التصنیف: حکمة نظریة, عقلیّات
التاریخ: 25 يوليو, 2017
المشاهدات: 1٬167
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الشیخ محمد العلي
ملاحظات:

الحلقة الأولى: في علم المنطق

  • لا يخفى أنّ كلّ عملية تعليم وتعلّم تكون بالفكر، وهذا يحتّمُ أوّلاُ لزوم تنظيم العمليّة الفكريّة، قبل البدء بأيّ تعليم وتعلّم فكري، لوضوح إمكان وقوع الخطأ فيها كما لا يخفى، ولكن هنا يأتي السؤال، أنّ تنظيم الفكر أيضاً يكون بالتّعليم والتعلّم، فما لم يكن مسبوقاً بما ينظّمه فلا نأمن التعليم فيه؟ ولجوابه نقول: أنّ التنظيم الفكري يكون من خلال إظهارالفطرة التفكيريّة الموجودة في أصل خلقة الإنسان، لكنّه قد غفل عنها لكثرة توغّله بعالم الحسّ والمحسوس، أو لسوء التعليم الذي حصّله والتربية العامّة الفكرية، أو لأنّه لم يتعرّف التدريب عليها، فتنظيم الفكر لايكون بعلم خارج عن نفس الفطرة وإظهار فطريات النفس وبديهياتها، والعلم الجامع لمثل هذه المسائل هو المسمّى بعلم المنطق؛ لذلك قالوا عنه هو علم فطريّ بديهي الاحكام أو منتهي لبديهيات مباشرة، فائدته تنظيم الفكرة وتمكين المفكّر لكيفيّة الانتقال بين الأفكار وتأليف المناسب منها للوصول للنتيجة.
  • والمقترح في دراسته كتب عديدة: (مقدّمة تمهيديّة، كتاب النجاة للشّيخ الرئيس، كتاب الإشارات والتنبيهات للشيّخ الرئيس، وبرهان الشفاء للشّيخ الرئيس)، أو ما يعادلها او يقاربها من المصادر والكتب الدراسيّة المطروحة، مثل (كمنطق المرحوم الشّيخ المظفر في مقابل النّجاة، ومنطقيات الفارابي في مقابل الإشارات)، وصفة هذه المصادر والكتب أنّها مهتمّة بالتأصيل والاستدلال بأسلوب برهاني بديهي أو ما يرجع للبديهي، بعيداً عن زوائد المطالب، وما لا نفع فيه إلّا فيما قلّ في بعضها، كالشّفاء لكونه من قبيل الإملاء على الغير، لا تأليف بيد الشيخ لغرض التعليم بقصد أوّلي. وطبعاً إضافة لما ذكرنا فإنّ الطّالب خلال دراسته سيستكشف المصادر المهمّة اللّازم عليه مراجعتها حال التّحصيل.
  • وهناك خطّ دراسي آخر في علم المنطق، نستطيع أن نجمع مؤلفاته بعنوان: مؤلّفات المتكلمين في المنطق، كـ(تهذيب المنطق للتفتزاني)، و(كتاب الرسالة الشّمسيّة للقزويني)، وكتاب(شرح مطالع الأنوار في المنطق‏ لقطب الدّين الرّازي)، وأمثالها، فلا أنكر وجود بعض الفوائد في طيّات كلماتها، لكنّها لاتمثل المنهج الصحيح للوصول للغاية؛ لكثرة مشاكلها اللّغويّة، وكثرة ميول مؤلّفيها للنقاش الجدلي المخالف لأصل فكرة تأسيس العلم ومقتضياته، كما أنّها مُخلّة في بيان أهمّ أبحاثه وهي الصناعات الخمس بشكل عام والبرهان بشكل خاص، علماً أنّه من أهمّ غايات علم المنطق، فكلّ هذا يوجب التشويش على دارسيها، وعدم تحصيلهم لعلم منظم منها؛ إذ لا تضفي صفة التأصيل والتأسيس على مثل هذه الكتب، وتعلوها صفة إن قلت قلنا، والمناقشات البعيدة عن روح العلم والبرهان.
  • والغرض من دراسة الجميع للمنهج الصحيح، هو حصول الملكة التّامة لكيفيّة تنظيم الفكرة، والتصرف فيها والانتقال منها لغيرها، ودون هذا الحصول تصبح دراسة المنطق لغواً عبثاً لافائدة فيها، ولا يستشعر الطالب بفائدة ما بذله من وقت لأجلها، وبخلافه عند حصول هذا الغرض، يستشعر دارسيه بالانتقال النوعيّ من حضيض الأرض الحسّية والتعجّم، إلى سماء الفكر والتّعقّل، ودون هذا الحصول قطف الشوك افضل.
  • ولتوجيه النظر لدارسيه، عليهم أن ليتنبهوا لفطرتهم حال تعلّم هذا العلم مستغرقين التأمّل فيها، وملاحظين تطابق ما درسوه مع أصل فطرتهم، ولا يكونوا منشغلين بمعرفة مصطلحاته فقط وشروح كلماته وأقسامه، وأصبح هذا التّعليم ـ للأسف ـ هو السّائد في طرقنا التعليميّة في هذا الزمان، فاليتنبّه الطالب ولا يقع في مضيعة الوقت والعلم وهو لا يشعر.

 

الحلقة الثانية: في علم المعرفة

  • بعد حصول التّفكير المنظّم، يحسن بالطالب معرفة واقعية نفس المعرفة، وكيفيّة ارتباطها بالواقع وكشفها عنه، ومصادر معرفته، وقيمة كلّ معرفة متأتيّة بحسب مصدرها، بحيث نعرف أين يمكن اعمالها وأين لا يمكن اعمالها.
  • وهنا قد يتبادر الذهن لسؤال لحاصله، إذا كان علم نظرية المعرفة يهتم بنفس المعرفة، والمنطق مهتم بتنظيم المعرفة، فكان الأوّلى تقديم علو نظرية المعرفة على علم المنطق، والحال ما نراه خلاف ذلك. نقول: ماذكر في السؤال في تحديد ضابط العلمين صحيح، لكنه مع ذلك لا يقتضي التقديم؛ وذلك لأنّ الفكرة والمعرفة حاصلة بالفطرة ومدركة بالحس الوجداني، وعلم المنطق يهتم بموضوعيّة هذه الفكرة الفطرية الارتكازية المعلومة الحصول بغض النظر عمّا يلحقها من احكام يمكن استفادتها من علم نظرية المعرفة، فالمنطق يهتم بالفكرة في حصولها الذهني ويحاول ضبط القانون لكيفية ارتباطها ذهنيا، وأمّا علم نظرية المعرفة فمسائله إمّا من قبيل العلم بالعلم وتنبيه الغافل لامر حاصل، وإمّا من قبيل الأحكام اللاحقة للفكرة والمعرفة لا من حيث وجودها الذهني، وفي النوع الاول من احكامه المنطق مستغني عنه كما هو مستغني عن المنطق، والنوع الثاني يحتاج للتفكير وكيفية تنظيم ما موجود في الذهن للوصول لمثل هذه الاحكام فهو محتاج للمنطق فيها، ومنه جاءت ضرورة تقدّم المنطق عليه.
  • وأمّا المصادر المتعرضة لمسائل علم نظريّة المعرفة، فيمكن تصنيفها على اصناف عدّة:
  • مصادر تأصيليّة علميّة: ونقصد بها المصادر المهتمة بالتنظيم العلمي لطبيعة الفنون، مبتدئة بالتصورات والتصديقات، ومستفيدة من المبادئ الصحيحة للعلم من العلوم الاخرى والاعلى، ومعتمدة على الدليل المناسب لكل مسألة من مسائله على ما اوضحناه في مقال سابق ـ حجية الاخبار في الرؤية الكونية ـ مع بيان ملاكه.
  • مصادر جدليّة: ونقصد بها المهتمّة بالدفاع وردّ الشبهات المطروحة حول المعرفة ومصادرها.
  • مصادر خطابيّة: تحاول تدعيم وتصحيح المعرفة من غير دليلها الخاص، كالاعتماد على الادلة النقلية والمشهورات.
  • مصادر تلفيقيّة: جمعت بين اكثر من صفة من الصفات السابقة.
  • ويجدر بالطالب الاعتماد على المصادر من الصنف الأوّل في بداية تعلّمه لهذا العلم، ويمكن اقتراح تسلسل علمي فيها كالآتي: 1- كتاب مناهج التفكير كمقدّمة تمهيديّة. 2- أصول المعرفة والمنهج العقلي، للشيخ الدكتور أيمن المصري، أو ما يعادله من كتاب نظرية المعرفة للشيخ السبحاني. 3- كتاب نهج العقل، تأليف الاستاذ محمد ناصر، أو ما يقابله من كتاب المنهج الجديد في تعليم الفلسفة للشيخ محمد تقي مصباح اليزديج1 القسم الثاني منه تحت عنوان علم المعرفة. 4- اصول الفلسفة للسيد العلامة الطبطبائي بشرح الشهيد مطهري، من المقالة الثانية والثالثة والرابعة منه.

ولا يخفى أن هناك جملة من مصادر المتقدّمين واساطين الفن اشتملت كتبهم على مسائل متفرقة من هذا العلم ككتابي الخطابة والبرهان للفارابي، وكذلك كتاب التعريفات للفارابي، وكتاب البرهان للشيخ الرئيس ابن سينا.

والاصناف الباقية من الكتب ينبغي تركها حال التعلّم، ويمكن الاستفادة منها لمعرفة بعض الجدليات والاقناعيات فيها.

  • والمقدار اللازم تحصيله في هذا العلم، هو توجيه النفس للعلم بعلمها، ومعرفة اقسام المعرفة وأوليات الادراك فيها، واقسام المفاهيم وخصائصها، ومقدار ارتباط المفاهيم بما تعبّر عنه وارتباطها بواقعها، ومعرفة مصادر تحصيل المعرفة وخصائص ادراكها ودائرة حجيتها، وينبغي التّعرّف على ردّ الشبهات في جميع هذه المسائل من باب رفع المانع بعد تحصيل المتقضي.

 

الحلقة الثالثة: في علم الفلسفة الأولى

بعد التمكن من تنظيم الفكر ومعرفة مصادره ومناهجه، والوصول الى مرحلة التمكّن من كلا المرحلتين، وإمكان اجرائهما في مورد استعمالهما يكون الطالب متهيّئا لمرحلة التطبيق الفكري، ومن توصيات أصحاب الفن أن يكون التطبيق العملي في مورد لا يجد الطالب فيه حرجا نفسيّاً من مخالفةِ عقيدةٍ بحسب الظاهر، أو ارتكازٍ عرفيّ قويّ في نفسه، أو من قبيلهما ممّا اعتاد عليه في طول حياته؛ كي لا يجد حرجا من مزاول التطبيق للدليل فتقف الحالة النفسية عائقاً من التّوثّق في تطبيقه، وبالتالي تتزعزع ثقته بما تعلّمه في المنطق والمعرفة، ومنه كان المتعارف الابتداء بالرياضيات أو الطبيعيات قبل الفلسفة العامّة والرؤية الكونيّة، لكنّنا سنهتم ببيان ما يتعلق بالفلسفة العامّة والرؤية الكونيّة أو ما اشتمل على الطبيعيّات.

  • موضوع الفلسفة الأولى هو الموجود، والمتوخى فيها معرفة احكامه من حيث هو موجود.
  • الغاية المترتبة على هذا العلم معرفة حقائق الأشياء، ومعرفة أحكامها من خلال معرفة أسبابها وعللها الحقيقية أو التحليلية.
  • بعد معرفة الموضوع والغاية من هذا العلم تنحصر الصناعة المستخدمة فيه بصناعة البرهان؛ إذ غيره من الصناعات لا يفيد الحقيقة، ولا يتعدّى في تأثيره عن الاقناع أو الإسكات أو التكذيب أو التأثير النفسي، ومنه لا نجد في أدلة العلم هذا نقلا أو جدلا أو شعرا لغاية التأثير النفسي، فضلا عن الكذب والمغالطة.
  • بعد ملاحظة هذه الأمور الثلاثة المتقدّمة ينحصر الابتداء بالمناهج المعتمدة للمنهج البرهاني الخالص دون غيره، نعم لا بأس بالإشارة للمصادر التي دخلتها المناهج الأخرى لغرض التأييد أو الاسترشاد.

المناهج المختارة:

  • كتاب مبادئ الرؤية الكونيّة،
  • كتاب النجاة، للشيخ الرئيس ابن سينا، القسم الثاني منه إلى آخره. فقد امتاز بالاعتماد على البرهان الخالص، والاهتمام بأهم الموضوعات في الطبيعيات والإلهيات وما يتعلق بالمبدأ، فمسائله على الرغم من اختصارها لكنها امتازت بالتهذيب ووضوح الدليل.
  • كتاب الإشارات والتنبيهات، الجزء الثاني والثالث منه المتعلق بالطبيعيات والالهيات، للشيخ الرئيس، ولا يقلّ وصفه عن كتاب النجاة، لكنّه أكثر تفصيلا من حيث الموضوعات والبراهين المعتمدة، ولا نزيد بيانا على وصف المصنّف له حيث قال: أيها الحريص على تحقق الحق، إني مهد إليك في هذه الإشارات والتنبيهات أصولا وجملا من الحكمة، إن أخذت الفطانة بيدك سهل عليك تفريعها وتفصيلها.
  • كتاب الشفاء، لابن سينا، قسم الطبيعيات منه والإلهيات، وهذا الكتاب وإن كان مبتلى بكثرة التكرار والتطويل والاطناب في بعض موارده لكنه مما لا غنى عنه؛ إذ يُعدّ من الأبحاث المفصّلة في هذين الموردين، مع ذكر اهم المباني المشائيّة وبجميع ادلتها التفصيليّة.
  • كتاب الفق المبين، ويعدّ من أهم الكتب التحقيقيّة في المجال الفلسفي وفيه عصارة فكر المصنف المير داماد، ويتميز هذا الكتاب بدقّة براهينه العقلية المحضة، ولا يخلو الكتاب من اطناب احيانا وتكرار.

هذا فيما يتعلق بالمنهج العقلي للحكمة المشائية.

 

 الحلقة الرابعة: في علم الفلسفة الأولى (منهج الاشراق والحكمة المتعالية)

وتميزت هاتان المدرستان بكون برهانهما العقلي مسترشدا بالكشف الشهودي، والطريق النقلي، بمعنى توجهما لما يمكن ان يُعلم له من خلال كشفه أو من خلال تأمّله بالنقل الظفر بالحدود الوسطى أو النتائج ويقيم بعد ذلك برهانا عقليا على وفق الشروط العقلية للبرهان، وهذا المقدار ما يمكن عدّه من المسائل الفلسفية منهم وما زاد على ذلك فلا تكون له حجيّة برهانية بغض النظر عن قبوله او عدم قبوله، إلّا إذا كان مخالفا لصريح البرهان العقلي بعد التحقيق والتأمل فإنه لا مجال لغير ردّه، وسنذكر أهمّ الكتب المتداولة في معرفة مبانيهما. وتأتي مرحلة تعلّمها بعد تعلم مدرسة الحكمة العقلية المشائيّة إذ بها التدرب والتعوّد على طريقة البرهان ومعرفة الاصطلاح وأسس المباني.

  • كتاب حكمة الإشراق، للشيخ السهروردي الاشراقي، ويعتبر هذا الكتاب عمدة كتب الشيخ ومبانيه في جميع المسائل الفلسفية
  • كتاب بداية الحكمة، للسيد العلامة الطبطبائي، ويتسم هذا الكتاب بشموله على جميع المسائل الفلسفية المهمة التي تؤثر في بناء المعرفة الفلسفية ضمن مباني مدرسة الحكمة المتعالية، وايضا من سماته انه حاول الاعتماد على إظهار الادلة العقلية المحضة في إثبات المسائل متماشيا مع الطريقة المشائيّة، بغض النظر عن امكان مناقشتها أم لا. وكان من المتعارف أوّلا دراسة كتاب المنظومة للحكيم السبزواري، لكن السيد رأي من الجدير تهذيبها واخراجها بنحو كتابه بداية الحكمة لتقليل التعقيد فيها وتهذيب ترتب مسائلها والاقتصار على محكم الادلة فيها.
  • كتاب نهاية الحكمة: للسيد العلامة الطبطبائي أيضا، ويتسم بنفس سمات كتاب بداية الحكمة، وكما ينقل عن بعض طلابه رحمه الله من كونه حاول تهذيب أهم براهين كتاب الاسفار ومسائله واخراجه بصورة كتابه نهاية الحكمة.
  • كتاب الأسفار الأربعة، لصدر الدين الشيرازي والذي يمثل الموسوعة التفصيلية والمباني الخاصة بمدرسته الحكمة المتعاليّة، لكن الكتاب طويل في فصوله، ومحتوي على التكرار في مطالبه كثيرا، إضافة إلى عدم اقتصاره على الدليل العقلي الذي هو حيز البحث الفلسفي، مع اشتماله على جدليات مع المدارس الاخرى كثيرا، ولكن نستطيع القول لا غنى عنه للتعرّف على مبانيه وآراءه.


займ на картукредит онлайн