التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 7 يوليو, 2015
المشاهدات: 2٬339
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الدكتور أيمن المصري
ملاحظات:

إن الكامل الحقيقي للإنسان في كمال قوّتيه النظرية والعملية، وأن كمال القوة النظرية في صيرورتها عالماً علمياً مضاهياً للعالم العيني، ولا يتم ذلك إلا بالرياضة العقلية لأجل التخلص من الأوهام الحسية والخيالات الفاسدة العامية، ولا يكون هذا إلا بالدراسة المكثفة والصحيحة للعلوم العقلية البرهانية وفي مقدمتها المنطق والمعرفة والفلسفة الإلهية، حتى تتكون لدى الإنسان رؤية كونية صحيحة ومطابقة للواقع، وخالية من الظنون والأوهام والخرافات.

كما أن كمال القوة العملية، يكون بالسلوك العملي العرفاني لتصفية النفس الإنسانية من العلائق المادية، بل من كل ما يشغلها عن الوصول إلى الحق الأول سبحانه وتعالى. وقد أكّدنا على أن كلا الطريقين لا يغني أحدهما عن الآخر، بل يحتاج إليه.
أما العقل النظري البرهاني فيحتاج إلى السلوك العملي في تصفية النفس من التعلقات المادية، ليضمن عدم منازعتها الوهمية له في أحكامه العقلية المجردة، وحتى تؤمّن له هذه التصفية المزيد من الدقة والقدرة على اكتساب المعرفة بالحد والبرهان، وبالتالي معرفة الأشياء على ما هي عليه في الواقع.
هذا بالإضافة إلى أن السلوك العملي يرتقي بالجوهر الإنساني العاقل من مقام الاعتقاد العقلي النظري إلى مقام الإيمان القلبي العملي، مما ينعكس بدوره على الأفعال الاختيارية للإنسان، وبالتالي يؤدي به لسلوك سبيل الصالحين، فيكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات،وبذلك يتم الكمال الإنساني، ويصل الإنسان إلى أقصى كماله الممكن له في النظام الأصلح في الحكمة الإلهية.
أما السلوك العملي، فحاجته إلى العقل النظري البرهاني مما لا يخفى على عاقل، حيث يؤمن له القاعدة العقلية الاعتقادية الصحيحة التي ينطلق منها في سلوكه إلى الحق تعالى؛ لأن السلوك العملي يحقق للإنسان الإيمان بما يعتقده سواء كان اعتقاداً صحيحاً أم فاسداً .
لذلك ينبغي أن يبقى العقل مرافقاً ومراقباً للسالك في طريقه، ولا ينبغي تعطيله أو إلغاؤه كما يفعل جهلة الصوفية.
وأما المشاهدات الصورية والمعنوية الحاصلة من السلوك العملي فليس لها ميزان إلاّ العقل البرهاني وما في حكمه من الشرع الصحيح والصريح، الذي يقره العقل أيضاً، فان وافقت تلك المشاهدات العقل، فبها ونعمت، وإن خالفته فهي باطلة ولا اعتبار لها.
وإن وقعت في منطقة الفراغ العقلي الواسعة وعجز العقل البرهاني عن إثباتها أو ردها، فلا اعتبار لها أيضاً، ولكن تبقى في حيز الإمكان، ولا بأس بالاستفادة العملية منها في الترغيب والترهيب، كأحوال الآخرة؛ لأن ذلك يصب في مصلحة الإنسان على أيّ حال بحكم العقل السليم.

كتاب أصول المعرفة والمنهج العقلي الصفحة (176)