دور العلوم العقلية في التربية والتعليم ـ علم المنطق نموذجا | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 3 مارس, 2014
المشاهدات: 3٬815
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الشیخ الدكتور فلاح العابدي
ملاحظات:

أهمية البحث والسؤال الأساسي

لعل من أهم أسباب الابتعاد عن العلوم العقلية وإقصائها عن مناهج المدارس الأكاديمية، بل وحتي الحوزوية بنحو ما، هو عدم وضوح الفائدة المترتبة على دراسة هذه العلوم ودورها في تربية وتعليم الإنسان، ولأجل ذلك ابتنت المناهج الأكاديمية بشكل خاص على المنهج الحسي التجريبي البحت باعتبار أنه المنهج الذي ساعد في تطور البلدان الصناعية ووصولها الى ما وصلت اليه اليوم من تقدم صناعي كبير، فالفائدة المترتبة على هذا المنهج ملموسة لكل أحد وغير قابلة للإنكار، ولما لمسوا نجاح هذا المنهج في المجال الصناعي والتقني قاموا بمحاولة تحكيمه على كل جوانب الفكر البشري، حتى الديني والإنساني، وحددوا الواقع على أساسه، فكل مايمكن أن يكون خاضعا للتجربة والحس قالوا بواقعيته، وأنكرو ما بعد ذلك.

أما العلوم العقلية فلم تتضح فوائدها النظرية والعملية بشكل ملموس بالنسبة لكثير من طلاب العلم والدارسين، وهل لها فعلا فوائد عملية واقعية ملموسة على حياة الإنسان وسلوكه، أم انها مجرد علوم نظرية ترفية تعبر عن جانب من جوانب الرقي الفكري عند الأنسان ؟!.
وعلم المنطق من أول العلوم التي وقعت في هذه الزاوية، فما هي أهمية علم المنطق بشكل عام، وهل له تطبيقات عملية يمكن أن يستفيد منها كل إنسان في حياته الفكرية والعملية أم لا؟

في هذا البحث نحاول أن نسلط الضوء على هذه المسألة باعتبار أن علم المنطق هو الأساس الذي تنطلق منه أو تعتمد عليه العلوم العقلية برمتها، بل وكل عملية تفكيرية يمارسها الإنسان في مختلف حقول المعرفة والعلم، سواء مايتعلق منها بالجانب النظري الإعتقادي، أو الجانب العملي الآيديولوجي والسلوكي.

فالسؤال الأساسي الذي نريد أن نجيب عنه من خلال هذا البحث، هو: هل لعلم المنطق دور في عملية التربية والتعليم، وماهو هذا الدور وما هي أهميته التي يمكن أن تدفعنا للإهتمام به، بحيث تصل هذه الأهمية الى أن نسعى لإدراجه في ضمن المناهج الدراسية، وتحميل الطلاب عناء دراسته وما يترتب على ذلك من مسؤولية تعليمية عليهم.

منهج البحث

إن البحث في مثل هذه المسائل الواقعة في طليعة مباحث المعرفة الإنسانية، لابد أن يعتمد على منهجية مسلمة الحجية والإعتبار عند كل انسان عاقل، لئلا نقع في المصادرات والفرضيات التي لم يقع التسليم بها بعد، فيضيع علينا الترتيب المنطقي للبناء المعرفي لدينا، بل ونقع في غائلة الخلاف والنزاع والإنكار ونحن نريد أن نخطو الخطوة الأولى في البناء المعرفي، فلابد أن يكون الأساس المعرفي الذي نضعه لنبني عليه علومنا ومعارفنا اساسا محكما مسلما بين جميع بني البشر.

ولا يتحقق لنا ذلك إلاَّ بأن نعتمد على سلسلة من المعارف الذاتية البيّنة بنفسها، التي يمكن الركون إليها والاعتماد عليها، وكونها ذاتية بمعنى أنها لم نتلقاها من أحد غيرنا، بل نجدها حاضرة عندنا وكأنها جزء من نسيجنا الذهني، وأما كونها بيّنة بنفسها، فبمعنى عدم افتقارها إلى مبيّن غيرها، بل تكون بذاتها في غاية الوضوح بحيث لا يملك العقل إلاَّ التسليم المطلق أمامها، ولا يجد الشك طريقاً إليها.

وهذه المعارف ليست مختصة بفرد دون فرد أو طائفة دون أخرى، بل هي عامة مشتركة بين الجميع، وهذه هي (القضايا الأولية البديهية) والتي على رأسها قضية امتناع اجتماع السلب والإيجاب أو ما يسمى بـ (إمتناع اجتماع النقيضين)، وأصل العلية.
وعليه فلابد أن تكون منهجية البحث هنا هو البحث التحليلي المعتمد على معلومات بديهية التصديق وبديهية الإنتاج من حيث المادة والصورة.

خطوات البحث

ويمكن عرض هذا البحث على شكل خطوات متسلسلة ومترابطة تسهل على القارئ فهم ما نريد توضيحه فيه من فكرة، وهذه الخطوات تكون في عدة مباحث مترتبة بالشكل التالي:

المبحث الأول: حقيقة علم المنطق

ذكر المناطقة تعريفا رسميا لعلم المنطق من حيث الغاية المترتبة على تعلمه، حيث عرف بأنه: (آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفك) (1).

وهذا التعريف يساعد كثيرا في هذا البحث، حيث تم أخذ الغاية من علم المنطق بنظر الاعتبار فيه، فالتعريف يذكر أن حقيقة علم المنطق هو كونه من العلوم الآلية التي تطلب لأجل غيرها لا لأجل نفسها، كما في علم النحو الذي يطلب لعصمة اللسان عن اللحن في الكلام.
فعلم المنطق عبارة عن مجموعة من القوانين الكلية التي يجب مراعاتها باستحضارها وتطبيقها عند ممارسة عملية التفكير، لأجل حصول العصمة وهي المنع (2)، وهنا المنع عن الخطأ في التفكير.
ولكن يبقى السؤال المهم هنا، هو: من الذي يقوم بعملية وضع هذه القوانين، وعلى أي اساس يتم وضعها ؟!.

 المبحث الثاني: عملية التفكير

لأجل الإجابة عن السؤال السابق لابد من البدئ من المقَنن له، أي ما وضعت قوانين المنطق لأجله، وهو عملية التفكير، فلابد من تحليل عملية التفكير التي يقوم بها الإنسان، والتي تمثل نقطة تميزه عن جميع الموجودات في هذا العلم، والتي تكون ثمرتها جميع نتاجه الفكري قديما وحديثا.
عرف الشيخ الرئيس الفكر بقوله: (وأعني بالفكر هاهنا ما يكون عند اجماع الانسان أن ينتقل من امور حاضرة في ذهنه متصورة أو مصدق بها تصديقا علميا أو ظنيا أو وضعيا وتسليما الى امور غير حاضرة فيه) (3).

وقد ذكر المحقق الطوسي في شرحه لهذه العبارة بان الشيخ قد عرف الفكر بحركته الثانية لأنها أشهر، حيث يقول ان الفكر عبارة عن: (حركة تتوجه النفس بها من المطالب، مترددة في المعاني الحاضرة عندها، طالبة مبادئ تلك المطالب المؤدية اليها الى أن تجدها، ثم ترجع منها نحو المطالب) (4).

وقد ذكر المناطقة أن عملية التفكير هي حركة إرادية صناعية للنفس الإنسانية في المعقولات الذهنية بقصد اكتساب المجهول، وتبدأ بعد مواجهة مشكل علمي، أي مجهول من المجهولات التي يطلب الإنسان العلم بها، والذي لابد أن يكون معلوما من جهة معينة لا مجهولا من جميع الجهات وإلا لما أمكن أن يتعلق به الطلب العلمي، هذه العملية متقومة بخطوتين أساسيتين، هما:

الأولى: حركة انتقائية، يتم خلالها انتقاء المعلومات المناسبة للمجهول من بين المعلومات المتوفرة لدى الذهن الانساني.

الثانية: حركة تأليفية، يتم خلالها التأليف بين المعلومات التي تم انتقائها وتحديدها في الخطوة الأولى، وهذا التأليف يكون على هيئة وصورة ما تودي الى العلم بالمطلوب.

وقد تبين أن عملية التفكير من الخصائص الذاتية للطبيعة الناطقة الإنسانية، والشيء كما يعلم من وجهين تصوّراً وتصديقاً، فهو يجهل من وجهين، فالتفكير إنما يقصد به اكتساب المجهول التصوري أو التصديقي بحيث يصير معلوماً للإنسان.

كما أنها حركة صناعية وليست عشوائية، تشبه بوجه كبير الحركات التي يقوم بها الإنسان في الحرف والصناعات، فان من يبني بيتا أو يصنع كرسيا لابد له أولا من انتقاء المواد المناسبة لما يريده، ثم يؤلف بينها بوجه صحيح مناسب لمطلوبه، بحيث يتأتى الغرض الذي صنع لأجله.

ومن الواضح جدا أن مكامن الخطأ التي يمكن أن تقع في مثل هذه الحركات هي ما يمكن أن يقع في خطوتيه الانتقائية والتأليفية، فقد ينتقي موادا غير مناسبة لمطلوبه، وقد يؤلفها على صورة منحرفة عير صحيحة، وفي كلا الاحتمالين لا يمكن الوصول للمطلوب بنحو صحيح ومناسب.

المبحث الثالث: ملاك الصحة والخطأ في التفكير

إن كل فعل يقوم به الإنسان بشكل إرادي صناعي هناك ما هو صحيح منه وهناك ما هو خاطئ، فيستحق المدح على فعله الصحيح، والذم على فعله الخاطئ.

وعملية التفكير- بوصفها فعل إرادي صناعي للإنسان- كذلك تتصف بالصحة والخطأ، فبالتالي قد تؤدي إلى نتائج صحيحة أو نتائج خاطئة، وهذا أمر متفق عليه بين جميع العقلاء، فليس لأي أحد منا أن يقبل جميع ما يسمع من معلومات ويسلم بها مهما كان مصدرها، بل لابد لنا أولا من عرضها على ميزان الصحة والخطأ، وهذا أيضا- أعني عرض أي معلومة تردنا على ميزان الصحة والخطأ- فعل نقوم به بشكل طبيعي من دون أن نلتفت إلى خلفياته وأسراره.

 كما أن لكل فعل من الأفعال الإرادية ميزان للصحة والخطأ، وهذا الميزان يتحدد على ضوء المقصود والغاية من ذلك الفعل، فإن كانت الغاية منه صحيحة، بمعنى أنها تؤدي الى الكمال، وكان الفعل مؤديا إلى تلك الغاية بنحو صحيح كان ذلك الفعل صحيحا أيضا.

والغاية من التفكير تكمن في أمرين: الأول: نظري، وهو كشف الواقع على ما هو عليه، ويمثل هذا عملية ضبط للأفكار والمعتقدات التي يحملها الإنسان، بأن يعلم الأمور على ما هي عليه في الواقع ونفس الأمر، ويتخلص من الأوهام والخرافات والخيالات المزيفة، ويمثل هذا الأساس والمنطلق الذي تبتني عليه عملية التعليم.

الثاني: عملي، وهو تحديد ما ينبغي فعله على الإنسان وما لا ينبغي فعله، ويمثل هذا عملية ضبط لأفعال الإنسان الاختيارية، بأن يعرف الحسن من الأفعال من القبيح، وبالتالي يتمكن من أن تصدر عنه أفعاله على وجه حسن، بحيث يكون في جميع حركاته يضع كل شيء في مكانه المناسب، وهذا هو الأساس لعملية التربية.

وبناء على ذلك تكون عملية التفكير صحيحة وناجحة لو أدت في المجال النظري إلى كشف الواقع على ما هو عليه، وفي المجال العملي لو أدت إلى تحديد ما ينبغي ومالا ينبغي فعله من الأفعال أيضا بشكل واقعي ودقيق، وتكون عملية التفكير غير صحيحة لو أدت إلى خلاف ذلك.
وبناء على ما تقدم يكون ما نفترضه ميزانا لعملية التفكير لابد أن يتوفر فيه أمران:

الأول: أن يحتوي على الضوابط العامة والصحيحة لعملية اختيار المعلومات المناسبة، والتي يمكن أن نسميها بمواد عملية التفكير.
الثاني: أن يحتوي على الضوابط العامة والصحيحة أيضا لعملية اختيار الصورة أو الهيئة المناسبة التي يركب بين تلك المواد على أساسها (5).
ولو تمكنا فعلا من اقتناص هذه الضوابط والقوانين نكون قد تمكنا من تحديد ميزان دقيق ومعصوم لأفكارنا مهما كانت.
وهنا يتبين لنا الجواب عن السؤال الذي طرحناه سابقا والمتعلق بتحديد الواضع لقوانين المنطق وكيفية وضعها، حيث تبين أن هذه القوانين متعلقة بعملية التفكير بكلا خطوتيها الإنتقائية والتأليفية، فلابد أن توضع قوانين المنطق بحيث تمنع حصول الخطأ في كلتا هاتين الخطوتين.

ولما كانت عملية التفكير من الحركات الطبيعية التي يمارسها الإنسان بشكل دائم من دون أن يتوجه اليها في كثير من الأحيان، توجت جهود المناطقة من الزمن الأول الى اكتشاف وتحليل هذه العملية وتحديد القوانين التي تتم على أساسها، فهذه العملية لها وضع طبيعي واقعي تجري على أساسه، والمطلوب هو اكتشاف هذا الوضع وقوانينه الواقعية الصحيحة كما هو الحال في كل الظواهر الطبيعية الكونية، فليس لقوانين المنطق واضع معين، بل كل ما قام به المناطقة- منذ زمن ارسطو باعتباره المدون الأول لهذا العلم – هو محاولة اكتشاف هذه القوانين وتدوينها في علم معين.

إن ما قام به المعلم الأول ارسطو طاليس هو محاولة اكتشاف وتشريح عمل هذه القوة، وبالتالي اكتشاف قوانينها، ثم دوَّنها في علم خاص اسماه علم المنطق، أي علم ميزان التفكير، ونجد أنه قسم المنطق الى منطق صوري ومنطق مادي، تبعا لخطوات عملية التفكير، دوَّن في الأول ضوابط الحركة الثانية وفي الثاني ضوابط الحركة الاولى، وحاول أن يجمع فيه القواعد العامة للتفكير والتي تصلح لان تستخدم في مختلف العوم، ومن هنا سمي المنطق بخادم العلوم (6).
وعليه لا يكون للذوق الخاص ولا للمزاج مكان ولا إعتبار في وضع القوانين المنطقية، بل هي قوانين موضوعية واقعية، ليس للاعتبار والوضع دخل فيها.

وبناء على ذلك يجب أن نفهم أن الدعوة لاحترام المنطق ليس هو لأجل التعبد بكلام ارسطو ولا غيره، بل هو لأجل احترام الفصل المقوم للإنسان والذي به يختلف عن بقية الحيوانات، وهو عملية التفكير التي تكون هي المنطلق لكل الإبداع الانساني، فليس من المعقول أن نهمل هذه العملية ونتركها تقوم بشكل عشوائي، من دون أي ميزان يحدد لنا ما هو الصواب من الخطأ، ونطالب باحترام معطياتها مهما كانت، بحجة حرية التفكير والتعبير عن الرأي، فإن في هذا إعدام لهوية الإنسان الحقيقية.

المبحث الرابع: علم المنطق

إن العلم الذي يهتم بهذا الأمر هو علم المنطق، وقد تعامل المناطقة مع جميع الحقائق وقسموها تبعا للعناوين العامة التي يمكن على أساسها أن تنطبق عليها تلك القواعد، ولم يعتنوا بالمتغيرات من حيث هي متغيرة، ووضعوا كل شيء في مجاله، وقسموا طرق الاستدلال بحسب مواضيعها التي تبدأ منها وبينوا كيفية السير الاستدلالي فيها، فأما تبدأ من حكم الكلي ويطبق على جزئياته كما في القياس، وبينو أنواع القياس وأشكاله وضروبه وشرائط انتاجه.

 أو تبدأ من الجزئيات وتحديد حكمها لينتقل الى إثبات الحكم لعنوان عام يجمع تلك الجزئيات المتكثرة كما في الاستقراء، أو ينتقل من حكم جزئي لإثباته لجزئي آخر بينهما وجه شبه كما في التمثيل.

 فقد بين المناطقة جميع ذلك وبينو قوانينه وشرائطه، والموضوعات التي تجري فيها، ومقدار الاستفادة منها، ومقدار درجات العلم الذي يمكن أن يستحصل بواسطتها، هذا من حيث الصورة والهيئة.

وأما من حيث المادة فقد قسم المناطقة القضايا المختلفة التي يمكن أن يتعامل معها الى الإنسان في مختلف العلوم والصناعات، الى ثمانية أقسام رئيسية بحسب ما تحدثه من أثر في النفس الإنسانية، من التصديق أو ما يجري مجراه من التخييل والإنبساط والإنقباض.
وعلى ضوء ما يستعمله من تلك القضايا في التأليفات الإستدلالية والغرض من تلك التأليفات، فقد قسم المناطقة تلك التأليفات الى صناعات خمسة هي البرهان، والجدل، والخطابة، والمغالطة، والشعر.

المبحث الخامس: جوانب الفكر البشري

 لو حللنا الفكر الإنساني بشكل عام نجد أنه يرتكز على ثلاثة جوانب رئيسية، وهي:

أولا: الجانب المعرفي، وهو الجانب الذي يؤسس للمعرفة البشرية، وذلك بدراسة المناهج المعرفية المستعملة في العلوم، وبيان حجيتها وحدودها، ودائرة تلك الحجية سعة وضيقا، وبيان الوظيفة لو تعارضت تلك المناهج واختلفت في معطياتها.
وتحديد المنهج المعرفي الصحيح الذي يجب أن يسلك في بناء تلك المعرفة، فلابد أن نخرج بنتيجة من البحث المعرفي يتحدد على ضوئها المنهج العام الحاكم، الذي يكون هو الأساس والمرتكز في بناء الفكر الإنساني نرجع إليه كلما شككنا في واحدة من حلقات ذلك الفكر، وهو الذي يعطي المناهج الأخرى دورها وحدودها في هذا المجال.

الثاني: الجانب الفلسفي، أو ما يسمى بالرؤية الكونية، وهي تعبر عن رؤية الإنسان عن الوجود بجميع جوانبه من حيث حقيقته ومبدأه ومنتهاه وما بينهما، وهي تعبر باختصار عن الإجابة عن الأسئلة الثلاث التالية:(من أين؟ وفي أين؟، والى أين؟).

الثالث: الجانب العملي، أو ما يعبر عنه بالجانب الأيديولوجي، الذي يعبر عن القواعد العامة التي تضبط سلوك الإنسان وفعله الاختياري في هذه الحياة، ولاشك أن هذا الجانب يترتب على ضوء ما يختاره الإنسان من رؤية كونية، فمثلا من يختار رؤية كونية إلهية تؤمن بوجود خالق للكون يرجع إليه الناس بعد مغادرتهم هذه الحياة، يكون سلوكه العملي منسجما معها، ومعتمدا على التشريعات الإلهية، ومتأثرا بالبيان الشرعي للثواب والعقاب على الأعمال المختلفة، ويتحمل كثيرا من المصاعب وفوات الكثير من المصالح الدنيوية له ليحظى برضى خالقه والثواب عنده، وأما من يختار رؤية كونية مادية تحدد حياة الإنسان بهذه الحياة، فانه أيضا سيبني الجانب العملي له مع ما ينسجم مع تلك الرؤية.

كما أن الرؤية الفلسفية الكونية تترتب على ما يحدده الإنسان من منهج معرفي، فإن من يعتمد على التجربة مثلا كمنهج معرفي لا يمكن له الخوض في الميتافيزيقيا، ليثبت الها لهذا الكون خارج عن عالم المادة وحدودها، بينما من يستخدم المنهج العقلي فإن له ذلك بحسب ما تؤدي اليه براهينه العقلية.
وكل هذه الجوانب هي في الحقيقة نتاج عملة التفكير التي يمارسها الإنسان، والتي من المفترض أن تحكمها القوانين والضوابط المنطقية، فهو الميزان لعملية التفكير وبه يعلم الصحيح من الخطأ منها.

المبحث السادس: التربية والتعليم

إن الكمال الحقيقي الذي يمكن أن يناله الإنسان بالتربية والتعليم إنما يكون باستكمال قوى العقل النظري والعملي عنده، وكمال العقل النظري، هو أن يعلم كل ما في الوجود على ما هو عليه في الواقع ونفس الأمر ليعتقد به، ويكون عالما علميا مضاهيا للعالم العيني، وبعبارة أخرى هو تحصيل الرؤية الكونية الصحيحة الواقعية.

 وأن يدرك ايضا الخير والشر على أساس ما أدركه واعتقد به من الواقع التكويني، فالخير كل ما جلب كمالا والشر كل ما دفع كمالا أو جلب نقصا، وعليه يعمل الخير ويتجنب الشر، وبعبارة أخرى إدراك الأيديولوجية الصحيحة.
وكماله في قوته العملية هو أن تصدر أفعاله الاختيارية عنها، بما هي منفعلة عن العقل النظري الذي أدرك الرؤية الكونية التامة الفلسفية، وحدد الحسن من الأفعال والقبيح منها.
فالعقل يؤكد على سلوك النظام التربوي والتعليمي الذي يؤدي إلى تقوية هاتين القوتين وكسب الفضيلة اللائقة بهما.

 ففي مجال العقل النظري يبتدئ بتعليم الطالب القواعد العامة للتفكير الصحيح، لتكون ميزانا له في اكتساب العلوم والمعارف النظرية والعملية الكلية التي يريد أن يحصلها في المستقبل، وذلك في صناعة المنطق الذى هو خادم العلوم، مع التأكيد على صناعة البرهان التي هي ثمرة المنطق، ويجب عليه في هذه المدة من تأديب نفسه على استعمال تلك القواعد عند كل عملية تفكير، وتدريب نفسه عليها بتكرار استعمالها وتطبيقها على مسائل مختلفة، حتى يصبح استخدامها عند التفكير ملكة وخلقا راسخا في نفسه.
وبعد إتقان هذه القواعد، يصير ذهن الطالب مرتبا بشكل منطقي، وتصبح لديه القدرة على الاستدلال الصحيح، فيصبح مؤهلا للخوض في العلوم والصناعات الأخرى .

ومؤهلا للخوض في المباحث العقلية الاعتقادية بنحو منطقي برهاني، وبشكل موضوعي مجرد عن الميول العاطفية وبعيدا عن الضغوط المذهبية والعرفية، ليشكل رؤيته الكونية الواقعية والصحيحة عن العالم والإنسان والمبدأ والمعاد.

وبعد أن يتمكن الإنسان من معرفة ما هو كائن (الموجودات) على ما هي عليه في الواقع، يكون قد حصل على كمال وفضيلة العقل النظري، وهذا غاية ما تصل اليه عملية التعليم.

وأما بالنسبة للعقل العملي الذي هو المبدأ الأول للفعل الاختياري، فكماله وفضيلته هو أن يكون في مبدئيته للفعل الاختياري منفعلا عن العقل النظري، ومسيطرا على القوى النزوعية التي تميل بالإنسان نحو الملذات الحيوانية وهي قوة الشهوة والغضب، فلابد أن يكون هو المؤثر فيها والمسيطر عليها لا منفعلا عنها، وإنما يتحصل ذلك بتأديب النفس وترويضها بالرياضات النفسانية المتكررة، التي أساسها المواظبة على امتثال الأحكام الشرعية والتعاليم الأخلاقية ، وبتكرر صدور تلك الأفعال، والامتناع عن الأفعال القبيحة تحصل  هيئات في النفس، تتطور إلى ملكات وسجايا تتصف بها النفس، يسهل معها صدور الأفعال الحسنة والامتناع عن الأفعال القبيحة، فمن جهة الامتناع عن قبائح الأفعال تتخلى النفس عن رذائل الأخلاق والصفات، وهو ما يسمونه بالتخلية، ومن جهة العمل بالأفعال الحسنة  تحصل النفس الفضائل والسجايا الحسنة، وهو ما يسمى بالتحلية.

 إلى أن تحصّل النفس ملكة العدالة الأخلاقية التي بمقتضاها يتسلط العقل العملي على سائر القوى النفسانية لصالح حاكمية العقل النظري وولايته على سائر القوى في مملكة الإنسان، فيكون الإنسان عندها قد حصل على فضيلة وكمال العقل العملي، وهذا غاية ما تصل اليه عملية التربية.
ولكل واحدة من قوى النفس فضيلتها التي تحصل بالعدالة المذكورة، وحدي إفراط وتفريط، مذكورة في الكتب الأخلاقية المطولة.

نتائج البحث

أولا: أن عملية تقنين الفكر البشري ـ والذي سمي العلم الباحث عنه بعلم المنطق ـ تعد من أولويات البناء الفكري بجميع أبعاده، وهو أهم وأولى من عملية تقنين البناء المادي التي لم ينفك الإنسان عن تطوير تقنينها واكتشاف النظريات تلو النظريات لأجل ذلك، وهذا ما يؤمنه فهم المنطق وإحكام نظرياته وتحقيقها، إذ أن للمنطق دورا أساسيا في إحكام وتقنين عمل العقل وتنظيمه كما تقدم بيانه، مما يترتب عليه ترتيب عملية التفكير، وبالتالي يمكن أن يصل الإنسان بإحكامه وتطبيقه إلى نتائج مرضية يتيقن من مطابقتها للواقع، تؤثر تأثيرا مباشرا في بناء الفكر البشري على أسس وقواعد متينة في جميع مجالاته وأركانه.

ثانيا: إن اعتماد ميزان معرفي مقنن ومتفق عليه بين جميع المفكرين تقاس به الافكار والنظريات، ويعرف على اساسه الصحيح منها والسقيم يساعد كثيرا في تقيل حدة الخلاف بينهم، ويساعد في توحيد الفكر البشري وتقريب وجهات النظر بشكل كبير، مما يساعد المحافل العلمية للوصول الى نتائج متقاربة ومرضية ومقبولة لدى الاكثر.

ثالثا: إن للمنطق دورا أساسيا في عملية التربية والتعليم، حيث أنه يمثل الميزان لعملية التفكير التي هي الأساس لبناء وتقوية العقل النظري والعملي اللذان هما متعلق عملية التربية والتعليم. فلا مناص من الإهتمام بعلم المنطق وتدريسه بالشكل الصحيح الذي يؤدي الى الوصول للغاية والغرض من عملية التربية والتعليم.

الهوامش:

1ـ انظر: الإشارات والتنبيهات، ابن سينا،ج1، ص9 ، المنطق، محمد رضا المظفر، ص8.
2ـ انظر: الصحاح، الجوهري، ج5، ص1986، مادة عصم.
3 ـ الإشارات والتنبيهات، الحسين بن عبد الله بن سينا، ج1، ص10.
4 ـ نفس المصدر، ص11.
5 ـ انظر: النجاة في المنطق والإلهيات، ابن سينا، ص10 تحت عنوان (فائدة المنطق).
6 ـ انظر: المنطق، الشيخ محمد رضا المظفر، ص9.

* عضو الهيئة العلمية في اكاديمية الحكمة العقلية



займ на картукредит онлайн