التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 21 يوليو, 2015
المشاهدات: 2٬535
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: السید عمار يوسف
ملاحظات:

مناهج العلوم الإنسانيَّة المعرفيَّة

هنا ظهرت المشكلة، ولم يستطع أرباب هذه العلوم حلَّها فضلاً عن إخفائها، فصرَّح بعضهم: «المشكلة هي المنهج … ذلك ما أعتقده وأقول به»([1])، وعَنوَن أوَّل ما أعدَّه من فصول ذلك الكتاب «البحث عن منهج للعلوم الإنسانيَّة»، ثمَّ أتى في بقية الفصول بمجموعة من المناهج التي قد تنفع في هذا الشأن.

فكان المنهج في العلوم الإنسانيَّة هو المشكلة الأساسيَّة، ولم يُخفِ أبرزُ المتخصّصين انسداد الباب المعرفي وتعقيد سبل الوصول إلى نتائج موضوعيَّة فيها؛ إذ تلخّصت مشكلة المنهج في عقدة موضعة الظاهرة الإنسانيَّة، الأمر الذي لا مناص من الوقوف عنده وبيان ما أُثير فيه، ولكن قبل أن نعرض هذه المشكلة لا بأس ببيان المنهج الأساسي المتَّبع في هذه العلوم أوَّلاً، ثمَّ بيان المراد من مصطلح الموضوعيَّة ثانياً.

أمَّا المنهج المتَّبع بشكلٍ رئيسي، فهو المنهج الاستقرائي الحسي، التجريبي بحسب تعبيرهم؛ إذ جاء ـ كما نقل بعضٌ ـ: «جون ستيوارت مل لينقل هذا المنهج الاستقرائي التجريبي ليُطبَّق على العلوم الرياضيَّة المنطقيَّة والطبيعيَّة والإنسانيَّة أيضاً»([2]).

وهو ما نسبه بعضٌ آخر إلى هيوم، إذ «تأثر هيوم بمناهج العلوم الطبيعيَّة تأثراً كبيراً، ونشأ لديه اعتقاد قوي بأنَّ النجاح الذي تحقق في مجال العلوم الطبيعيَّة سببه تنحّيه عن المناهج القديمة واعتماد المنهج التجريبي بالبحث … بحيث وجد أنَّه بالإمكان تحقيق نجاح مماثل في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانيَّة بتطبيق ذلك المنهج في دراسة موضوعاتها»([3]).

وكذا عن آخرين «یشرح هیوم کلَّ ما يردّه الفلاسفة إلى الطبيعة الخارجيَّة الخاضعة لقوانين ثابتة وإلى عمل العقل»، يشرحها على أنَّها «عن طريق تداعي الأفكار والإحساسات المتتابعة التي تؤدي كلَّ المعارف الإنسانيَّة، التي هي انطباعات متأتية عن التجربة الحسيَّة والحواس»([4])، فكلُّ المعارف الإنسانيَّة ـ بما في ذلك تلك المتعلِّقة بسلوك الإنسان ـ متأتية عن التجربة الحسيَّة، وهو ما أكّده أيضاً جون لوك «من خلال نظريَّته … أنَّ التجربة هي المصدر الوحيد للمعرفة»([5]).

وكذا نسب هاري باروز أكتن إعمال المنهج التجريبي في العلوم الإنسانيَّة لهيوم أثناء حديثه عنه إذ قال: «… الفيلسوف الذي شاء أن يطبِّق مناهج البحث التجريبي التي جاء بها نيوتن هذا عينه على دراسة الجنس البشري»([6]).

وكيف كان فالمهم أنَّ «المنهج التجريبي هو طريقة دراسة الظواهر العلميَّة في العلوم الطبيعيَّة والعلوم الإنسانيَّة»([7])، بغض النظر عن صاحب الفضل ـ كما يرى الماديون ـ في نقله إلى العلوم الإنسانيَّة وإعماله فيها.

ينقل الدكتور علي سامي النشار في سياق الحديث عن كتاب “الأورجانون الجديد” لفرنسيس بيكون أنَّ هذا الكتاب كان «نقطة التحوّل في تاريخ أوروبا العلمي، وسيطر المنهج الاستقرائي سيطرة كاملة على مناهج العلماء، وبخاصّة في العلوم الطبيعيَّة والكيميائيَّة، ثمَّ طُبِّق ـ مع تعديلات خاصّة ـ في العلوم الإنسانيَّة»([8]).

هذا عن المنهج، وأمَّا مصطلح الموضوعي، فكما عن “المعجم الفلسفي” هو: «كلُّ مذهبٍ يقرّر أنَّ الذهن يستطيع أن يصل إلى إدراك حقيقة واقعيَّة، قائمة بذاتها، مستقلة عن النفس المدركة»([9]). وأمَّا الموضوعيَّة، فهي: «وصف لما هو موضوعي، وهي بوجهٍ خاص مسلك الذهن الذي يرى الأشياء على ما هي عليه فلا يشوِّهها بنظرةٍ ضيِّقة أو بتحيِّزٍ خاص» ([10]).

فالمراد منها إذاً استطاعة البشر على أن يُقدِّموا الحقائق الواقعيَّة كما هي دون التأثر بأهوائهم وميولهم ومصالحهم، فلا يصيبها شيء يمكن أن يؤدي إلى مغايرة الواقع نتيجة نظرة ضيِّقة، أو تحيِّز آيديولوجي أو غيره.

هذا وتفترض الموضوعيَّة بأنَّ هناك منهجاً علمياً واحداً يمكن أن يوصل إلى الحقائق الموضوعيَّة؛ وذلك إذا قام العلماء والباحثون بدراسة الظواهر الطبيعيَّة المختلفة، وكذا الإنسانيَّة والاجتماعيَّة وفقاً له. وهذا المنهج يمكِّن العالم من تصوير الحقائق تصويراً دقيقاً صحيحاً، أي موضوعياً ـ بالشكل الذي تقتضيه تلك الحقائق ـ وكذا تفسيرها.

كلُّ ذلك يمكن للمنهج العلمي المفروض أن يفعله، بقطع النظر عن هويَّة العالم ومعتقداته ورؤيته الكليَّة للكون ومصالحه وأهوائه.

أمَّا مشكلة موضعة الظاهرة الإنسانيَّة، فإنَّ الأمر حينما نتحدَّث عنها يتعلَّق بأمل وطموح يتمثَّلان في محاولة جعلها موضوعاً قابلاً للدراسة الموضوعيَّة، وحيث إنَّ الموضوع في العلوم الإنسانيَّة هو الذات البشريَّة نفسها وسلوكها؛ أي أنَّ الذات الدارِسة هي الموضوع المدروس، أو على الأقل هناك تداخل بينهما، فإنَّ مسألة الموضعة الخاصّة بالظاهرة الإنسانيَّة تواجه عدّة صعوبات وعوائق، منها مثلاً إمكان عزل هذه الظاهرة عن الذات والتعامل معها كموضوع قابل للدراسة الموضوعيَّة الدقيقة. ومنها أيضاً الإجراءات والشروط الكفيلة بموضعة الظاهرة الإنسانيَّة لو أمكنت موضعتها.

وكيف كان، فإنَّ حاصل هذه المشكلة بإجمال بيان غير واحد ممَّن كتب حولها: إنَّه عند ميلاد العلوم الإنسانيَّة بعد القرون الوسطى وتطوُّرها في القرن التاسع عشر خصوصاً، واقتران هذا الميلاد بالمشروع الوضعي القاضي بالتخلص من الخطاب الفلسفي التأمّلي حول الإنسان، ودراسته دراسة موضوعيَّة عن طريق تطبيق النماذج التجريبيَّة التي أكَّدت نجاحها في العلوم الطبيعيَّة كما أوضحت النصوص السابقة، اعتُبِرت الظواهر الإنسانيَّة في هذا الصدد «أشياء»، أي وقائع خارجيَّة مستقلة عن ذات الباحث، يمكن تناولها بنزاهة وحياد وموضوعيَّة، وهذا ما بيَّنه عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم (1917م)، فعلينا ـ بحسب دوركهايم ـ أن نعتبر الظواهر الاجتماعيَّة في ذاتها ظواهر مستقلة عن الذوات الواعية التي تتمثَّلها، وعلينا أن ندرسها من الخارج بوصفها أشياء خارج الذات؛ وذلك لأنَّها تُعْطانا من الخارج باعتبارها «أشياء».

إلَّا أنَّ جان بياجيه (1980م) يعترف بأنَّ هذا الأمر ليس كما يرى دوركهايم وغيره بهذه السهولة، وأنَّ موضعة الظاهرة الإنسانيَّة مشكلة جدُّ معقّدة؛ نظراً لطبيعة العلاقة التي تربط الذات بالموضوع، فالذات التي تقوم بالتجارب على نفسها وعلى الغير تتغيَّر نتيجة لما لاحظته وما قامت بتجربته، كما تعمل على التأثير فيما تدرسه وتغيِّر من مجراه ومن طبيعته.

وهذا نموذج من الإشكاليَّات لا تعرفه العلوم الطبيعيَّة، ففي هذه العلوم يستطيع العالم أن يُميِّز نفسه عن الظاهرة قيد الدراسة. أمَّا في العلوم الإنسانيَّة، فإنَّ إشكاليَّة الموضوعيَّة تظلّ قائمة لاعتبارين أساسيين هما:

الأوَّل: عدم الوضوح الكافي للحدود الفاصلة بين الذات والموضوع.

الثاني: امتلاك العالِم قبليات معرفيَّة تجعله ـ بحسب ظنه ـ قادراً على الاستغناء عن التقنيات العلميَّة.

فيرى جان بياجيه أنَّ وضعية التداخل بين الذات والموضوع في العلوم الإنسانيَّة تخلق صعوبات إضافية مقارنة بالعلوم الطبيعيَّة؛ إذ أصبح من المعتاد الفصل بين الذات والموضوع، فالعالِم لا يكون أبداً عالِماً معزولاً، بل هو ملتزم بشكلٍ ما بموقف فلسفي أو آيديولوجي.

ومن تداعيات هذين الاعتبارين على بعض المناهج المتَّبَعة عند أرباب العلوم الإنسانيَّة، استهلاك الطاقة النفسيَّة للباحث واستنفاذ مجهوده؛ وبالتالي قلة الانتباه والتركيز، فـ «الشخص ينقسم في أثنائه إلى ملاحظ (بكسر الحاء) وملاحظ (بفتح الحاء) في آنٍ واحد. وهذا من شأنه أن يغيِّر الحالة الشعوريَّة التي يريد وصفها وتحليلها. فتأمّل الإنسان نفسه أثناء فرحه أو حزنه أو غضبه من شأنه أن يخفف من شدة هذه الانفعالات؛ لأنَّه يستهلك في تأمّله هذا جزءاً من الطاقة النفسيَّة التي كانت تستهلك في هذا الفرح أو الحزن أو الغضب، كذلك الحال حين يتأمّل الفرد ما يجري في ذهنه أثناء عملية التفكير، فإنَّ المجهود الذي يستنفذه في الملاحظة يجعله أقل انتباهاً وتركيزاً. من أجل ذلك يرى بعض المفكّرين استحالة هذا المنهج؛ لأنَّ الإنسان على حدِّ قول بعضهم لا يستطيع أن يطلّ من النافذة ليرى نفسه سائراً في الطريق»([11]).

لا بل تزداد الظاهرة الإنسانيَّة تعقيداً في التداخل بين أبعادها المختلفة النفسيَّة والاجتماعيَّة والتاريخيَّة، لا التداخل بينها وبين ذات الباحث فحسب، فالتداخل بين هذه الأبعاد يصل إلى درجة يتعذَّر معها عزل بُعْدٍ عن باقي الأبعاد لدراسته بشكلٍ مستقل عن غيره. وهو ما يراه عالم الاجتماع الفرنسي المعاصر إدغار موران (1921م)، فمأساة العلوم الاجتماعيَّة تكمن عنده في استحالة عزل الموضوع المبحوث عنه بصورة تجريبيَّة، وذلك لشدة تداخله ببقية المواضيع.

([1]) «قضايا العلوم الإنسانيَّة إشكاليَّة المنهج» إعداد يوسف زيدان / ص5.

([2]) «قواعد البحث العلمي والاجتماعي» للدكتور جمال محمد أبو شنب / ص125.

([3]) «المعرفة والتجربة / دراسة في نظريَّة المعرفة عند ديفيد هيوم» للدكتورة إنصاف حمد / ص136.

([4]) «موسوعة أعلام الفلسفة العرب والأجانب» إعداد الأستاذ روني إيلي ألفا / ج2 / ص576.

([5]) نفس المصدر / ص380.

([6]) «معجم الفلاسفة» إعداد جورج طرابيشي / ص728.

([7]) «أصول البحث» للدكتور عبد الهادي الفضلي / ص55.

([8]) «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام» للدكتور علي سامي النشار / ج1 / ص37.

([9]) «المعجم الفلسفي» للدكتور جميل صليبا / ج2 / ص449.

([10]) نفس المصدر / ج2 / ص450.

([11]) «أصول علم النفس» للدكتور أحمد عزت راجح / ص35.