التصنیف: الأخبار
التاریخ: 4 أكتوبر, 2017
المشاهدات: 799
الطباعة
إرسل لصدیقك
بقلم: ahmad

أجرت صحيفة “إيران الحكومية” iran-newspaper، في 18 من سبتمبر الماضي، حواراً موسعاً مع رئيس أكاديمية الحكمة العقلية الدكتور أيمن المصري تطرق فيها إلى مواضيع فكرية وثقافية مختلفة.
وشدد الدكتور المصري في الحوار على أن “جميع المشاكل الفكرية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية، ترجع الى أمر واحد وهو فقدان (الثقافة العقلية الأصيلة) في المجتمع؛ الثقافة التي تقدم التفكيرالمنطقي العقلي، على التفكيرالعلمي الحسي والديني النقلي”.
وأشار إلى الطرق والأدوات الحديثة التي تستخدمها الأكاديمية في الترويج للمنهج العقلي- البرهاني، مضيفاً إن “المؤسسة تسعى الى نشر هذا النمط من التفكير في العالم الإسلام، والشاهد على ذلك هو حضور 40 الف معجب في مواقع التواصل الاجتماعية للأكاديمة الحكمة العقلية، وأنجاز فيلم وثائقي تحت عنوان “الحقيقة الغائبةٍ”.
وتابع إنه “بالرغم من أن الدورات التعليمية المكثفة في هذا المركز تستقبل الطلاب الجامعيين والحوزويين؛ لكن اكثر مخاطبين هذا المركز العلمي هم خارج حدود إيران؛ ولهذا السبب هم اختاروا اللغة العربية من أجل التعامل والعلاقات مع الآخرين”.

وفيما يلي نص الحوار

 

 

مقدمة
في الساعة السادسة مساء أحد الأيام الصيفية، كنت في مركز ( أكاديمية الحكمة العقلية ) الكائن في شارع أبوعلي سينا، أنتظر لكي التقي مع رجل من مصر، رجل قد اختار ايران لدراساته العلمية والثقافية، جاء من بلدٍ ذي تاريخ طويل وحضارة عريقة
وفي هذه اللحظات تداعت بسرعة في خيالي أسامي شخصيات مثل عباس محمود العقاد، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ومحمد عبده… .
لقد كانت إيران ومصر من رواد الفكر والثقافة في الشرق، ولهما مشتركات ثقافیة كثيرة. ولكن من جملة الفروق الأساسية التي بينهما، هو أنّ إيران بعد ظهور الإسلام، حافظت على لغتها الفارسية وبقت دولة من بين الدول الإسلامية، لكن المصريين ـ مع عدم كونهم عربا في الأصل ـ لكنهم قبلوا اللغة العربية ، وأصبحوا جزءاً من العالم العربي والإسلامي.
کلا البلدين مرا بتجارب قومية، ثورية وعصرية في تاريخهم المعاصر، والآن وبعد العبور من بوابة الحداثة التي كان يُتصور أنّ استخدام انجازاتها التكنولوجية هو بمثابة احياء للحضارة الإسلامية الذهبية، وصلوا إلى هذا القناعة، بأنه مع دخول الحداثة في العالم الاسلامي، دخلت معها معضلات ومشاكل الغرب في بلديهما.
اليوم العالم الاسلامي الذي كانت حواضره العلمية في بلخ وبغداد، وحضارته المدنية في دمشق وبيروت، وثقافته القومية في اليمن وليببيا، تعرض الى غارات ثقافية شرسة، وتلوثت هويته بالأفكار الإفراطية، وتوقف بقاؤه ونهوضه مرة أخرى على الثقافة والتراث الغني في إيران ومصر.
ومع تلك الأوصاف والأحوال، ينبغي أن نتعجب، من أنه لماذا في هذا العصر المضطرب بقيت هاتان الأمتان القريبتان الى حد كبيرغريبتان عن بعضهما البعض؟
من هنا صار الحوار مع الدكتور أيمن المصري رئيس أكاديمية الحكمة العقلية، له أهمية مضاعفة بالنسبة لي.
أضف إلى هذا أيضا ،أنّ وضع مدينة قم قد تغير كثيرا، مع حضورعدد كبير من الطلاب الجامعيين والزوارالأجانب في أطراف الحرم أمر مشهود، وكأن اللغة العربية والإنجليزية قد أصبحتا من اللغات السائدة في هذه المدينة.
الشباب من طلاب الحوزة العلمية مع عوائلهم يشترون بطاقات الأفلام السينمائية، والقطار المعلق(مينوريل) ينفذ بقوة في النسيج المعماري التقليدي للمدينة .
المناخ الأكاديمي یتمتع بحیویة وجدية خاصة به، بحيث صارت قم شبيهة بالمدن الحديثة.
وصل الدكتور المصري في الموعد المقرر وبترحیب حار تصافحنا، وتبادلنا التحيات.
هو من جملة المفكرين القلائل الذين ساقهم حبهم الشديد للحق، والبحث عن الحقيقة أن يأخذ تخصصه في الفلسفة الإسلامية من لندن، بعد أن كان قد حصل على تخصصه في الطب من جامعة بون في المانيا .
الدكتورالمصري مازال يمارس دراساته وتحقيقاته العقلية والفلسفية منذ ثلاثة عقود، وله انتقادات جادة بالنسبة للإستخدام الانتقائي، والانتهازي، والتعامل المزدوج مع العقل، من ناحية الكثير من الاتجاهات الفكرية في الشرق والغرب.
وهو يعتقد أن جميع المشاكل الفكرية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية، ترجع الى أمر واحد وهو فقدان (الثقافة العقلية الأصيلة) في المجتمع؛ الثقافة التي تقدم التفكيرالمنطقي العقلي، على التفكيرالعلمي الحسي والديني النقلي.
في أكاديمية الحكمة العقلية التي يترأسها الدكتور أيمن، طبع أكثر من ثلاثين كتاب باللغتين العربية والفارسية .
أكاديمية الحكمة العقلية تستخدم الطرق والأدوات الحديثة للتواصل؛ من أجل تعليم وترويج المنهج العقلي- البرهاني، وتسعى الى نشر هذا النمط من التفكير في العالم الاسلامي، والشاهد على ذلك هو حضور 40 الف معجب في مواقع التواصل الاجتماعية للأكاديمة الحكمة العقلية، وأنجاز فيلم وثائقي تحت عنوان “الحقيقة الغائبةٍ”.
وبالرغم من أن الدورات التعليمية المكثفة في هذا المركز تستقبل الطلاب الجامعيين والحوزويين؛ لكن اكثر مخاطبين هذا المركز العلمي هم خارج حدود إيران؛ ولهذا السبب هم اختاروا اللغة العربية من أجل التعامل والعلاقات مع الآخرين.
تطور نشاطات اكاديمية الحكمة العقلية في السنة الماضية، بحيث وصل الى حد أن جاء الى قم صحفي من جريدة ( وال استريت جورنال) الأمريكية ليتحاور مع الدكتور أيمن المصري، وكتب تقريرا عن نشاطاته العلمية والثقافية.
الدكتور أيمن المصري بالرغم من أنه ترك مهنة الطب لكنه حاليا مدير قسم (فقه الطب) في جامعة المصطفي في قم المقدسة.
ألَّف هذا الاستاذ المصري حتى الآن ثمانية كتب باللغة العربية، وبعضها مثل (كيف نبدأ مسيرتنا)، (أصول المعرفة والمنهج العقلي) و (المشروع الحضاري في الحكومة العقلية) تم نشرها باللغة الفارسية.
ما تقرأونه هنا هو حوار (قسم الفكر في جريدة إيران) مع الدكتور أيمن المصري في موضوع (ماهية الفلسفة)، (علاقة الفلسفة ببرامج التنمية) و، (ودور الفلاسفة في المجتمع والسياسة)، بالإضافة إلى( تقييم النظام التعليمي للفلسفة في إيران).

 

الحوار

1- بالنظر الى تجاربكم العلمية في مصر واروبا وايران، اول سؤالي يرتبط بموضوع ( التنمية العلمية ) الذي صار محل اهتمام اكثر الدول خصوصا الدول الاسلامية. كيف ترون دور الفلاسفة في برمجة التنمية العلمية؟

قبل أن نتكلم عن دور الفلسفة والفلاسفة علينا اولاً أن نبين ماهي الفلسفة؟ الفلسفة هي علم يبحث عن حقيقة الأشياء وعللها الأولى في عالم الوجود.

الغاية والهدف من الفلسفة هو بناء الرؤية الكونية الصحيحة عن الانسان والمبدأ والمعاد، والذي يمثل الأصل الأصيل في مسيرة الفكر الإنساني.

والفلاسفة من أجل تحقيق هذا الهدف اعتمدوا فقط على المنهج العقلي البرهاني المبتني على البديهيات العقلية؛ لأنه كما ثبت في علم المنطق، أنّ البرهان هو الدليل الوحيد الذي يكشف لنا الحقيقة كما هي في الواقع و بنحو يقيني. ولهذا فإنه في مجال التنمية الفكرية والعلمية، لابد أن تُؤخذ جميع الموضوعات والمسائل الكلية التي ترتبط بالرؤية الكونية من علم الفلسفة لا من العلوم الأخرى.

يقول الامام الصادق (ع): “رحم الله امرأ عرف من أين جاء والى أين يذهب” وحقيقة الفلسفة تعني هذا: “المبدأ والمعاد”. اذن دور الفلسفة في التنمية الفكرية و العلمية هي تأمين هذه الرؤية الواقعية عن حقيقة العالم والإنسان والمبدأ والمعاد التي تتقدم على جميع العلوم و المعارف الأخرى.

بالإضافة الى هذا فإنّ علم نظرية المعرفة الذي يُعد الان في الغرب من المعارف الفلسفية، يبحث عن جميع المناهج المعرفية وحدودها وصلاحيتها العلمية.

علم نظرية المعرفة من العلوم المهمة الذي له تأثير مباشر في مجال التنمية العلمية؛ وذلك لأن كل علم يبحث عن موضوع خاص ولابد أن يعتمد على المنهج المعرفي الصحيح والمناسب لذلك الموضوع في تحقيق مسائل العلم، والا فسوف ينحرف العلم عن مسيره الحقيقي.

وبناء على هذا يمكن أن نقول إنّ من أهم العوامل والأسباب في انحراف وجمود مسير التنمية العلمية، بالأخص في مجال العلوم الإنسانية، هو عدم معرفة هذه المناهج المعرفية، أواستخدامها بشكل غير صحيح.

انا أعتقد في العصر الراهن ليس فقط في الدول الإسلامية، بل حتى في الدول الغربية، لم تستخدم الفلسفة والعلوم العقلية بشكل صحيح في مسير التنمية العلمية. ونتيجة هذا الأمر هو انحراف مسيرالتنمية العلمية، وانحصار العلوم في مجالات خاصة.
المنهج المستعمل في الغرب سواء كان في مجال العلوم التجريبية أو في مجال العلوم الانسانية هو “المنهج التجريبي – الاستقرائي” ؛ وهذا غير صحيح لأن موضوع العلوم التجريبية هو امر “محسوس” و”مادي” وموضوع العلوم الانسانية هو امر “غير محسوس” والاعتماد على المنهج التجريبي يناسب العلوم التجريبية بخلاف العلوم الانسانية، وبالنتيجة يؤدي الى اهمال كل ما يرتبط بمسائل ماوراء الطبيعة.

ومع الاسف فإنّ سرعة التنمية العلمية في مجال العلوم الانسانية لايمكن مقارنتها مع سرعة التطور في العلوم التجريبية، ونتيجة هذا الامر هو انتشار الأفكار المادية والإلحادية.

2- أشرتم الى موضوع “ماوراء الطبيعة”، وبناء على تخصصكم في فكر ابن سينا وأن ابن سينا من جملة الفلاسفة العقليين، أريد أن أسألكم هذا السؤال وهو لماذا الآن لا يُهتم بالفلسفة العقلية ومسائل ماوراء الطبيعة في الجوامع الاسلامية، على حين نرى أنّ الرؤية العلمية – الفلسفية الغربية التي تنكر ماوراء الطبيعة لها الاهتمام الاكثر؟

في الزمن القديم يعني من زمن أرسطو الى القرن االتاسع عشر، كانت “الفلسفة” و”الطبيعيات” و”الرياضيات” تبحث تحت عنوان واحد وهي “الحكمة النظرية”، يعني الطبيعيات والرياضيات كانت تحت اشراف الفلسفة، والفيلسوف بالاضافة الى تخصصه في الفلسفة كان متخصصا في العلوم الرياضية و الطبيعية. ولكن الأمر المؤسف الذي حصل في العالم الإسلامي، هو أنّ المتكلمين الإسلاميين فصلوا البحث الفلسفي المتعلق ب “الالهيات” عن الرياضيات والطبيعيات، وحصروا العمل الفلسفي في موضوعات عامة مثل المادة والصورة، وكانوا يدَّعون أن البحث عن الأمور الالهية ( مثل التوحيد، النفس، النبوة، الإمامة، المعاد) هي من اختصاص رجال الدين لاغير، وعندما انفصل الدين عن الفلسفة ، وتم إقصاء العقل، انتشرت في المجتمعات الإسلامية الخرافات، وتفشى الإفراط والتفريط.

أما في الغرب، فمع عصر النهضة وظهور الحداثة في أوروبا، وهيمنة المنهج الحسي التجريبي، صار البحث عن ما رواء الطبيعة والمسائل الالهية بحثا هامشيا وغير علمي، وانحصر البحث العلمي في الرياضيات والفيزياء، بعد أن فصلوهما عن الفلسفة الإلهية.

وأنتم تشاهدون الان وضع الفلسفة في الجامعات، حيث أدرجوها ضمن أقسام كلية الآداب وهذا يعني بكل بساطة، أنّ الفلسفة ليست بعلم عندهم، حتى أنّ اليونسكو عرّف الفلسفة بأنها هي ” تاريخ الفكر البشري” وليست من أقسام العلوم.
وبالنتيجة عندما انحصر العلم فقط في الإطار الحسي، فهذا أدى بنا إلى التقدم في البعد المادي والتكنولوجي والانحطاط في الأمور المعنوية والأخلاقية. وهذه هي الإزدواجية في التعامل مع العقل؛ حيث اعتمدنا االعقل التجريبي في العلوم ، وأقصينا العقل االبرهاني الميتافيزيقي.

3- كيف يمكن لنا تحقيق هذا النظام الفكري المُمَنهج؟ يعتقد البعض أن الحل الرئيسي لهذا الأمر هو أسلمة العلوم الإنسانية، هل توافقون على هذا الحل؟

أنا لا أوافق على هذا الحل، وأعتقد أنه لابد أن نُعقلن العلوم الإنسانية؛ لانه إذا استطعنا أن نعقلن العلوم الإنسانية، فسوف تصبح معبرة عن جوهر الرؤية الإسلامية الإنسانية.
وعلينا أن نتنبه الى أنّ النظام التعليمي في الجامعات مبني على التجربة الحسية والاستقراء، والنظام التعليمي في المدارس الدينية مبني على النقل؛ وكلاهما غير عقليين !
ينبغي أن تكون الصدارة والأولوية، للمباحث العقلية،والفلسفية، ثم تأتي بعدها العلوم الدينية والأكاديمية.

4- كيف ترون النظام التعليمي الفلسفي في ايران؟ برأيكم هل استطعنا أن نحقق علاقة تكاملية بين الفلسفة والعلم في النظام التعليمي في جامعاتنا؟

النظام الفلسفي الراهن في ايران مبني على (الحكمة المتعالية لملاصدرا) التي تجعل البرهان والقرآن والعرفان في عرض واحد، ولكن في الفلسفة المشائية الأصيلة لابن سينا العقل مُقدَّم على سائر الأدوات المعرفية الأخرى. وبتعبير آخر أنّ العقل هوالكاشف، والمُشرِف على الدين، لا أن نستعمل العقل كأداة لإثبات رؤيتنا العرفية الخاصة للدين، والدفاع عنه، كما فعل المتكلمون.

الفلسفة هي أم العلوم ولکنها نُسيت وأهملت . الفلسفة موضوعها عام وتعتمد على المنهج البرهاني المبتني على البديهيات العقلية. وأما العلم فيتعلق بموضوعات خاصة، ويبتني على التجربة الحسية التي تقع تحت إشراف العقل البرهاني. اذن المشروعية العلمية للفيزياء تؤخذ من الفلسفة.
لا يوجد في النظام التعليمي للمدارس أي أثر من “المنطق” أو”نظرية المعرفة” أو “الفلسفة”، وهذا الأمريُضعف من العقل الإنساني، ويقوي النزعة الحسية والمادية في الطلاب.

من جملة المسائل التي تطرح حاليا في إيران في المدارس والجامعات هي ظاهرة اللادينية، والى الآن لم تدرس هذه الظاهرة بشكل صحيح، ولذلك لم يتم تشخيص العلاج الحقيقي لها، مثلا من جملة الحلول التي تطرح في هذا المجال هو إدخال دروس ومباحث دينية (من قبيل دروس القرآن والمعارف الإسلامية) في النظام التعليمي، في حين أنّ مشكلة اللادينية هي نتيجه عدم الإهتمام بالعقل وإهماله في النظام التعليمي، ولايمكن بهذه الطرق أن نوجه الطلاب الى الأمور المعنوية. نحن لابد أن نلتفت الى أن مباحث الدين هي أمور غيبية غير محسوسة، بل معقولة، وبالتالي عندما يضعف العقل، فإنّ التوجه الى الدين والأمور المعنوية أيضا يضعف عند الإنسان.

أنا ذات يوم سألت إبني في أنّ هل عندكم دروس دينية في المدرسة؟

قال:” نعم، ولكن نحن نسميها درس النوم!… يعني هم ينامون في الدرس ؛ لأنّ العقل الإنساني نائم، في حين في درس الرياضيات والفيزياء الامر يختلف تماماً. النتيجة النهائية لهذا النظام التعليمي هو تقوية النزعة الحسية وتضعيف العقل، وبالتالي تنتهي هذه النزعة الحسية الى المادية ويصبح العلم وسيلة لتأمين المنافع المادية. انتم لو سألتم طالبا في المدرسة في أنه ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟ يقول لكم في الجواب:( أريد أن أصبح مهندسا أو طبيباً ) يعني هم يبحثون عن المال والوجاهة الإجتماعية لاغير، وهو أمر يؤسف له.

من هنا نحن في أكاديمية الحكمة العقلية قمنا بتأليف كتب في العلوم العقلية بلغة جذابه للأطفال، ومن أجل ترويج الثقافة العقلية بين الشباب، أنتجنا كتب في موضوع قواعد التفكير، والأدوات المعرفية، والرؤية الكونية والأخلاق بلغة بسيط من دون أن تكون لها صبغة دينية أو مذهبية؛ لأننا نعتقد أنّ جميع مشاكلنا الاعتقادية والسياسية والأجتماعية والأمنية هي نتيجة الابتعاد عن العقل؛ ولابد أن نؤسس تياراً عقلياً في المجتمع يحمل راية العقل ويعيد العقل الى مكانته الطبيعية. لابد أن نأتي بشئ جديد للناس، بعد أن امتلأت آذانهم من كلمات العلمانيين والوعاظ، وصار أمرا مُمِلاً عندهم.

5- برأيكم ما هي علاقة الفلاسفة بالاجتماع والسياسة، وكيف يمكن أن تكون؟

إن المباحث العملية والآيديولوجية في الاجتماع والسياسة، هي حصيلة الرؤية الفلسفية عن الحياة، والتي هي بدورها تنتج من منهج معرفي معين، ولذلك إذا كان منهجنا في بناء الرؤية الفلسفية منهجا غيرعقلي، لابد أن نتوقع مجتمعاً مادياً، أو خرافيا، منحرفا عن العقل.

اذن وظيفة الفلاسفة والحكماء هي تببين الأهداف والسياسيات الكلية لهداية المجتمع، ولكن هذا لايعني انفصال الفلاسفة عن عامة الناس، بل لابد أن يستخدم الفيلسوف الأدوات المؤثرة على الناس مثل الخطابة، والفن، والدراما و… من أجل ترسيخ المباني الفكرية والقيم الأخلاقية في المجتمع، يعني الفنان يأخذ المبادئ والقيم من الفيلسوف و من ثم يعرضها على الناس بلغته الجميلة والفنية.

ولكن مع الأسف فقد سعى أعداء الإنسانية على مر التاريخ في تشويه صورة الفلاسفة وعزلهم عن الساحة الاجتماعية والسياسية من أجل تحقيق مصالحهم غير المشروعة.

من جهة أخرى عرّف بعض الفلاسفة الإنسان بأنه ( حيوان اجتماعي ) يعني أولاً الإنسان هو موجود مختار، وثانياً هو يبحث عن كمالاته المادية والمعنوية، وثالثاً يحتاج الى أن يعيش في المجتمع من أجل تحقيق كمالاته المادية والمعنوية.

في حين البعض الآخر من الفلاسفة مثل ارسطو يعرف الإنسان بأنه (حيوان سياسي) ويعني أنه يسعى الى بناء مجتمع مدني قائم على قانون العدالة، و يريد أن يحكّم العقل في مملكة وجود الإنسان وعلى أساس (العفة) و(الشجاعة) و(التدبير) يريد أن يديرالمجتمع على يد الفيلسوف الحكيم والعادل.

6- بالنظر الى هذه الأمور التي طرحتموها، كيف تقيّمون دور الفلاسفة في السياسات والقرارات الكلية في الدول الإسلامية؟

السياسيون على مر التاريخ حاولوا أن يُخرجوا الفلاسفة من الساحة الإجتماعية لكي يضمنوا مصالحهم، ومن دون أن تكون عليهم رقابة عقلية أو منطقية، لأنهم يخافون من أن يطرح الناس اسئلة فلسفية من قبيل ماهي العدالة الجتماعية؟، أو لماذا نعيش هذا النمط الخاص من الحياة؟، وماهو الطريق الأفضل؟، ومثل هذه الأسئلة تفضحهم وتهدد مصالحهم، ولذلك يمنعون البحوث العقلية والفلسفية التي من الممكن أن ترفع المستوى العقلي، والوعي الاجتماعي والسياسي عند الناس ، وهذا مالايريدونه، بل يريدون أن ينقاد الناس لهم، وأن يسيروا وراءهم مغمضي العينين، اذن هم لايسمحون بتوعية الناس ودور الفيلسوف هو توعية الناس.

7- سماحة الدكتور ما هو السبب في رغبتكم بالفلسفة؟ و ماهو الدافع الذي جعلكم في البداية تدرسون الطب ثم بعد ذلك انتقلتم الى الفلسفة؟

انا همي الأساسي في الدرجة الأولى هو البحث عن (الحقيقة). في البداية درست الطب لشرافة موضوعه، لأن شرافة العلم تنشأ من شرافة موضوعه، و موضوع الطب هو جسم الإنسان، والذي هو أفضل موجود في عالم الطبيعة ومن جهة أخرى، المنهج المعرفي في الطب مبني على أساس علمي موضوعي متين.

ثم توجهت إلى أنّ الفلسفة تبحث عن روح الإنسان التي أشرف من جسمه، بالإضافة إلى البحث عن المبدأ الأول للوجود، وهو الباري سبحانه وتعالي، وبالتالي فهي أشرف العلوم، وأيضا المنهج المعرفي في الفلسفة هو المنهج العقلي البرهاني، والذي هو أوثق وأفضل المناهج المعرفية: لأنه يبتني على البديهيات العقلية وهو الحاكم على التجربة الحسية.

ابن سينا ايضا كان طبيبا وفي نفس الوقت كان فيلسوفا ،و سمى كتابه في الطب (القانون) وكتابه في الفلسفة (الشفا). لأنه كان يرى أنّ المرض الحقيقي، هو مرض العقل والروح ، في حين يعتقد أن الأمراض الجسمية تحتاج الى قانون علمي لاغير. وانا الآن افتخر بأني اتعامل مع جسم و روح الإنسان هو أشرف المخلوقات.

8- لماذا اخترتم ايران لتكميل مسيرتكم العلمية والفلسفية؟

الحق والإنصاف من أراد ان يبحث ويدرس العلوم العقلية الأصيلة، فلن يجدها في أي مكان في العالم غير إيران، بعد أن هيمنت ماتسمى بالفلسفة الغربية على جميع المراكز العلمية في العالم.