سؤال قديم بقدم البشرية كيف تأمن أن لا يزول اعتقادك في المستقبل | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 21 يونيو, 2014
المشاهدات: 1٬936
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات: عنونة وتعديل محمد ناصر

وقد سال بعض القدماء في الآراء التي بحسب انسان انسان، فقالوا: هل تأمن فيما تعتقده اليوم من الآراء أن ترجع عنها الى مقابلاتها؟ ومثل ذلك قوله:

هل كنت قديما على رأى تعتقد صحّته وصدقه، رجعت عنه الى مقابله، فصار مقابله اليوم عندك حال مقابله بالأمس، فما يؤمنك أن ترجع عن هذا الى مقابله الأول؟

وأشباه هذه من المسائل القديمة.

فان هذه كلها انما كان يقصد بها الى أن يتبيّن ان أمثال هذه الآراء ظنون وغير كافية في الأشياء النظرية التي سبيلها أن تكون الآراء فيها يقينا. وأن هذه ليس ينبغى أن تجعل من اليقين.

وقد أجيب عنها بأجوبة غير كافية لسوء معرفتهم بطريق اليقين (الذي بين مفصلا في صناعة البرهان)

جواب زائف

– وذلك أن بعضهم أجاب: أنى لا أرجع عن الرأي الذي هذه صفته، ما دامت حالى فيها هذه الحال.

وهذا ليس بجواب يجعل آراءه وفى حدّ اليقين. وذلك أنه لا فرق بين هذا القول وبين أن يقال: لا أرجع عنها ما دامت لا أعلم لها معاندا يزيلها، أو ما دامت لا تتزيف الحجج التي بها صحّت عندى. وهذه الحال هى حال الظنون. فان الظن متى لم يظهر له معاند، فكأنه عند معتقده يقين.

جواب زائف آخر

– وآخرون من القدماء رأوا بأنه لا ينبغى أن يجاب عن هذا السؤال، بل يسقط بتزييف، من قبل أنهم زعموا أن هذه وأمثالها راجعة على ابطال رأى كل سائل قصد بها ابطال رأى انسان آخر، وأنها تبطل الآراء كلّها، وتمنع أن يعتقد انسان رأيا ما. ولا سبيل الى منع ذلك، اذ كان كلّ انسان فله رأى ما، حتى أن من يقول لا رأى أصلا، فان قوله هذا رأى له.

فزعم هؤلاء أن مثل هذه من المسائل تسقط، ولا يجاب عنها، لأجل ما جاءوا به؛ وزعمهم أن السؤالات تبطل لأنّها آراء تدور على آراء من سأل عنها، كذب منهم ومحال. لأنه أن كانت آراء السائل كلها ظنونا، وكان يشعر أو يعترف أنها ظنون، فانها لا ترجع عليه، وتبطل آراءه، بل يكون السائل قد التزم قبل سؤاله ما ألزمه اياه مسائله.

وانما قصد السائل أن يبيّن ذلك‏ لمن لا يشعر، أو لا يعترف في آرائه التي هذه حالها أنّها ظنون، بل انما يظن أنها يقين، أو يوهم أنها يقين.

وأيضا فان آراء السائل، ان كانت يقينا، أو كان فيها يقين؛ لم ترجع هذه عليه بابطال آرائه، لأن اليقين لا يمكن ان يزول بعناد أصلا، ولا أيضا يبطل كلّ رأى، ولا الآراء كلّها، ولا آراء الجميع، بل انما تبطل على من لا يشعر، أو لا يعترف في ما حاله هذه الحال من الآراء أنه ظن، فيلزمه أنه ظن.

وأما من كان رأيه يقينا أو ظنا يشعر به، أو اعترف أنه ظن؛ لم تبطل هذه المسائل رأيه.

ولم لا يستحقّ جوابا؟! وهل ذلك إلا مثل أن المشهور يصحّح قضيّة ما، وقول آخر قياسى يصحّح مقابلها، فيتعاند المشهور والقول القياسى؟

وهل ذلك الا مثل قولين قياسيين يلزم أحدهما مقابل ما يلزمه الآخر؟

فهل يطرح أحد القولين ولا يصغى اليه، ولا الى الذي يخاطب به، أو يقتصر بأن يقال: أن هاهنا حجة أخرى تثبت ما يبطله ذلك القول، فيلتمس إبطاله، ويبيّن موضع المغالطة فيه، ان كان هناك مغالطة فيه، باستشهاد انسان على صحة رأى ما بشهرته وشهادة الجميع له، واحتجاج آخر بقول قياسى على صحّة مقابل ذلك، مثل تعاند الحجتين تلزم كلّ واحدة منهما مقابل ما تلزمه الأخرى.

وكذلك، مسئلة من يسأل، فقال: هل يمكن أن يكون ما تعتقده في الأمر بخلاف ما عليه الأمر؟ انما يريد بها: هل يمكن أن يكون ما تعتقده في الأمر مناقضا لما عليه وجود الأمر خارج النفس، أم لا؟ فان هذه المسألة يلتمس بها أن يبيّن أيضا في أمثال هذه الآراء أنها ظنون، وليست بيقين.

ادعاء اليقين الزائف

وقوم ممن يصحّح آراءه في الأشياء النظريّة بأن يبلغ بها أن لا يجد لها معاندا ينفون بآرائهم أن يعترفوا بها أنها ظنون، ويجدونها اذا تأملوها فيما بينهم وبين أنفسهم أنها لا تمنع، أو لا يأمنون أن تكون مقابلة لما عليه وجود الأمر، فيجيبون بما يوهمون به أن آراءهم يقين، ويدفعون بها ما يقصد به السائل الزامهم ايّاه بحسب لفظ السائل لا بحسب ما في ضميره من معنى ذلك اللفظ.

فاذا سألهم سائل: هل يمكن فيما يعتقد فيه أنه كذا، أو ليس بكذا، أن يكون بخلاف ما يعتقد فيه؟ أجاب بقول مشكل يوهم ويخيّل في رأيه أنه يقين، هو أنه لا يمكن أن يكون ما اعتقد فيه أنه كذا، أو ليس كذا، بخلاف ما اعتقده.

وهذا قول مشكل، يتصرّف على أنحاء كثيرة:

أحدها: أن يكون معنى قوله: انه لا يمكن، أى ليس في طاقة ولا قوة ذهنه أن يعتقد في ذلك الشى‏ء، بخلاف ما اعتقد فيه، اذ كان قد استفرغ مجهوده في تصحيح مقابل رأيه، فلم يصحّ وليس هذا جوابا يجعل رأيه يقينا، وان كان صادقا عن نفسه.

وقد يحتمل أيضا أن يعنى به: أنه لا يمكن أن يكون اعتقاد الانسان فيه أنه كذا، هو بعينه اعتقاده فيه أنه ليس بكذا. وليس في هذا ليعني شىئا أكثر من أن المتقابلين لا يمكن أن يكونا شيئا واحد بعينه. هذا الجواب أيضا لا يخرج الرأي من أن يكون مقابلا لما عليه ذات الامر. وهذا هو الذي سأل عنه السائل، فلم‏ يجب، لا بأحد نقيضى السؤال، وانما يدافع الالزام الذي قصد بالسؤال.

وقد يحتمل أيضا القول المشكل أنه لا يمكن حين ما يعتقد في الشى‏ء أنه كذا أن يعتقد في ذلك الشى‏ء بعينه في وقت واحد بعينه أنه ليس بكذا. وليس يعني هذا أكثر من أنه لا يمكن أن يعتقد في شى‏ء واحد بعينه في وقت واحد بعينه، اعتقادان متقابلان. وهذا جواب في غير ما سئلوا عنه، اعتقادان متقابلان.



займ на картукредит онлайн