عقلنة العلوم (1) | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 12 يوليو, 2015
المشاهدات: 1٬790
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: السید عمار يوسف
ملاحظات:

لن أقع في محذور سرد المعاني الاصطلاحيَّة المستعملة في مفردة العقلنة وتقصيها في سوق الفكر، الذي يصول ويجول فيه في عصرنا هذا من غرق حتَّى أذنيه في عالم الخيال، ثمَّ ليس من المناسب نقض الغرض بتشتيت ذهنية القارئ الكريم بعرض الكثير من المصطلحات التي ليس لها دخل في بحثنا، فلعلَّك بإدخال هذه المفردة أيَّ محرِّك بحثٍ في الشبكة العنكبوتيَّة تجد العديد من المعاني المختلفة التي اصطلحها فلان وفلان لها، ولأجل ذلك سأقتصر على ما ذكره الدكتور أحمد مختار عمر من أنَّها مصدر للفعل «عَقْلَنَ» حيث قال: «عَقْلَنَ يُعقلن عقلنة، فهو مُعقلِن، والمفعول مُعقلَن.عَقْلَنَ معتقداتٍ: جعلها مقبولة مطابقة للعَقْل»([1]).

ثمَّ بعد ذلك لا بُدَّ أن أبيِّن مرادي من العقل الذي أريد جعل العلوم مقبولة مطابقة له، وفي ذلك سأرجع إلى ما ذكره الأستاذ في كتابه “أصول المعرفة والمنهج العقلي”([2]) من معاني رائجة الاستعمال للعقل، ومنها أبيِّن المعنى المصطلح الذي كانت هذه المفردة مصدراً له.

فحاصل ما قال الأستاذ:

إنَّ للعقل إطلاقات متعدّدة: العقل الفلسفي، والعقل العرفي، والعقل التراثي، والعقل المعرفي.

والمراد بالعقل الفلسفي: «الجوهر المجرَّد ذاتاً وفعلاً»، المعبَّر عنه في لسان الفلاسفة بالعقل وفي لسان الشرع بالمَلَك.

أمَّا العقل العرفي، فالمراد به العقل الذي يحكم على طبق المتبنَّيات والإرتكازات العرفيَّة الخاصة بالبيئة المعاشة.

وأمَّا العقل التراثي، فالمقصود به «التراث»، الذي يعكس تقاليد قومٍ ما أو أمَّة وطريقة تفكيرهم، بل يعكس أحياناً آداباً وعادات مشتركة لشرق الدنيا أو غربها، إذ يقولون «العقل الشرقي» أو «العقل الغربي».

وأمَّا العقل المعرفي، فهو: «قوَّة النفس البشريَّة المدركة للكليَّات بذاتها، وللجزئيَّات بمعونة آلاتها»، وعملية إدراك هذه القوَّة هي التعقّل، الذي يمثِّل مرتبة من مراتب الإدراك فوق إدراك قوى النفس الأخرى الحس والخيال والوهم، وبها يتميَّز الإنسان عن سائر الحيوانات.

وبعد اتضاح هذه المصطلحات، فإنَّ ما نريده نحن من معنىً كان منه مصدر العقلنة هو آخر المعاني، أي العقل المعرفي. إلَّا أننا لا نقصد بذلك القوَّة المدركة للنفس البشريَّة دون قانون يعصمها عن الخطأ في عملية الإدراك لا غنى لها عنه، لا سيَّما ومزاحمها من القوى الأخرى موجود، وحالها في ضرورة القانون حال أيِّ قوَّةٍ وإن لم يكن غرضها الإدراك.

فعقلنة العلوم هي: إخضاع سائر العلوم لقانون هذه القوَّة ـ قانون التفكير البشري ـ من جهةٍ، وإعماله في كلِّ واحدٍ منها من جهةٍ أخرى، بأن تكون برمِّتها تحت سلطته وإشرافه، وتكون أبحاث كلِّ واحدٍ منها محكومة به.

وبعبارةٍ موجزة: عقلنة العلوم هي: حكومة العقل البرهاني الخاص، المبتني على القضايا البديهيَّة البيِّنة أو المبيَّنة بها، كما ستتضح معالمه لك أكثر في الأبحاث اللاحقة من هذه السلسلة، والذي تبيَّنت قوانينه في صناعة المنطق، واتضحت حاكميَّته على سائر مراتب أحكام العقل العام في الصناعات الخمس.

عندها ستنتفي مشكلة العشوائية العلمية والتعليمية وتزول، ولن يبقَ طالب العلم ضائعاً تائهاً أو في حيرة من أمره، هذا إن كان ملتفتاً إلى المشكلة باحثاً عن حلِّها.

([1])  «معجم اللغة العربيَّة المعاصرة» للدكتور أحمد مختار عمر / ج4 / ص1531.

([2]) «أصول المعرفة والمنهج العقلي» للدكتور أيمن المصري / ص64.

من كتاب عقلنة العلوم



займ на картукредит онлайн