التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 16 سبتمبر, 2014
المشاهدات: 2٬432
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الدكتور أيمن المصري
ملاحظات:

إنَّ السلوك الصوفي العملي هو في الحقيقة: حركة لجوهر النفس ـ المسمَّى عندهم القلب ـ بعقلها العملي في الكيفيات النفسانية، التي هي العلائق النفسية للسالك تجاه ما يحيط به من الأشياء، بيان ذلك:

إنَّ الحركة الوجدانية لنفس السالك في التخلص من العلائق المادّية الظلمانية، تعده للتحلّي بهيئات وكيفيات نفسانية مجرّدة نورانية تجعله أشد انفعالاً عن الصور والمفاهيم المعنوية، وأكثر ميلاً وحبّاً لها من غيره، الفاقد لهذه الهيئة النورانية، وهذه الهيئة الجديدة تجذب السالك بشدة إلى عالم المعنى والتجرّد وتدفعه عن عالم المادّة والطبيعة، وهذا هو نور الإيمان الذي ورد ذكره في الحديث النبوي الشريف عندما سئل النبي ’ عن معنى قوله تعالى: {فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}(1)، فقال: (إنَّ النور إذا وقع في القلب انفسح له وانشرح، قالوا: يا رسول الله، فهل لذلك علامة يعرف بها؟ قال: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت)(2).

وكلما تجرّد السالك عن الهيئات والعلائق النفسانية المادّية، تصوّر بهيئات نفسية أشد نورانية من التي قبلها؛ لأنَّ الكيف النفساني قابل للشدة والضعف، فتجذبه بنحوٍ أكبر وأشد إلى عالم الغيب والقرب الإلهي، وهكذا إلى نهاية الطريق.

فهذه الحركة الشريفة للسالك مبدؤها العلاقة القلبية بعالم الطبيعة، ومنتهاها قطع جميع العلائق القلبية عمَّا سوى الحقّ سبحانه وتعالى، وهو الوصول.

وهذا هو الذي أوهم الصوفية والعرفاء بأنَّ هذا نحو من العلم الحضوري بالغير، غافلين عن أنَّ هذا علم وجداني للنفس بانفعالاتها الشخصية تجاه الصور والمعاني الغيبية، فظنوا أنَّ هذه الآثار الوجدانية لوجود الهيئات النفسانية آثاراً عينية للأشياء الخارجية. وبما أنَّ الوجود الخارجي هو منشأ الآثار، فتوهموا أنَّ الأشياء الخارجية حاضرة عند النفس بوجوداتها العينية.

وليس الأمر كما توهموه، فالعقل والبرهان هو الحاكم في مثل هذه الموارد الملتبسة، ولا بأس بالاستشهاد ببعض الموارد الوجدانية البديهية؛ لتقريب هذا المطلب الشريف للأذهان:

الأوَّل: إنَّ الصبي الصغير عندما يشاهد المرأة الحسناء مثلاً، لا يشعر تجاهها بأيِّ شعورٍ سوى حصول صورتها لديه، وهو بلا شكّ علم حصولي بهذه المرأة، ولكن حينما يبلغ الحلم يتغيّر شعوره تماماً تجاهها، ويشعر بميل شديد إليها، ولا يعني هذا أنَّه أدركها بالعلم الحضوري ـ كما قد يتوهم ـ بل أحس وجدانياً بانفعالاته الحاصلة من تفاعل حالة الفحولة والرجولة التي حصلت له بعد البلوغ ـ وهي هيئة نفسانية ـ مع تلك الصورة الحسناء، وهذا الذي جعله ينجذب نحوها بعد مشاهدتها، حيث إنَّ الحسّ محرِّك للأحاسيس والمشاعر كما أسلفنا.

الثاني: نجد أنَّ المريض لا يشتهي الطعام الطيّب الشهي مع مشاهدته إيّاه، ولكن بعد البرء يشتهيه وينجذب إليه بشدة، ولا يعني ذلك أنَّه أصبح يشاهد الطعام بالعلم الحضوري بعد أن كان يدركه بالعلم الحصولي، بل إنَّ ارتفاع الحالة المرضية العرضية، وحصول الهيئة الصحية البدنية، غيّر انفعاله تجاه الطعام.

فالمحجوب الذي لا يلتذ بالأمور الغيبية المعنوية كالمريض الذي لا يلتذ بالطعام، كما في قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} (3)، فإذا ارتفع عنه الحجاب واستنار قلبه بنور الإيمان عادت إليه حالته الصحية، وآثر الآخرة على الدنيا.

فالحاصل: إنَّ جميع الحالات الوجدانية الحضورية للسالك، لا تتعلق بوجود الأشياء وحقائقها المغايرة له كما يتوهم هؤلاء، بل بشعوره المباشر بأحواله وانفعالاته النفسانية والعاطفية تجاه تلك الأشياء الحاصلة له بصورها ومعانيها الغيبية، وهذه هي حقيقة الإيمان الباعثة على المزيد من العبادة والعمل الصالح، فافهم ذلك واغتنم.

ـــــــــــــــــــ

 (1) الأنعام: 125.

(2) بحار الأنوار، العلَّامة المجلسي، ج70: ص122.

(3) البقرة: 10.

 

* رئيس أكاديمية الحكمة العقلية



займ на картукредит онлайн