكمة إنْ أخذت الفطانة (الذّكاء) بيدك سهل عليك تفريعها وتفصيلها))[3].

وعن الحكيم سقراط أنّه قال: ((لا يَعْلَم العِلم الإلهي إلاّ كلّ ذكيّ صبور؛ لأنّه لا تجتمع الصفتان إلاّ على الندرة؛ إذْ الذّكاء يكون من ميل مزاج الدماغ إلى الحرارة، والصبر يكون من ميله إلى البرودة. وقلّما يتفق الإعتدال الّذي يستويان فيه ويقوّمان به))[4].

ومنه قال الحكيم الكندي في مقدمة رسائله ” يحتاج طالب العلم إلى ستة أشياء، حتى يكون فيلسوفا، فإن نقصت لم تتم: ذهن بارع، وعشق لازم، وصبر جميل، وورع خال، وفاتح مفهم، ومدة طويلة”

[1] – فصل المقال، 29، تحت عنوان شروط النظر.

[2] – المصدر السابق.

[3]– لإشارات والتنبيهات مع شرح المحقق الطوسي، ج1، ص5.

[4]-الصراط المستقيم: ص 10.