التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 1 يوليو, 2015
المشاهدات: 1٬516
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات: مع بعض الاضافات

الخلق ما يكون بالطبع ومفطورا عليه الإنسان إلا أنها رغم كونها بالطبع ليست تقسر أحدا ولا تضطره إلى فعل ذلك، لكن إنما تكون هذه الفطر على أن يكون فعل ذلك الشيء الذي أعدوا نحوه بالطبع أسهل عليهم. وعلى أن الواحد إذا خلّي على هواه ولم يحركه من خارج شي‏ء إلى ضده نهض نحو ذلك الشيء الذي يقال إنه معد له، وإذا حركه نحو ضد ذلك محرك من خارج نهض أيضا إلى ضده، ولكن بعسر وشدة وصعوبة إلّا أن يسهل ذلك عليه اعتياده له.

وقد يتفق أن يكون في الذين هم مطبوعون على شي‏ء ما أن يعسر جدا تغيرهم عما فطروا عليه بل عسى ألا يمكن في كثير منهم، وذلك بأن يعرض لهم من أول مولدهم مرض وزمانَة طبيعية في أذهانهم.

وهذه الفطر كلها تحتاج مع ما طبعت عليه إلى أن تراض بالإرادة فتؤدب بالأشياء التي هي معدة نحوها إلى أن تصير من تلك الأشياء على استكمالاتها الأخيرة أو القريبة من الأخيرة.

وقد تكون فطر عظيمة فائقة في جنس ما تهمل ولا تراض ولا تؤدب بالأشياء التي هي معدة لها فيتمادى بها الزمان على ذلك فتبطل قوتها، وقد يكون منها ما يؤدب بالأشياء الخسيسة التي في ذلك الجنس فتخرج فائقة الأفعال والاستنباط في الخسائس من ذلك الجنس‏.

والناس يتفاضلون بالطبع في المراتب بحسب تفاضل مراتب أجناس الصنائع والعلوم التي أعدوا بالطبع نحوها، ثم الذين هم معدون بالطبع نحو جنس ما يتفاضلون بحسب تفاضل أجزاء ذلك الجنس. فإن الذين هم معدون لجزء من ذلك الجنس أخس دون الذين هم معدون لجزء منه أفضل. ثم الذين هم معدون بالطبع لجنس ما أو لجزء من ذلك الجنس يتفاضلون أيضا بحسب كمال الاستعداد ونقصه.

ثم أهل الطبائع المتساوية يتفاضلون بعد ذلك بتفاضلهم في تأدبهم بالأشياء التي هم نحوها معدون، والمتأدبون منهم على التساوي يتفاضلون بتفاضلهم في الاستنباط، فإن الذي له قدرة على الاستنباط في جنس ما، رئيس من ليس له قدرة على استنباط ما في ذلك الجنس، ومن له قدرة على استنباط أشياء أكثر، رئيس على من له القدرة على استنباط أشياء أقل فقط.

ثم هؤلاء يتفاضلون بتفاضل قواهم المستفادة من التأدب على جودة الإرشاد والتعليم أو رداءته، فإن الذي له قدرة على جودة الإرشاد والتعليم هو رئيس من ليس له في ذلك الجنس قوة على الاستنباط، وأيضا فإن ذوي الطبائع الذين هم أنقص من ذوي الطبائع الفائقة في جنس ما متى تأدبوا بذلك الجنس فهم أفضل ممن لم يتأدب بشيء من أهل الطبائع الفائقة، والذين تأدبوا بأفضل ما في ذلك الجنس رؤساء على الذين تأدبوا بأخسّ ما في ذلك الجنس، فمن كان فائق الطبع في جنس ما فتأدب بكل ما أعد له بالطبع فليس إنما هو رئيس على من لم يكن في ذلك الجنس فائق الطبع فقط بل وعلى من كان في ذلك الجنس فائق الطبع ولم يتأدب أو تأدب بشيء يسير مما في ذلك الجنس.‏