التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 15 فبراير, 2015
المشاهدات: 1٬707
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات:
  • الطريق الوحيد لإعادة تصحيح المسار

ومع كل هذا الاتساع لوسائل التدمير للمجتمع الإنساني والتي باتت شريحة كبرى منه ترى فيها كمالها وسعادتها ومع كل هذا التعدد في منابع الترويج والتسويق مضافا إلى القدرات التقنية الهائلة المتوفرة والانفتاح اللامحدود فإن الطريق الوحيد للعمل على إعادة تصحيح المسار وإفشال المشاريع النفعية الأنانية والتقليل من الظلم والفساد في النظم والمؤسسات هو بإيقاظ قدر الإمكان لعامة الناس من الغفلة المستبيحة لكيانهم وذلك بتعليمهم كيف يفكرون وعلى أي أساس يقبلون ويرفضون بإعادة إحياء نور العقل فيهم ليتعودوا التدبر والتفحص قبل الحكم والعمل.

ولكن كيف يكون ذلك والحال أن الجهة التي تعلم وترشد في وضعنا الراهن محصورة بين جهتين:

إما المؤسسات المدنية التعليمية من مدارس وجامعات وهذه قد حذفت من ذاكرتها كل تعليم لنهج العقل وقواعد التفكير والتمييز بين الحقيقة والسفسطة وألغي التعليم الأخلاقي إلا بنحو هامشي عرضي لأن الذين وضعوا المناهج التعليمية هم أناس ولدوا من رحم الاتجاه الحسي الذي لم يقبل من المنطق إلا قواعد صورة وهيئة التفكير ونفى بضرس قاطع أي منطق للمضمون المفكر فيه كما جاء على لسان كثيرين ساهموا في رسم معالم الفكر الحديث أمثال كانط ونيتشه وبرتراند رسل وجماعة فينا ومارتن هايدغر وسارتر وغيرهم الكثير الذي صبوا جام مكرهم على العقل وكرسوا النسبية العملية بأبشع صورها تحت اسم الفلسفة التي هي أحق باسم السفسطة والمشاغبة بلا تردد.

وإما المؤسسات الدينية السائدة فأغلبها _وليس كلها_ لم تفلح غالبا إلا في عملية التلقين والتعبئة النفسية وتكوين العصبيات المذهبية فضلا عن الانشغال بفضول القول وحلبات الجدل والمراء وتغذية الخلافات والانشطارات تاركة مجتمعاتها فريسة سهلة ولقمة سائغة بيد أنصار الهوى كما كان العديد منها وسيلة للتحكم والسيطرة على المجتمعات بأساليب سببت ضعفا في البنية الدينية وهشاشة فكرية لا تحميها إلا العصبية الجاهلية فكان تبيينها للدين بصورة مقلوبة فرغته من المضمون والجوهر وأبقت على الطقوس والمظهر مما سهل استغلال المتدينين والتحكم بهم باللعب على عامل الانتماء والعاطفة غير المرفود بالوعي العقلي.

فأي من هاتين الجهتين كان ليصحح المسار وكيف يصحح المسار من كان أن ساهم في حرفه ولما يعترف ويقر بعد بخطئه وهل يعقل التغيير مع الرضا عن الذات.

ثم إنه ليس بالمتيسر بحسب الظروف الراهنة والحاكمة على المجتمعات إنشاء جهاز مستقل للتعليم يكون له من الاتساع والشمول ما لهاتين الجهتين منه بل إن كلا من الجهتين لتحمل كثيرا من الإيجابيات التي يحتاج معها إلى رفع مكامن الخلل التي أدت إلى انحدار مؤشر الوعي والحكمة والنزاهة عند المتعلمين في كنفهما وبالتالي ليست الحاجة إلى الاستعاضة عنها بل الحاجة إلى بقائها ولكن مع الحاجة إلى تعديل وتقويم يتفادى فيه استمرار الانحدار.

والنتيجة أن الخطوة الأولى تتمثل بالسعي لإدخال التعليم المنطقي وطريقة العقل البرهاني إلى المدارس والمؤسسات المدنية والدينية فإن الأجيال السابقة واللاحقة كلها إنما تتخرج من إحدى هاتين الجهتين خصوصا الجهة المدنية التي شملت كل الجيل الصاعد من بدو نشوئه طفلا إلى حين رشده وبالتالي فإن إدخال التعليم المنطقي وطريقة العقل البرهاني إليها سيكون خطوة بالغة التأثير ولذلك ستلقى على عاتق خلان العقل أن يعدوا المناهج الدراسية المتناسبة مع جميع الأعمار فيعلم الأطفال كما الشباب قواعد التفكير البرهاني كما تعلم الجميع الرياضيات والهندسة والفيزياء والتي هي ليست تقل صعوبة عن تعلم طريقة العقل البرهاني.

ومن هنا فإن جيلا جديدا سينمو متفتح العقل قادرا على التمييز بين السفسطة والبرهان يحسن التفكير ويعلم أين يعتقد وأين يتوقف وسيكون جيلا عصيا على التجييش والتحزيب محصنا أمام عمليات الإغواء والإلهاء عالي الطموح راقي القصد والمبتغى تمهيدا إلى بلوغ الإنسانية كمالها عند أكبر قدر من أفرادها.

  • أهلية الناس وعدم محدودية قابلياتهم

ولم يعد صحيحا أن عامة الناس يجب أن يخاطبوا بأساليب مقنعة تتركز على جانب المشهورات والمقبولات أو بأن يستعمل معهم التخييل والتشبيه والتأثير على المشاعر النفسية إذ إن هذا يمكن أن يبقى ويمكن أن يكون لغة التواصل مع من هم على قدر من القصور المانع أما بالنسبة إلى الأغلبية فليس الأمر كذلك بل لا بد من أن يضم ويضاف إليه الخطاب البرهاني وفيما يلي تبيين ذلك.

ففي قديم الأزمان كان العلم خاصا بطبقة تمتلك المقومات الذهنية والنفسية وكان الرياضيون والمهندسون هم الفيزيائيون وهم كذلك الفلاسفة البرهانيون والحكماء وهم الأطباء والكيمائيون وكان عامة الناس يسيحون في واد آخر ولكن الآن الوضع مختلف فإن الرقي ليس يصيب الجوانب المادية والتقنية فقط بل كذلك يصيب القابلية البشرية خصوصا وأن وسائل التواصل قد تبدلت بما لا مجال معه للمقايسة ووسائل التعليم ومدى الانتشار يفوق ما كان سائدا بمرات لا تحصى ولذلك ما أكثر الأطباء والمتخصصين في الرياضيات والهندسة وكذا الفيزياء والكيمياء في عصرنا الحاضر وما أوسع انتشار العلوم الدقيقة والصعبة بين كثير من عامة الناس ففي كل حي طبيب ومهندس وفيزيائي وكيميائي على أقل تقدير وعدد طلاب هذه العلوم في تزايد وموضع طموح عند كثيرين ولكن الشيء الذي فقد هو الحكمة البرهانية بل مطلق منهج للعقل عاصم عن الخطأ مادة وهيئة إذ قد غاب أو غيِّب عن ساح العلم ولذلك كانت المصائب الجمة التي استفحلت في المجتمع الإنساني.

والنتيجة أن تعليم عامة الناس قواعد التفكير العقلي البرهاني وإخراجهم من حالة التلقي الخطابي في القضايا الاعتقادية والسلوكية ليمتلك الأرضية الخصبة القادرة على تقبله والترقي من خلاله ليس أمرا بعيدا عن اهتمام العامة أو صعب المنال بل العكس هو الصحيح والواقع الذي أمامنا خير شاهد على ذلك.

بل إن الاقتصار على التلقين والخطابة والشعر لم يعد يجدي مع أولئك المتنورين بالعلم والمتخصصين ولذلك تجد جماهير السياسيين وضحايا الترويج والتجييش أكثر ما يكونون من أولئك الذين تربوا على العصبية وأشربوها غرفا أو أولئك الذين اعتادوا السير مع الانفعال والهوى دون أي تدبر أما الأطباء والمهندسين والفيزيائيين وغيرهم من أصحاب الاختصاصات العلمية فإنك تجد كثيرا منهم في مواطن كثيرة ينأون بأنفسهم إلى حد ما عن الانجراف والانقياد وليس ذلك إلا لما في تلك العلوم من حظ التطبيق لنهج العقل البرهاني كما لا يخفى على أهلها وأصحابها إن كانوا على دراية بمصطلح نهج العقل البرهاني.

  • معالم طريق الخروج من المأزق

إن الطريق الوحيد للخروج من هذا المأزق البشري الذي وصل حدا غاية في الحرج هو بتغير طريقة عامة الناس في تلقي الأمور والتفكير فيها والحكم عليها بإخراجهم من الطرق الانفعالية والتلقائية والاستنسابية إلى الطرق العقلية البرهانية بإدخال تعليمها في المدارس المدنية على اختلاف مراحلها وبتحفيز المؤسسات الدينية الصادقة في ابتغاء خير الإنسانية للمنتمين إليها بالتعلم لطريقة العقل في التفكير والحكم من ثم العمل على ذلك بالوسائل المتاحة والدعم بمختلف أشكاله.

وليس الأمر يقتصر على ذلك بل يشمل وبنفس الأهمية تغيير الطرق التي تسير عليه الأسرة في عملية التوجيه والتربية لما للأسرة من عظيم الدخل والأثر في تنشئة الأجيال ولذلك فإن العمل على إعداد الآباء والأمهات وترقيتهم إلى الحد الذي يحسنون فيه عون أولادهم نحو بلوغ شخصية عاقلة متزنة لأمر في غاية الإلحاح وأمر تلعب فيه المؤسسات الدينية بالغ التأثير ويكون في معظمه ملقى على عاتقها.

قد لا تكون الفكرة التي ندعو إليها متعقلة على النحو الصحيح عند كثيرين وقد لا يكون عندهم وثوق في نجاعتها ولكن ذلك يعود إلى عدم المعرفة بحقيقة وقيمة المنهج العقلي البرهاني.

ولأجل توضيح الأمر أكثر أقول إن الانفعال وافق العقل في السعي إلى الرقي للاستفادة من عالم الطبيعة إلا أنه خالفه في ضبط الاعتقاد والسلوك الإنساني فإذا ما حكم الناس عقولهم على انفعالاتهم وقبلوا منها ما يقره العقل المتأدب بالبرهان فإن اعتقادهم وسلوكهم سينحى نحو الاستقامة وإذا توقفوا قبل الحكم ليزنوا ما هم بصدد الحكم فيه بقسطاط العقل وإذا ما تمهلوا قبل الاتباع والتحزب والتمذهب وقاموا بتقويم الرؤية النظرية والأيديولوجية للأحزاب والمذاهب وفقا لما يمليه العقل المتأدب بالبرهان فإن أحكامهم واختياراتهم ستكون خالية من كل إفراط وتفريط.

بالعقل تقيم الآراء وتحسب المذاهب وتحل العصبيات بالعقل يقر قانون السلوك وبالعقل تحكم البشرية لتمضي في اتجاه تكامل إنسانيتها.

إذا تعلم الناس كيف يعملون عقولهم بنحو برهاني ليفكروا تفكيرا صائبا وليسيطروا على انفعالاتهم فإنهم سيجعلون سوق المغرضين بوارا ولن يجد رؤوس الأحزاب والعصبيات إلا القليل ممن يشتري بضاعتهم المخربة للحياة البشرية ولن يجد تجار المخدرات من يبيعونه ولن يجد تجار الأطفال واللحم الأبيض من يدعمهم ويخفي أسرارهم ولن ولن ولن ….

بالعقل البرهاني نبدأ لتحرير الإنسان من أسر انفعاله ثم ولكي يصير حرا وإنسانا حقا يجب أن يكون تحكيم العقل البرهاني هو الشعار الذي يرفع ويربى الأطفال عليه في المدرسة والبيت والشارع وأينما حلوا.

بالعقل البرهاني يجب أن يتمتع الإنسان مهما كانت مهنته فلا سبيل إلى تصحيح المسار إلا بان يقود العقل طريقنا.

إذا استطاعت تلك الكثرة الغالبة من بين البشر والتي كانت على مر التاريخ مجرد تابع ومنفعل إذا استطاعت أن تتعلم كيف تفكر تفكيرا صائبا وعلى أي أساس تتحدد الاختيارات والاعتقادات وتتخذ المواقف وتتحدد المسالك إذا استطاعت أن تجعل العقل أساسا في حياتها اليومية فإن البشرية ستغير مسيرتها لتحاكي في رقيها الاعتقادي والسلوكي رقيها المادي فتنعم بما لم تذقه من قبل إلا ثلة قليلة مهجورة منسية.

إذا استطاع الصنف الغالب من الناس أن يكون مع العقل فحتى لو بقي أولئك الأشرار وأصروا على متابعة أهدافهم فإنهم لن يجدوا إلا الفشل لأنهم لن يجدوا من يتبعهم ومن يساعدهم.

وهذا يعني أمرا في بالغ الأهمية وهو أن تحقيق الرقي لم يعد ممكنا على يد ثلة قليلة بل لا بد أن تقوم تلك الثلة التي تعودت محض الانفعال فتتحرك لتغير المعادلة لتتعلم كيف تحفظ إنسانيتها وكمالها بان تهجر النمطية والتسرع والاتباع من منطلق المشاعر والأحاسيس لتتعلم الاختيار من منطلق التعقل والتفكر.

ولكن من أين يبدأ التغيير؟

إنه يبدأ من المدرسة بإعداد الأطفال وتعريفهم قيمة العقل الذي فيهم وهذا يتطلب إعداد مناهج مناسبة لمقدرتهم ومستوى استيعابهم وتأهيل المعلمين والمعلمات للقيام بهذه المهمة لأن المجتمعات القادمة ستتشكل من هؤلاء الصغار فإذا ما تم إعدادهم ليكونوا عقلاء في اختياراتهم فإن المجتمع سيكون سائرا نحو الرقي الإنساني.

فالأفراد الذين يكونون المجتمعات هم الذين يسمحون للظالم أن يتحكم بهم وهم اللذين يجد أصحاب المشاريع المضللة والأهواء الفاسدة فيهم مكانا لنشر أفكارهم المسمومة وهم الذين تتوجه وسائل الإعلام لخطابهم وتراعي ما يمكن رواجه فيهم وتأثرهم به فإذا ما تحصن الأفراد بالعقل فستضيع جهود هؤلاء وسيفشلون.

ولكن ربما يكون في الأمر صعوبة ما إذ كيف تعلم طفلا أن يكون عاقلا؟

إلا أن الأمر أبسط من ذلك فالأطفال يدرسون الرياضيات والهندسة من عمر مبكر فهل الرياضيات أصعب من تعلم منطق العقل؟ لا ليس كذلك بل هما تطبيق له وإنما فقط يتوقف الأمر على إعداد مناهج وأساليب في تعليم منطق العقل ليتمكنوا من استيعابه بشكل متناسب مع أعمارهم فليس الأمر بتلك الصعوبة المتخيلة.

إلا أن التعليم في المدرسة ليس يكفي فإن الأطفال يتواجدون ضمن عوائلهم ومهما علمت المدرسة فإن الأطفال سيبقون متأثرين ببيئتهم المنزلية بل إن هناك وسائل إعلام تبقى ليل نهار تغذي الأطفال بما يتنافى مع العقل والعقلانية وتزرع فيهم النزعات الحيوانية.

فما الذي ستقوم به المدرسة أمام هذه الموانع والمؤثرات؟

لأجل ذلك لا بد أن يتم صناعة إعلام متناسب مع العقل والعقلانية ليستبدله الأطفال بذلك الإعلام المفسد فتصنع أفلام الكرتون التي تغذي فيهم روح التكامل الإنساني بتنمية الأخلاق والتعقل والاختيار عن روية وتفكير وترك الاندفاع طوعا للانفعال وإذا ما انضم لذلك برامج يخاطب فيها الأهل والمربون ليتعلموا كيف يكونون عقلاء وكيف يربون أولادهم على التعقل فإن المهمة ستصير أسهل ونتائجها أوسع نطاقا.

إن أولئك الذين روجوا للفكر العشوائي والنسبية والتحلل من خلال إلباسها بعناوين ومصطلحات خادعة كالحرية الفكرية والإعلامية والسلوكية ورفض التحجر الدوجماطيقية إنما عمدوا إلى ملئ الشاشات الإعلامية بما يرسخ أفكارهم ولذا كان تأثيرهم شاسعا وعاما كما أنهم هم الذين فرضوا المناهج الدراسية التي أخرجوا منها كل ما يمت إلى العقلانية والروية بصلة إلا بعض الأمور العامة والمشهورة والتي لا سبيل إلى إنكارها.

بل ولأجل ضمان السيطرة التامة على المجتمعات جعلت النظم الدراسية في المدارس والجامعات خاضعة للنظام الذي تقره المنظمة المعنية بالمراقبة وإقرار المناهج وهي التي تمنع أن يتم إدخال أي تعليم للمنهج العقلي البرهاني ولمنطق العقل البرهاني إلا بالصورة المشوهة المبتورة التي ارتؤوها وأقروها وإذا ما حوول إدخال تغيير على التعليم والمناهج فإن ذلك كفيل بسلب الاعتبار عن تلك المدارس أو الجامعات بل تمنع وتجبر على الالتزام بالمنهج المقرر وبالتالي لن تجد تلك المدارس والجامعات إلا جعل تلك المواد على هامش الدراسة ومن المواد التكميلية مما يزهد الطلبة فيها ويسلبها الجدية.

فمن سخرية القدر أن تكون دراسة الجغرافيا والتاريخ أو الفنون أمرا لازما في المناهج ويتم التقييم الرسمي لها ولكن أن يدخل على المنهج كتاب في الأخلاق أو في المنطق العقلي البرهاني أو الحكمة النظرية فهذا ما لا يسمح به بل يعد جريمة وسنعرض فيما يعد تفصيل الأسباب التي دعت إلى هذا الإهمال وإن كنا قد عرضناها باقتضاب في المقال السابق بعنوان الفكر البشري مسيرة السقوط وسبيل النهوض والذي نشر تباعا على الصفحة.

وبالجملة من الواضح مدى بسط اليد الذي يتمتع به هؤلاء إلى الحد الذي يوهم أن التغيير مستحيل إلا أن الأمر ليس كذلك فالتغيير بأيدي الناس أنفسهم إذا ما تم توعيتهم وتم العمل على إيجاد الوسائل البديلة لإحياء العقل فيهم ليجبروا المتسلطين على تغيير سلوكهم أو ثنيهم عن السلطة.

  • ختام

والذي يتبين من هذا كله أن التغيير الثقافي والمعرفي لهو الغاية القصوى من كل تغيير سياسي وبالتالي ليس التغيير السياسي غاية في نفسه بل ما كانت لأجله السلطة والحاكمية السياسية وهو التحقيق لصلاح المجتمعات والتي صلاحها بالسلامة الفكرية والبدنية وتأمين غذائي الجسد والعقل لا الجسد فقط ولا الفكر من حيث يخدم الجسد حصرا وبالتالي فإن الناس كما قاوموا لتحقيق التغيير في النظم السياسية على مر التاريخ لأنهم لمسوا وشعروا بالفساد الذي يسلبهم صلاحهم في أجسادهم وأموالهم فكذلك يجب أن يكون لانتفاضتهم ضد السيطرة الثقافية والمعرفية المضللة بل بنحو أشد وأقوى والذي تكون التضحية في سبيله أشرف وأنبل بل لا تقاس بسواها.

إلا ان ذلك يتوقف على ان يشعر الناس بقيمة ما فقدوه وما ينقصهم وفداحة الحال الذي هم عليه فليست الراحة المادية وتأمين المسكن والمال دليل سلامة الإنسان وإنما ذلك دليل وسبيل سلامة حيوانيته التي هي جزء فيه أما عقله ومناط إنسانيته وصلاح اجتماعه وعلاقاته ومعاملاته فليس إلا بالعقل الذي إذا ما تم تحكيمه اكتسبت النفس الإنسانية روية واختيارا حقيقيا لا محض انفعال وإرادة ساذجة يصور له أنها الحرية المنشودة والحال أنها الداء الذي يجدر بكل عاقل أن يبحث ليل نهار عن دوائه.

إن ما قدمته في هذا المقال ليس إلا مقدمة ومدخل إلى الرؤية التي سيتم طرحها بتفصيل أكبر في المستقبل القريب وفي كتاب مستقل أيضا ولذا فما كان من نقاط قد يظنها البعض غامضة أو غائمة فذلك يرجع إلى البعد عن الإحاطة والدراية بماهية المنهج العقلي البرهاني وإلى بناء المقال على الاختصار.