عقلنة العلوم (2) | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 14 يوليو, 2015
المشاهدات: 1٬759
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: السید عمار يوسف
ملاحظات:

من الضروري في صدر كلِّ علمٍ نودُّ الخوض فيه بحثاً أو نقداً رفع الإبهام التصوري عن بعض جوانبه؛ ليحصل للقارئ معرفة إجماليَّة تخوِّله تقييم شيء ممَّا وصلنا إليه في العلم من حقائق وما وجَّهناه من نقد، وإذ كان ديدن القدماء من أرباب الحكمة العقليَّة تصدير كتبهم ومؤلَّفاتهم بأهم الأمور والجوانب المحيطة أو الداخلة في العلم، وأحوجها لدى طالبه([1]) المسمَّاة عندهم بـ «الرؤوس الثمانية»([2])، فحريٌّ بنا ونحن نعقلن العلوم أن نقتفي أثرهم ونسير في هديهم.

ولا ضير في كون ما نعالجه هنا علوماً متعدّدة وليس علماً واحداً، كما لا ضير في أننا لا نبحث عن حقائق كما هي غاية الحكماء من كتبهم، وإنَّما نقوِّم الخلل الحاصل في هذه الجوانب ـ التي يشكِّل بعضها ماهيَّة العلم وحقيقته، ويحكي البعض الآخر عنها ـ الذي ينعكس قهراً على منهجها ومن ثَمَّ أبحاثها، فلا تكون الحقائق حقائق وإنَّما أباطيل.

أمَّا ما يحكي عن حقيقة العلم، فهو التعريف. وأمَّا الأمور التي تشكّل ماهيَّة العلم، فهي ثلاثة: المبدأ، والموضوع، والمسائل. سأكتفي منها بمناقشة موضوع العلوم الإنسانيَّة بعد تعريفها، وسأشير إلى مبدئها في سياق أبحاث هذه السلسلة.

تعريف العلوم الإنسانيَّة

لا يخفى أنَّ التعرّض لتعريف العلوم الإنسانيَّة ليس إلَّا مدخلًا لبيان بعض أمثلة المشكلة ومصاديقها، فغرضنا في هذه الحلقة إبراز جانب من العشوائيَّة التي يعيشها رُوَّاد هذه العلوم والوقوف عليها، مع تسجيل بعض الملاحظات التي تنفع في هذا الشأن.

فعلى ذلك ليس بالضرورة أن يكون التعريف مورداً للنقد وهو أوَّل رؤوس العلم الثمانية، مع أنَّ بعض ما مررتُ عليه من تعاريف للعلوم الإنسانيَّة لم يكن واضحاً، بل ولم يكن منسجماً مع أغلبها، كتعريف يوسف زيدان لها: «بأنَّها (تلك التي تدرك العالم على أنَّه ينطوي على معان وتتكوَّن معرفتها بتلك المعاني)، وهذا يعني أنَّ علوم الإنسان تحاول النفاذ إلى الأفكار والمشاعر والمعاني والمقاصد التي تقف وراء الواقع أو التعبيرات المختلفة وإدراكها كيفياً»([3])، فهي من جهةٍ غير معنيَّة بالإنسان مع أنَّها علوم إنسانيَّة إذ «تدرك العالم ….»، ولكنها من جهةٍ أخرى «تحاول النفاذ إلى الأفكار والمشاعر ….».

لن ندخل إذاً إلى هذه العلوم من هذا التعريف؛ لشذوذه عن أكثر تعاريفها التي كانت متطابقة فيما بينها إلى حدٍّ بعيد؛ فالبعض في منهج دراسي عرَّفها بأنَّها: «مجموع الاختصاصات التي تهتمُّ بدراسة مواقف الإنسان وأنماط سلوكه، وبذلك فهي تهتمُّ بالإنسان من حيث هو كائن ثقافي، حيث يهتمُّ علم النفس بالبعد الفردي في الإنسان، ويهتمُّ علم الاجتماع بالبعد الاجتماعي، ويهتمُّ التاريخ بالبعدين الفردي والاجتماعي معاً لدى الإنسان»([4]).

وآخر قال: «العلوم الإنسانيَّة، وهي التي تدرس الإنسان من حيث نشاطه الفكري والاجتماعي. ومن هذه الأخيرة» أي العلوم الإنسانيَّة مقابل الطبيعيَّة التي سبق له ذكرها «علم النفس الذي يدرس السلوك الفردي للإنسان، وعلم الاجتماع الذي يدرس الظواهر التي تنشأ عن وجود الإنسان في المجتمع، فمن صفات الإنسان الأساسيَّة أنَّه يعيش في جماعة، وهذه المعيشة تترتب عليها علاقات مختلفة، وعلم الاجتماع هو الذي يدرس هذه العلاقات، كما يهتمُّ بدراسة الظواهر التي تنشأ عن التفاعل بين نشاط الأفراد والجماعات، وهذه الظواهر إمَّا أن تكون لُغويَّة أو تشريعيَّة أو أخلاقيَّة أو دينيَّة أو اقتصاديَّة أو تربويَّة أو جماليَّة»([5]).

وقريب من هذه تعريف خصوص علم النفس من علوم الإنسان: «إنَّه العلم الذي يدرس سلوك الإنسان، أي ما يصدر عنه من أفعال وأقوال وحركات»، وأتبع المؤلِّف هذا بتعريفٍ له آخر بـ : «إنَّه العلم الذي يدرس أوجه نشاط الإنسان وهو يتفاعل مع بيئته ويتكيَّف لها»([6]).

إلى غير ذلك من تعاريف للعلوم الإنسانيَّة اختلفت عمَّا ذكره يوسف زيدان، واتفقت بعد التتبُّع على ما يمكن إجماله بأنَّ «العلوم الإنسانيَّة هي: مجموع العلوم التي تتناول سلوك الإنسان أو نشاطه أو حالاته أو مواقفه أو إبداعاته، إلى غير ذلك ممَّا تستبطنه باختصار مفردة السلوك، كلُّ علمٍ منها تخصَّص في دراسة بُعْدٍ من أبعاده».

وهذا التعريف وإن كان بالإمكان تسجيل بعض الملاحظات عليه، إلَّا أنَّ رجوعها إلى موضوع هذه العلوم ـ على ما سيتضح في مناقشة الموضوع ـ جعل تركها هنا أفضل من الخوض فيها.

([1]) «المنطقيات» للفارابي ص1 / تحت عنوان «ما ينبغي أن يقدَّم قبل تعلّم الفلسفة».

([2]) راجع مثلاً: «شرح الإلهيات من كتاب الشفاء» للملّا مهدي النراقي ج1 / ص295 ـ 296، وكذا راجع أيضاً: «كشَّاف اصطلاحات الفنون والعلوم» لمحمد علي التهانوي ج1 / ص14 ـ 15.

غير أنَّ الأستاذ ذكر قسمة مغايرة في بعض الرؤوس للملّا النراقي، وذلك لما في قسمته من اضطراب ونقصان، فراجع ما تبنَّيناه هنا من رؤوس كتاب «أصول المعرفة والمنهج العقلي» للشيخ الدكتور أيمن المصري ص13.

([3]) «قضايا العلوم الإنسانيَّة إشكاليَّة المنهج» إعداد يوسف زيدان / ص16.

([4]) «في العلوم الإنسانيَّة والعلوم المعياريَّة» لنبيل مسيعد / ص2.

([5]) «مبادئ علم الاجتماع» للدكتور السيد محمد بدوي / ص3.

([6]) «أصول علم النفس» للدكتور أحمد عزت راجح / ص3.

من كتاب عقلنة العلوم



займ на картукредит онлайн