التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 19 يوليو, 2015
المشاهدات: 2٬230
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: السید عمار يوسف
ملاحظات:

موضوع العلوم الإنسانيَّة

ممَّا مرَّ في التعريف يتضح أنَّ موضوع هذه العلوم هو سلوك الإنسان، فرحى البحث فيها تدور حوله، وتدرس أبعاده المختلفة، وقد نصَّ أربابها على ذلك فـ «موضوعها هو كلُّ ما يصدر عن الإنسان من أنواع السلوك، سواء كفردٍ بذاته أو كعضوٍ في المجتمع»([1]).

كما أُوميء إلى وحدته ـ كعنوان جامع لموضوعات كلّ واحدٍ منها وعدم تعدّده ـ عندما قيس بموضوع العلوم الرياضيَّة والطبيعيَّة إذ قيل: «فموضوعها يختلف على هذا النحو عن موضوع العلوم الرياضيَّة الذي يدور حول الكم المتصل والمنفصل، كما يختلف عن موضوع العلوم الطبيعيَّة الذي ينصب على المادّة»([2]).

ويجدر بنا هنا أن نسجّل ملاحظتين سريعتين:

الملاحظة الأولى: عدم اقتصار بعض هذه العلوم ـ بحسب متخصصيها ـ على دراسة سلوك الإنسان، وشمول أبحاثها لما هو أعمّ منه، فقيل في علم النفس مثلاً: «يسعى علم النفس بوصفه علماً إلى فهم سلوك الإنسان وغيره من الكائنات الحيَّة … والمقصود بالسلوك كلّ أوجه النشاط التي تصدر عن الكائن الحي».

ثمَّ من الطبيعي أن يعرِّف صاحب هذا النظر علم النفس بأنَّه: «العلم الذي يدرس سلوك الكائنات العضويَّة»، معتبراً هذا التعريف محلّ اتفاق أكثر علماء النفس؛ حيث «يتفق على هذا التعريف كلُّ علماء النفس إلَّا قليلاً»([3]).

وبذلك كيف يُعدّ هذا العلم من جملة علوم الإنسان وشأنه ـ كما عليه أكثر علماء النفس ـ كلّ الكائنات الحيَّة بلا استثناء؟!

الملاحظة الثانية: ـ وهي الأهم ـ عدم اهتمام بعض هذه العلوم بدراسة سلوك الإنسان من الأساس؛ فكون سلوك الإنسان هو محور أبحاثها يعني أنَّه موضوعها كما علمت، مع أنَّ موضوع كثير ممَّا عُدَّ منها لا علاقة له بسلوك الإنسان من قريبٍ أو بعيد، ابتداءً بالفلسفة التي تدور رحى البحث فيها عن الموجود بما هو موجود([4])، وهو الحقُّ في تعريفها عند مَن أسّسها وطوَّرها من الحكماء مذ أرسطو إلى يومنا هذا.

نعم، قد لا ترد هذه الملاحظة بناءً على الفهم المعاصر لها بكونها نشاطاً إنسانياً قديماً يتعلق بممارسة نظريَّة أو حتَّى عملية عرفت بشكلٍ أو آخر في مختلف المجتمعات والثقافات البشريَّة منذ أعرق العصور، فموضوعها على ذلك ليس إلَّا ممارسة الفكر الإنساني التأمّلي؛ لذا اندرجت في العلوم الإنسانيَّة، أي لكونها نشاطاً وسلوكاً ذهنيَّاً بشريَّاً تأمّليَّاً([5]).

وإذ لا مشاحَّة في الاصطلاح، فلا معنى حينئذ لرفضنا كونها بهذا المعنى علماً إنسانيَّاً، إلَّا أنَّها مع ذلك تواجه مشكلتين:

الأولى: في عدِّ الإلهيات ـ وهي الفلسفة في مصطلح الحكماء ـ جزءاً من العلوم الإنسانيَّة في خصوص جامعاتنا الإسلاميَّة.

الثانية: في أنَّ اعتبار هذا العارض ـ وهو النشاط والسلوك الذهني ـ موضوعاً لها وبتبعه مصداقاً لموضوع العلوم الإنسانيَّة، يفتح الباب أمام غير الفلسفة من غير العلوم الإنسانيَّة على مصراعيه، فيتيح للكثير ممَّا لم يُعدّ علماً إنسانياً الدخول فيها، حيث لا يعدو كون موضوعه نشاطاً ذهنياً تأمّلياً كموضوع الفلسفة بهذا المعنى.

وكذا الموسيقى التي تبحث عن الأنغام من حيث ما يعرضها من تأليف، فموضوعها عند الحكماء كما ذكر المحقّق الطوسي: «هو النغم من حيث يعرض لها التأليف، والبحث عن النغم المطلقة يكون جزءاً من العلم‏ الطبيعي، لكنه يبحث في الموسيقى من حيث يعرض لها نسبة عادية مقتضية للتأليف، وكان من حقِّ تلك النسب إذا كانت مجرَّدة أن يبحث عنها في الحساب؛ فلذلك صار هذا البحث تحت الحساب دون الطبيعي»([6]).

ومن تعريف الفارابي هذا العلم أيضاً يُعرف موضوعه: «وأمَّا علم‏ الموسيقى،‏ فإنَّه يشتمل بالجملة على أن يعرف أصناف الألحان وعلى ما منه يؤلَّف، كيف يؤلَّف، وبأيِّ أحوال يجب أن تكون حتَّى يصير فعلها أنفذ وأبلغ»([7]). والفارابي في الموسيقى لا يحتاج إلى تعريف([8]).

أمَّا تعريفها المعاصر، فهو بحسب معجم اللغة العربيَّة المعاصرة: «علم يُبحث فيه عن أصول النغم من حيث الائتلاف أو التنافر، وأحوال الأزمنة المتخلِّلة بينها؛ ليُعْلَمَ كيف يُؤلَّف اللحن»([9])، وهذا المعنى ليس بعيداً عمَّا أورده الحكماء، إلَّا أنَّ السائد في أوساط الأكاديميين الموسيقيين خلاف هذا الفهم، من كونها صوتاً منغَّماً تسمعه الأذن وترتاح له؛ بشرياً كان هذا الصوت أم صادراً من الطيور أو الطبيعة، إلى كونها مجموعة من النغمات الصوتيَّة التي تستخدم في الغناء أو العزف أو الإنشاد، إلى كونها لغةً تميَّزت عن باقي اللغات؛ بأنَّها اللغة الوحيدة التي تخاطب جميع الأجناس والشعوب بلسانٍ واحد، إلى كونها فنَّاً يجب أن يكون ممتعاً للأذن لإحداث الرضا النفسي والهدوء الوجداني. وهذه المعاني كما ترى لا تعبِّر عن علم الموسيقى بما هو علم، وإنَّما عن أمور أخرى غريبة عن ماهيَّة العلم وحقيقته، ثمَّ لا أدري أين سلوك الإنسان في الكثير من تلك المعاني التي تتبعتها.

وصولاً بعد ذلك إلى التاريخ الذي يبحث عن الحوادث الواقعة في حقب زمنيَّة معيَّنة أعمّ من كونها سلوكاً بشرياً، إذ «يدرس الأحداث التي تمّت فعلاً في الماضي»([10]). وكذا علم النفس آنف الذكر الذي لا يبحث في الواقع عن سلوك الإنسان، وإنَّما يبحث عن مناشئ السلوك وأسبابها الفيزيولوجيَّة، أي أنَّه يبحث عن تفسير فيزيولوجي للسلوك، فهو إلى العلوم الطبيعيَّة أقرب منه إلى الإنسانيَّة، حاله في ذلك حال الطب الذي يبحث عن الأسباب الفيزيولوجيَّة التي تقف وراء ما يعرض بدن الإنسان من صحَّةٍ أو مرضٍ.

وهذا الأمر واضح في كلام المتخصّصين بهذا العلم؛ إذ جاء في العديد من كتب علم النفس ما حاصله: أنَّ «السلوك جزء من الكلِّ الذي يشمل العمليات الحيويَّة، وتتضمن هذه العمليات: الأيض (عمليتا البناء والهدم في الخلايا الحية)، النمو، الذبول والضعف التدريجي، والهضم، والإخراج، الدورة الدمويَّة.

وهذه العمليات الفيزيولوجيَّة وبخاصّة تلك المرتبطة بالجهازين العصبي والغدي (الغدد الصماء) تشكّل أساس السلوك. ويعني السلوك أفعال الكائن العضوي ككلٍّ، فعندما يسعى الإنسان من أجل الحياة فإنَّ مختلف أعضاء جسمه كالقلب والرئتين والعضلات تكون متضمنة وداخلة في هذا السعي»([11]).

لا بل إنَّ تطوَّر علم النفس وتقدمَه إنَّما كان باللجوء إلى الأبحاث الفيزيولوجيَّة حيث «ظل البحث في النفس البشريَّة، والحكم على سلوكيات الأفراد يقوم على طرق ووسائل وأساليب عقيمة … مثل حساب النجوم، وعلم الكف … ولقد اهتمَّ العلماء المحدثون ببحث أنواع الأمزجة المختلفة وقاموا بدراسة مقارنة بين مختلف أنواع تلك الأمراض وبين الطابع المزاجي المميَّز للأفراد، ولكنهم لم يقصروا دراساتهم على الملاحظات الخارجيَّة وسلوكيات الأفراد، بل تعمَّقوا في بحث أجهزتهم العصبيَّة وحالات الغدد، وكلّ العوامل التي تدخل في تكوين الطابع المزاجي للفرد»([12]).

إلى غير ذلك من الشواهد التي تظهر اندكاك علم النفس ببدن الإنسان، بل بالكائن العضوي ككلٍّ.

ولا معنى بعد كلّ ذلك لتفسير السلوك بمصطلحات سيكولوجيَّة نفسيَّة دون أن تفسّر بمفاهيم فيزيولوجيَّة بدنيَّة، كما قيل عند بيان موضوعه: «هو السلوك الذي يُفسّر بمصطلحات سيكولوجيَّة أكثر منه بمفاهيم فيزيولوجيَّة»([13]).

أضف إلى ما تقدَّم، تصريح البعض بكونه من العلوم الطبيعيَّة لا الإنسانيَّة وعدم إخفائه هذا الأمر، حيث عدَّه من جملتها إذ قال: «وبما أنَّ السلوك ظاهرة طبيعيَّة، فعلم النفس الحديث [جزء] من العلوم الطبيعيَّة كالفيزيقا والكيمياء وعلم الأحياء» ([14]).

لا بل أصاب من أشكل على جعله علماً للنفس؛ إذ «لا يشغل نفسه بماهيَّة النفس أو نشأتها ومصيرها، فهذا من اختصاص الفلسفة لا من اختصاصه، فهو علم السلوك لا علم النفس … إن هي تسمية لصقت به في الماضي ولا تزال عالقة به حتَّى اليوم»([15]).

فالحقُّ أنَّ هذا العلم هو علم السلوك، وليس علم النفس في الواقع، كما أنَّه لیس من فروع علم الطب؛ لأنَّ علم الطب يبحث عن بدن الإنسان ـ المشتمل على النفس من حيث هي ماديَّة عندهم ـ من حيث الصحَّة والمرض، لا عن أحوال النفس الإنسانيَّة من حيث تأثيرها على سلوك الإنسان، التي يبحثون عنها في جملة ما أسموه بالعلوم الإنسانيَّة.

والحاصل إذاً عدم وحدة موضوع هذه العلوم بأيِّ وجهٍ، فإنَّ بعضها من العلوم الحقيقيَّة النظريَّة التي تختلف فيما بينها أيضاً؛ فمنها الإلهيات وهي الفلسفة، ومنها من الرياضيات كما هو الحقّ في الموسيقى، ومنها من الطبيعيات كما تبيَّن في مناقشة علم النفس.

فإن كانت «علوم الإنسان تحاول النفاذ إلى الأفكار والمشاعر والمعاني والمقاصد التي تقف وراء الواقع أو التعبيرات المختلفة وإدراكها كيفياً»([16])، فما معنى حصر الأفكار والمشاعر والمعاني والمقاصد التي تقف وراء الواقع أو التعبيرات المختلفة فيما خصُّوه باسم العلوم الإنسانيَّة؟!

وما معنى إخراج بقية العلوم الرياضيَّة بل والطبيعيَّة من العلوم الإنسانيَّة إذا كان مناطها كلَّ تعبيرٍ وسلوك يصدر من الإنسان، «فالسلوك هو نوع من أنواع التعبير، حتَّى ولو كان سلوكاً ظاهرياً جسمياً فهو يعبر عن رغبة أو حاجة أو مطلب أو دافع، وحتَّى لو كان السلوك عقلياً كالتفكير والتذكر والتخيّل والانفعال»([17]).

فكيف تكون الفنون البصريَّة والتعبيريَّة ـ كالموسيقى والمسرح ـ بما أنَّهما سلوك صادر من الإنسان جزءاً من علومه، ولا تكون الرياضيات والطبيعيات جزءاً من علومه؛ مع أنَّهما لا يخلوان من السلوك العقلي البتة؟!

ولعلَّك تقول: إنَّ منشأ ومناط إدراج تلك العلوم تحت مسمَّى العلوم الإنسانيَّة دون هذه هو ما مرَّ من أنَّ «صفات الإنسان الأساسيَّة أنَّه يعيش في جماعة، وهذه المعيشة تترتب عليها علاقات مختلفة، وعلم الاجتماع هو الذي يدرس هذه العلاقات، كما يهتم بدراسة الظواهر التي تنشأ عن التفاعل بين نشاط الأفراد والجماعات.

وهذه الظواهر إمَّا أن تكون لُغويَّة أو تشريعيَّة أو أخلاقيَّة أو دينيَّة أو اقتصاديَّة أو تربويَّة أو جماليَّة»([18]). وأين العلوم الرياضيَّة والطبيعيَّة من هذا المناط؟

إلَّا أنَّ هذا مناط العلوم الاجتماعيَّة، وهي جزء من علوم الإنسان في عرض العلوم اللُغويَّة والتشريعيَّة والأخلاقيَّة و ….

ثمَّ إنَّ هذا المناط موجود في الكثير من العلوم التجريبيَّة، فكثير من الظواهر التكنولوجيَّة كما اللُغويَّة والتشريعية وغيرهما إنَّما نشأت عن التفاعل بين نشاط الأفراد والجماعات، فضلاً عن الظواهر البشريَّة والعلاقات الاجتماعيَّة التي تنشأ عن التفاعل بين نشاط الأفراد والجماعات من جهةٍ، وبين هذه العلوم وما أنتجته من جهةٍ أخرى.

 

([1]) «في العلوم الإنسانيَّة والعلوم المعياريَّة» لنبيل مسيعد / ص2.

([2]) «قضايا العلوم الإنسانيَّة إشكاليَّة المنهج» إعداد يوسف زيدان / ص16.

([3]) «علم النفس أصوله ومبادئه» لكلٍّ من الدكتور أحمد محمد عبد الخالق، وعبد الفتاح محمد دويدار / ص12 ـ 13.

([4]) «إلهيات الشفاء» للشيخ الرئيس ابن سينا / ص9.

([5]) «حكمة الغرب» لبرتراند راسل / ترجمة فؤاد زكريا / ص24.

([6]) «شرح الإشارات والتنبيهات مع المحاكمات» للشيخ الرئيس / ج1 / ص303 ـ 304.

([7]) راجع «إحصاء العلوم» للفارابي / ص60. يعلّق الدكتور علي بو ملحم في نفس الصفحة: «اهتمّ الفارابي بعلم الموسيقى، ويقال إنَّه اخترع آلة موسيقيَّة كان يعزف عليها ألحانا مختلفة مؤثرة. ويروي مترجموه أنَّه دخل على سيف الدولة أمير حلب وعزف لحناً أضحك المجلس، ثمَّ عزف لحناً آخر أبكى من في المجلس، ثمَّ عزف لحناً ثالثاً فناموا جميعاً. وألَّف في هذا العلم كتاباً ضخماً اسمه كتاب الموسيقى الكبير».

فكيف لموسيقيِّ بهذا المستوى من الخبرة والإبداع أن لا يُلمُّ بالتعريف الصحيح للموسيقى؟!

([8]) يقول فارمر على ما أورد الطرابيشي في معجمه ص451: «كما أصلح الفلكيون العرب أخطاء بطليموس وغيره، كذلك حسَّنوا ما خلَّفه لهم مُعلِّموهم الإغريق من تراث موسيقي. فمقدِّمة الفارابي لكتابه الكبير في الموسيقى تضاهي في الواقع إن لم [تفق] كلَّ ما ورد من المصادر اليونانيَّة».

([9]) «معجم اللغة العربيَّة المعاصرة» للدكتور أحمد مختار عمر/ ج3 / ص2139.

([10]) «مبادئ علم الاجتماع» للدكتور أحمد رأفت عبد الجواد / ص41.

([11]) «علم النفس أصوله ومبادئه» لكل من الدكتور أحمد محمد عبد الخالق وعبد الفتاح محمد دويدار / ص14.

([12]) «أصول علم النفس العام في ضوء الإسلام» للدكتور أحمد محمد عامر/ ص78.

([13]) «علم النفس أصوله ومبادئه» لكلٍّ من الدكتور أحمد محمد عبد الخالق، وعبد الفتاح محمد دويدار / ص15.

([14]) راجع «أصول علم النفس» للدكتور أحمد عزت راجح / ص13.

([15]) راجع «أصول علم النفس» للدكتور أحمد عزت راجح / ص30.

([16]) «قضايا العلوم الإنسانيَّة إشكاليَّة المنهج» إعداد يوسف زيدان / ص16.

([17]) «أصول علم النفس العام في ضوء الإسلام» للدكتور أحمد محمد عامر/ ص20.

([18]) «مبادئ علم الاجتماع» للدكتور السيِّد محمد بدوي / ص3.