سلسلة وسائل وادوات التثقيف ـ الحلقة الثالثة (صناعة الرموز) | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 20 أغسطس, 2017
المشاهدات: 859
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: السید عمار يوسف
ملاحظات:

ثالثاً: صناعة الرموز

من الأدوات المهمة التي يُروَّج لأسلوب الحياة من خلالها، ولا سيما من قبل غرب هذه الدنيا هو صناعة الرموز، فلكي لا تنجو فئة من المجتمع مهما صغرت وقلَّ عددها، ولا تكون بعيدة عما يُراد الترويج له من سموم، يُصار إلى كل ما يستهويه آحاد الجمهور ويميل إليه. فربَّ شريحة لا تستذوق الدراما مثلاً، وقلما تتابع فيلماً أو مسرحية أو أي عمل درامي آخر، وأخرى لا تكترث لما يجري في بلدها من أحداث فضلاً عن هذا العالم، حتى تتابع أخبار المحطات الإعلامية وتنفعل عما تروِّج له تلك المحطات، وثالثة لا تجد جاذبية في المنبر تشدّها إليه لتأخذ منه منظومتها الفكرية، ولأجل استيعاب ما أمكن من شرائح المجتمع هذه بل وأفراده يصنع أرباب تلك الثقافة مستعينين بالإعلام رموزاً في شتى الميادين، تأخذ على عاتقها حقن مريدها بما ينسجم وخلفية صانعها من مفردات ثقافية، لا يقاومها الإنسان الذي سلب لبَّه الرمزُ الذي استهواه وتعلَّق به.

وبنظرة سريعة إلى مجتمعات أمتنا الإسلامية ستجد أمامك عدداً كبيراً من الرموز في الفن بشقيه السينمائي والغنائي، وكذا سترى في أوساط الشباب على وجه التحديد من يتتبعون أخباره من الرياضيين ويقتدون به في العديد من مظاهر حياتهم، والأغرب أنك ستجد في بعض الزوايا قادة يُسوَّقون على أنهم فلاسفة ومفكرون، وحَّدتهم عشوائية تفكيرهم وغرابة أطوارِهم وكلماتِهم أحياناً، وعذوبتُها أحياناً أخرى، مع تفرُّقهم في الصنعة التي يمتهنونها والعلم الذي أدركوه؛ من شاعر إلى أديب إلى مخرج سينمائي إلى ممثِّل إلى مطرب إلى رسَّام إلى رياضي وفيزيائي وآخر كيميائي إلى غير هؤلاء. ستسمع أسماءاً كثيرة لمن لم يعرف شيئاً عن الفلسفة تُنعتُ بالتفكير والتفلسف، هي هذه الفلسفة حقَّاً عندما يُنظر إليها كـ «نوع من المغامرة الإستكشافية أو من السياحة الفكرية» على حد تعبير راسل، سمتها الأساسية تكمن في عشوائية التفكير والتفلت من ضوابطه، على أن مثل هذا حرية تفتح باب الإبداع على مصراعيه، مع ما يُشاهد في هؤلاء (المفكرين والفلاسفة) من أطوار غريبة تتجلى في هيئاتهم وأشكالهم الشاذة عن المألوف، يتخذها البعض رموزاً حتى في مظاهرهم غير المتَّسقة، فضلاً عما يصدر عنهم من شطحات في عالم الفكر.

وكيف كان فالاستطراد في هؤلاء مع قلة المريدين لهم إذا ما قيسوا بمريدي الرموز الأخرى ليس بمهم في بحثنا هذا، ولنعرض اللباس والزيّ مثالاً واضحاً لما يتأسى به الجمهور من مظاهر حياة الرمز وأسلوبها، ولا سيما إذا قبلنا بما يراه ابن نبي من أن اللباس ليس «من العوامل المادية التي تقر التوازن الأخلاقي في المجتمع فحسب، بل إن له روحه الخاصة به. وإذا كانوا يقولون: “القميص لا يصنع القسيس”، فإني أرى العكس من ذلك، فإن القميص يُسهم في تكوين القسيس إلى حدٍ ما، لأن اللباس يضفي على صاحبه روحه؛ ومن المُشاهَد أنه عندما يلبس الشخص لباساً رياضياً، فإنه يشعر بأن روحاً رياضية تسري في جسده، ولو كان ضعيف البنية؛ وعندما يلبس لباس العجوز فإن أثر ذلك يظهر في مشيته وفي نفسه، ولو كان شابا قوياً» . فإذا ما اقترن الزيُّ بكيفية من العيش خاصة فإنها على هذا ستسري إلى كيان مرتديه، فالتأسي بزيّ الرمز وشكله ومظهره لن يغيِّر مفردة واحدة من مفردات الثقافة متمثّلة بالزيّ، بل سيحمل معه الكثير من المفردات إلى البدن الثقافي لمرتديه، كيف لا ولعل مما يشهد لذلك ما نقلناه في المقدمة عن ابن نبي أيضاً من توخي دولٍ تُصنَّف في ميدان السياسة بالعظمى ما يحمله الزيّ العسكري من مفردات فقدها زيّها هي، «فإذا ما شوهت هزيمةٌ كرامةَ زيٍّ من الأزياء العسكرية، نرى الدولة المهزومة كثيراً ما تقتبس أزياء الدولة المنتصرة.

وقد شاهدنا ذلك مثلاً في الجيش الروسي بعد عام 1917 م، كما نشاهده اليوم في الجيش الفرنسي الذي قبس من الأزياء العسكرية الأمريكية ما يعرف بزي (m . p) وصيَّره زيَّاً له معرَّفاً برمز (p . m)» ، فكيف لا ينفعل عامة الناس عن زيّ الرمز ومظهره بصورة عامة وقد انفعلت قادة دول إذ غيَّرت زيّ أهم مؤسساتها، اقتباساً منها لما يحمله الزيّ المقتبس من مفردات.

ثم لا يخفى عليك أن الرموز التي يكثر مريدوها في أوساط المجتمع ستشكل عندما يتبنى المريدون هيئة تلك الرموز وشكلهم ظاهرةً ترفع الموانع التي قد تفرضها بيئتهم أمام الآخرين، ما إن تتحول تلك الظاهرة مع مرور الزمن إلى بيئة برأسها ولو لشريحة معيَّنة، تشدُّ إليها حتى من لا يستهويه الرمز الذي اقتبست هيئته، وعلى عكس ذلك الرموز التي يقل مريدوها، فلعلك صادفت ولا سيما في شوارع المدن الكبيرة بعض النماذج الغريبة بل الشاذة التي استذوقت أشكال بعض من نُعتوا بالفكر والفلسفة.

هذا ولا ينبغي الغفلة عن أهمية هذه الأداة، فقد لا يكون للإعلام والدراما الأثر الشامل المرجو منهما ما لم يُستخدما لصناعة الرموز، وإذا ما أردنا أن نذكر مثالاً للرمز الإيجابي معاصراً يخالف تلك الأمثلة السلبية التي سقناها للتو، نجد الثائر والمقاوم اليوم رمزاً قد توغَّل في وعي العديد من شباب المجتمعات الإسلامية على وجه التحديد، ورسَّخ فيهم بعض مفرداته إلى حدٍّ ما، لنرى قبعة المقاوم الخضراء الاستثنائية توضع على الرؤوس، ونشاهد اللِّحى بدأت تأخذ مساحة أوسع في محاسن الشباب.

وهذا لا ريب أمرٌ حسن إذا ما استطاعت القبعة الخضراء واللحية أن توصلا إلى البدن الثقافي للشباب القيم الأخلاقية ـ في أقل التقادير ـ التي كان يحملها ذاك المقاوم، من الخشوع إلى التواضع إلى الإخلاص إلى التضحية إلى غيرها الكثير من الفضائل، فممن تأسى بمظهره في عصرنا هذا شريحةٌ مهمةٌ من شباب الأمة الإسلامية واتخذوه من بين المقاومين رمزاً لهم لم يحمل من الرؤى والقيم رفض الظلم والاستبداد فحسب، بل لم يكن للغرور أو التكبّر أو الرياء أو الأنانية أو غيرها من الرذائل في قاموسه معنى، ولذا فليحذر هؤلاء الشباب ومن اهتم بأمرهم من هذه الحقيقة، ولا يفوتهم أن الرموز التي اعتقدوا بها وتظاهروا بتبعيتها لم تكن لتُعرف لولا اغتيال أعداء البشرية لها، وهذا أهم مؤشر على أهم خصلة أخلاقية فيها وهي الإخلاص.

من كتاب “عقلنة الثقافة”



займ на картукредит онлайн