التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 29 يوليو, 2017
المشاهدات: 822
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: السید عمار يوسف
ملاحظات:

ثانياً: الدراما

هذه ثاني أدوات التثقيف بعد الإعلام، والمطَّلع على قوتي الخيال والتخيّل وما لهما من دور في مملكة الإنسان يدرك انشداد النفس البشرية وانفعالها أكثر بالخيال والمتخيّلة من قواها الأخرى، من ذلك شاهداً ما أورده الشيخ الرئيس في برهان شفاءه من تخييل حسن وآخر قبيح، فالحسن هو ذلك الذي يُنتج ميلاً للنفس إيجابياً نحو المتخيَّل «كما يقال: “إن هذا المطبوخ المسهِل هو في حكم الشراب”، ويجب أن تتخيَّله شراباً حتى يَسْهُل عليك شربه، فيتخيَّل ذلك فيَسْهُل عليه، وذلك مع التكذيب به» (1)، فإنما تتخيَّل الدواء المرّ شراباً حلواً حتى يَسْهُل عليك شربه، ولعلك فعلت ذلك ذات مرة مع طفلك المريض بتخييل له حلاوة الدواء ليتقبّله.

أما التخييل القبيح الذي ينعكس في النفس ميلاً سلبياً، فذلك «كمن يقول‏ للعسل: “إنه مرة مقيِّئة”، فتتقزَّز عنه النفس مع التكذيب بما قيل، كما تتقزَّز عنه مع التصديق به‏ أو قريباً منه» (2)، فلوصف العسل بأنه مثير للغثيان تشمئز النفس، ألا ترى أن استحضار الخبائث حال تناول الطعام ـ وإن لم يُشبَّه طعام المائدة بها ـ مما تمجّه طباع الناس وتنكمش نتيجته عن الطعام، لما في ذلك من نفور النفس واشمئزازها.

من هنا قيل: إن أعذب الأشعار أكذبها، أي ما كان منها مليئاً بالاستعارات والكنايات وغيرها من المخيّلات، فيعلم السامع ويقطع بكذب ما يُلقى عليه من شعر، إلا أنه يتأثر به تماماً كالذي يشاهد فيلماً سينمائياً لا شك لديه بكذب ما يحصل فيه من مجريات، ومع ذلك تراه يبكي لتلك الأحداث المقطوعة الكذب ويرتب عليها آثاراً (3)، فلا فرق في أصل انشداد النفس وتأثرها بالتخييل بين تخييل مسموع وتخييل مُشاهَد. نعم لا بد من الإشارة هنا إلى أن الأثر أبلغ للتخييل المرئي المُشاهَد من ذلك المسموع الذي للشعر، ولعل مقولة «عقول الناس في عيونها» أتت من هذه الحقيقة، فكانت كناية عن طغيان هذه القوة على غيرها من قوى النفس الظاهرية، لا سيما مع ما وصل إليه التخييل المرئي في أيامنا هذه من تطور، فلا ينقَضُّ على المشاهِد عبر حاسة البصر فحسب من حواسه الظاهرية، وإنما يتلاعب بقوة التخيّل عبر حاستي البصر والسمع معاً، فيُدخل إلى الصورة مؤثرات صوتية تناسبها بضميمة ما يقوم به من تغيير فيها، يجعلها أكثر جذباً للمشاهِد وأقرب إلى الواقع ما أمكن، ليشلّ المنتَجُ التخييلي إذ ذاك قوةَ العقل أكثر ويُعطِّل دورها إلى أبعد حد، وهي القوة التي من شأنها تحليل المشهد والحكم على أجزائه، فيختلط بشللها ما هو حق بما هو باطل، ويتسرَّب الباطل حينها ليدخل مع تكرُّره إلى أفكار المشاهِد دون مقاومة تُذكر، فالبطل المظلوم محور العمل الدرامي يعشق فتاةً جميلةً ويختلي بها، مخالفاً ثقافة مجتمعه التي ترفض هكذا علاقة ولا تقول بمشروعيَّتها، بغض النظر عن الخلفية التي كانت وراء رفض بيئته ذلك، في إيحاء من صانع العمل الدرامي بعدم المنافاة لا بل الانسجام بين المظلومية وذلك الفعل.

ولسنا هنا في وارد الحديث عن نحو الباطل الذي تدأب دراما على رأسها هوليود بثَّه في ثقافات العالم، ولكن مع ذلك لا بأس في الإشارة إلى أن الباطل الذي يخلطونه بالحق في أفلامهم ـ فضلاً عن تمحّض بعضها به ـ قد يكون من باطل المعتقد والرؤية الكونية من مكوّنات الثقافة، وهذا ما نراه في الأفلام الخرافية والأسطورية التي تحاكي الواهمة من قوى النفس البشرية، ومنه باطل الرؤية الآيديولوجية في الأخلاق والسلوك، الذي نراه في الأعمال العنفية والجنسية التي تحاكي القوة النزوعية الشوقية بشعبتيها الغضبية والشهوية.

هذا ولم تقتصر هكذا مؤسسات درامية على حقن البدن الثقافي للمشاهدين الكبار بباطل المعتقد والأخلاق، بل لم تخلُ الأفلام الكارتونية التي تُصنع للأطفال من ذلك أيضاً. وهنا لن نقتصر في الحديث على شلِّ القوة العاقلة لدى الطفل إذ لم تنضج بعد لتُشل، وإنما سنكون أمام إماتة لهذه القوة وإنضاج لقوة الخيال، التي ستقف حائلاً في مستقبل الطفل دون تقبّل العالم الغيبي المجرّد، فضلاً عما يشتمل عليه المنتَج الدرامي الكارتوني من سموم الرؤيتين الكونية والآيديولوجية.

وكيف كان فإن هذه الأداة تُثقِّف الجماهير بالترويج لمفردات الثقافة وأسلوب الحياة من خلال محاكاتها البصريَّة والسمعيَّة للمخيِّلة من قوى النفس الإدراكية الباطنية، والترويج فيها يكون بنحوين أحدهما إيجابي والآخر سلبي، أما الإيجابي فهو التأصيلي المسمى بالتراجيديا أو ما يعبِّر عنه بالمأساة، وأما السلبي فهو النقدي المسمى بالكوميديا المعبَّر عنه بالملهاة أيضاً، ومن الطبيعي أن تجد هذين اللفظين في فن الشعر للمعلم الأول (4)، وقبلهما لفظ «دراما» (5)، فحيث كانت مادة صناعة الشعر ومبادؤه هي المخيّلات التي تسبب بسطاً للنفس أو قبضاً، كان للدراما محلَّاً في صناعة الشعر.

ففن الشعر حيث يُراد به تهييج المشاعر والأحاسيس بإحداث ميلٍ نفساني إيجابي تنبسط لأجله النفس، وآخر سلبي تنقبض بسببه، ولا يتحقق مثل هذا الغرض إلا بالمخيّلات من مواد، كانت المادة التخييلية من نصيب هذه الصناعة، فمن الطبيعي والحال هذه أن يتعرَّض المعلم الأول في هذا الفن لكل ما من شأنه التخييل، وذلك لأنه يؤدي غرض هذه الصناعة. وحيث كان من الشعر ما هو تراجيدي ومنه الكوميدي، تعرَّض أرسطو لهما موضحاً لكل منهما وللمائز بينهما، ثم تحدَّث عن التطور الذي حصل للتراجيديا والكوميديا إلى أن وصلا إلى المسرح، وتحولا بعد ذلك إلى أعمال تمثيلية.

من كتاب “عقلنة الثقافة”

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]ـ «برهان الشفاء» للشيخ الرئيس ابن سينا / ص63.

[2]ـ «برهان الشفاء» للشيخ الرئيس ابن سينا / ص63.

[3]ـ ولعل من مصاديق شدة التأثر ما عرضته شبكة «أن بي سي» في عام 1974 من دراما بعنوان «مولودة بريئة» تتحدث عن اغتصاب فتاة قاصر، وقد صاحب الدراما مشاهد عنيفة، وبعد ثلاثة أيام اغتصبت فتاة في التاسعة من عمرها، وقد أثبتت التحقيقات أن القائمين بالجريمة كانوا متأثرين بالدراما مارة الذكر، من كتاب «الإجرام الإعلامي» لعبد الحليم محمود / ص58.

وهل أبلغ في الشهادة على انشداد النفس البشرية وتأثرها بالمتخيّلة مما يحصل في أيامنا هذه من شلل لكافة مناحي الحياة في أغلب مدن العالم العربي ساعة عرض دراما ما عربية أو أجنبية مدبلجة مع تفاهة محتواها، كالذي يحصل تماماً في أغلب دول العالم عند عرض بعض المسابقات الرياضية العالمية.

[4]ـ «فن الشعر» لأرسطو / ترجمة الدكتور إبراهيم حماده / ص55.

[5]ـ نفس المصدر / ص73.

 

سلسلة وسائل وادوات التثقيف ـ الحلقة الأولى (الإعلام)