دور المنطق الأرسطي في حل ازماتنا الحياتية المعاصرة | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 28 يناير, 2015
المشاهدات: 2٬549
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الدكتور أيمن المصري
ملاحظات:

بعد انهيار الحكومة الأشرافية الآناركية في اليونان ودخول عصر الديمقراطية اللادستورية، وانتشار الفوضى الأخلاقية والاجتماعية والسياسية، وجدت البيئة الحاضنة للفوضى المعرفية التى بزغ فيها نجم السفسطائيين الانتهازيين، الطامحين للمال والسلطة، والذين لم يألوا جهدا في نشر ثقافة الفوضى والتهتك المعرفي، والتشكيك في القواعد العقلية، وتحطيم القيم الأخلاقية والاجتماعية، من أجل تحقيق أغراضهم الشريرة

وقد تصدى لهم ميدانيا في بداية الأمر الحكيم سقراط، بتصحيح المفاهيم العملية وبناء القيم الأخلاقية على أساس المعرفة العقلية المشتركة بين الناس؛ لتكون بديلا منطقيا عن المنطلقات الحسية النسبية المتغيرة عند الناس

ثم جاء من بعده الحكيم أفلاطون، ليؤكد على أصالة المعرفة العقلية المشتركة، وموضوعية الحقيقة الواقعية،ولينتقد بشدة مذهب أصالة الحس عند بروتاجوراس في محاورة تينيوس، ويثبت بأن ذلك يؤدي إلى التناقض والنسبية، والوقوع في مستنقع الشك والسفسطة

ولكنه تخطى مقام سقراط ، وذهب إلى أن المفاهيم العقلية ليست مجرد أفكار يقاس عليها الأفعال العملية ، بل أنها تحكي أيضا عن حقائق ميتافيزيقية

ثم وصلت النوبة بعد ذلك للمعلم الأول أرسطو، الذي اكتشف بعبقريته الفذة القوانين الطبيعية والوظائف الفسيولوجية للعقل البشري، والتي تنظم عملية التفكير البشري، وقام بتدوينها في صناعة المنطق (الأورجانون)، بنحو علمي موضوعي.

وقد انطلق أرسطو في بناء قواعده من تحليله الدقيق لعملية التفكير العقلي، حيث اكتشف أن العقل يمر بمرحلتين في طريقه لاكتساب المعرفة الجديدة

المرحلة الأولى هي انتخاب المعلومات اللازمة للمطلوب اثباته(selection) والتي هي بمثابة المواد الأولية، والثانية هي ترتيب هذه المعلومات (arrangement)على صورة معينة للوصول إلى النتيجة المطلوبة، وذلك كأي حركة صناعية

وقد سعى بعد ذلك لاستكشاف هذه القوانين الطبيعية التي تضمن صحة الانتقالات العقلية من المعلوم إلى المجهول، انطلاقا من المعلومات البديهية الأولية الواضحة عند العقل البشري، والتى يستلزم التشكيك فيها الوقوع في مستنقع الشك والسفسطة، وانسداد باب التعليم والتعلم، وسقوط كل القيم الأخلاقية والاجتماعية

ومن أجل تحقيق هذه القواعد العقلية في المرحلتين، قسم منطقه إلى قسمين:

  1. قسم صوري(formal) يتعلق ببيان هيئة الدليل، وكيفية ترتيب المعلومات، والذي اشتمل على ثلاث صور عقلية، وهي القياس – الذي هو العمدة في الاستدلال- والاستقراء والتمثيل
  2. قسم مادي(content) يتعلق بطبيعة المعلومات الداخلة في الدليل، وقد وضع قواعد انتخابها المنطقية في مباحث الصناعات الخمس، والتي على رأسها صناعة البرهان العقلي، والذي أشار إليه أرسطو في مقدمة كتاب القياس، بأنه هو ثمرة المنطق، وأن العلم البرهاني هو المقصود لنا أولا وبالذات

وبوضع هذه القواعد المنطقية الموضوعية (logcal objective rules) للتفكير، والصالحة لسائر العلوم والصناعات النظرية والعملية، انقطع دابر السفسطة، وانفتح باب العلم اليقيني والمعرفة الواقعية، وأصبح هناك معيار علمي واضح وموضوعي للصحة العقلية، بحيث يكون الانحراف عنه دليلا على الاختلال الفكري

ولاشك أن التفكير الصحيح وحده هو الذي يضمن لنا الفكر الصحيح، حيث يؤدي بنا إلى بناء رؤيتنا الكونية الصحيحة عن الحياة والإنسان، والتي ينبعث منها الايديولوجية العملية الصحيحة التي نبني على أساسها قيمنا الأخلاقية وننظم حياتنا الاجتماعية والسياسية، والتي تحقق في النهاية الانسجام الواقعي بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان وغيره، ذلك الانسجام الذي يعطي معنى للحياة، ويحقق السعادة الحقيقية

وقد سعى أعداء الإنسانية على مر التاريخ إلى التشكيك في هذه القواعد العقلية الطبيعية، وزعموا أنها قد تقادمت وانتهى مفعولها العلمي، وطرحوا بدائل مزيفة لها، وحصروا المعرفة العقلية في الاستقراء الحسي والعلوم الرياضية، مما أدى إلى إقصاء العقل بالكلية في الأمور المعنوية الميتافيزيقية التي تتعلق بهوية الإنسان ومصيره في هذه الحياة ومابعدها، وأصبحت منطقة فارغة من الأحكام العلمية، بعد أن استبدلوها بالاستحسانات الشخصية والأعراف الاجتماعية، والمقبولات الدينية والمذهبية المتعددة والمتباينة مع بعضها البعض، الأمر الذي أدي إلى استشراء الأفكار الالحادية، والمذاهب الدينية المتطرفة والخرافية، وظهور الجريمة المنظمة والإرهاب الدولي، وسائر أنواع الظلم والفساد الاجتماعي والاستبداد السياسي بصوره المختلفة…وكل هذا بسبب غياب النظام العقلي عن حياتنا الفردية والاجتماعية، مما أدي إلى تحكيم شريعة الغاب في أغلب مجتمعاتنا البشرية، حيث يأكل القوي الضعيف، إذ لامعنى للمجتمع المدني الحضاري في ظل غياب القانون العقلي

فمع إحياء المنطق العقلي الأرسطي الذي يمثل القانون الطبيعي للتفكير البشري، يسترد كل فرد من أفراد المجتمع الإنساني هويته الإنسانية ، وصحته العقلية، وتتحقق العدالة الاجتماعية والحضارة الإنسانية الحقيقية في بعديها المادي والمعنوية تحت ظل الحكومة العقلية الرشيدة .

الدكتور أيمن المصري

رئيس أكاديمية الحكمة العقلية



займ на картукредит онлайн