التصنیف: عقلیّات
التاریخ: 4 يوليو, 2017
المشاهدات: 1٬227
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: السید عمار يوسف
ملاحظات:

أولاً: الإعلام

إن الإعلام في بدوِ تأسيسه كان وسيلةً للإخبار عن الواقع والإنباء عنه، فمهمته حين وجد لا تتعدى نقل الحقيقة إلى الجمهور وإبلاغهم عن الوقائع التي تجري في مكان ما من العالم، وهو بهذا لا يؤثر على ثقافة المخاطب، وإنما يضع الواقع بين يديه، ليتخذ الموقف الذي تمليه عليه ثقافته وبيئته إزاء المجريات التي وصلته. لكنه تحوَّل وبسرعة إلى وسيلةٍ لصناعة الرأي العام وصياغته، فبدل إيصال الحقيقة إلى الجماهير بدأ الإعلام بصياغة آراءهم بما ينسجم والقوة التي تديره، لتصبح رويداً رويداً مشهورات يحكم الجمهور من خلالها على الوقائع بالطريقة التي تريدها القوة التي تقف خلفه، وينصاع إلى ما تتخذه من مواقف وتُقدِم عليه من إجراءات. ولا يخلو الماضي والحاضر عن كثيرٍ مما يشير إلى مدى تأثير هذه الأداة على الرأي العام للجماهير، فضلاً عن صرفهم عن المهم من أحداث، وسنكتفي في ذلك بنموذجين أحدهما تاريخي والآخر معاصر.

أما التاريخي فلنا فيما فعله معاوية بن أبي سفيان إعلامياً خير شاهد على قوة تأثير هذه الأداة على الجماهير، ومدى تسلّطها على صياغة مواقفهم وطريقة عيشهم، إذ أدى تشويهه للحقائق ببعض أهل الشام لأن يستغرب الصلاة فقط من خبر بحجم مقتل أمير المؤمنين علي × في محرابه، فهل كان عليٌّ يصلي ليقتل في محرابه؟، هذا ما راود بعض من في الشام عندما سمعوا بالخبر، دون أن يُعير هؤلاء أي انتباه لمقتل الإمام علي × أو اهتمام به، كيف وهو في الحد الأدنى أحد أجل صحابة النبي | لدى كافة المسلمين؟، فضلاً عن كونه ابن عمه وزوج ابنته ومن أهل بيته ^، وهل في أسلوب الحياة أهم من نحو التعاطي مع هكذا خبر يشتمل على قتل إمام الأمة الإسلامية أو الخليفة الراشدي الرابع على حد اعتقاد أتباع مدرسة الصحابة من المسلمين؟، فلم يترتب على نبأ الاستشهاد أيُّ موقف أو ردة فعل أو سؤال عن مبررات القتل والقاتل، بل سارع المتلقي لفحص دقة الخبر والتمحيص عنه بما يملك من معلومات مزيفة عن الأمير ×، ففي الخبر ما ينافي هذه المعلومات، وهذا مرحلة متقدمة على الإعتناء بحدث بهذه الأهمية، فالمقتول بالنسبة لهؤلاء لا يستحق الوقوف عند مقتله بعد أن كانت صورته مشوَّهة، وإن لم يتناف شيء من جزئيات الخبر مع ما لديهم من صورة.

وأما النموذج المعاصر فيكفينا فيه هذه الإشارة من كتاب «الإسلام الأصولي في وسائل الإعلام الغربي من وجهة نظر أمريكية» لكل من إدوارد سعيد وبرنارد لويس، فـ «في محاولة لإبراز المصادر البديلة للطاقة وإثبات تلك الصورة عند الأمريكيين قامت شركة أديسون المتحدة نيويورك، في صيف 1980 بنشر دعاية تلفزيونية مثيرة، أو عرضت لقطات حيَّة لعدد من الشخصيات الرفيعة المستوى التي يمكن التعرف إليها على الفور، من أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك، من أمثال زكي عبده اليماني والعقيد معمر القذافي وشخصيات عربية أخرى أقل شهرة ترتدي العباءات، تتداخل بينها صور ولقطات حيَّة لشخصيات حيَّة ترتبط في ذهن المشاهد بالنفط تطغى على جميع الصور الأخرى، ولقطة للخميني، ولم يذكر اسم أية شخصية من أصحاب الصور، غير أن الإعلان يخبرنا منذِراً أن هؤلاء الرجال يسيطرون على مصادر النفط بالنسبة لأمريكا، ولا يورد الصوت الوقور الجاد المرافق للصور أي ذكر لهوية هؤلاء الأشخاص أو مراكزهم أو أصولهم، مما يترك انطباعاً في نفوس المشاهدين بأن هؤلاء ما هم إلا جماعة من الأشرار، وضعوا الأمريكيين بأسرهم في قبضة متوحشين ساديين لا ضابط لهم، وكان كافياً أن يظهر أولئك الأشخاص بالصورة التي بدوا فيها في الصحف والتلفزيون، حتى يتولد في نفوس المشاهدين الأمريكيين مزيج من مشاعر الحقد والخوف والذعر» (1).

1ـ «الإسلام الأصولي في وسائل الإعلام الغربي من وجهة نظر أمريكية» لإدوارد سعيد وبرنارد لويس / ص33 ـ 34.



займ на картукредит онлайн