التصنیف: عقلیّات, قصص معرفية
التاریخ: 22 أبريل, 2014
المشاهدات: 2٬403
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات: عضو الهيئة العلمية في الأكاديمية

خرج من بيته والهمُّ يعلو وجنتيه، قد افترست الحيرة نضارة عينيه، سار على عجلٍ بعد أن أعدَّ حقيبته واضعاً فيها أهمّ ما يحتاجه.. في طريقه باتجاه الجبل الكبير انطلق.. تارةً بسرعة وكأنَّه طريدة تهرب من صيادها، وأخرى بتثاقل المنهك من بطش القفار، وكانت أفكاره المتحاورة تنعكس على طبيعة سيره.

على هذا الحال المتقلّب مضت ساعة، آناتها أنّت من ثقل أنفاسه المتدافعة، مملوءة بالتيه والضياع. وما زال أمامه عشرون دقيقة وتستفيق الشمس وتدرك بروز جمالها، فتسارع في التواري حياءً، لتكون عيناها آخر ما تمنُّ به وأجمل ما يُرى فيها ـ لكن أجمل الأشياء أبعد منالاً ـ فما أعجلها على طيِّ جفونها، فتنكمش النفوس حسرةً وفزعاً بعد أن يزول بهاؤها المستعار منها، فتعاين ظلماتها وأكدارها.

التفت يميناً ليرى المقهى الذي يقع في أطراف المدينة، حيث يقصده ملل النفوس؛ توقاً إلى الهواء العليل الذي ينساب بين الجبلين، يداعب أوراق شجر التوت لتتمايل عازفة ألحان العزاء بأفول النور، وتعلن بدء حلقات التهجّد والتوسّل بأن يطلع صباح بهائها الجديد.

وضع حقيبته بجانب الكرسي، نادى على النادل، طلب كوباً من القهوة، وسرح يتصفّح أحوال الجالسين، حيث فيهم من أنواع البشر على اختلاف ألوانهم وأذواقهم واهتماماتهم، وإذ داهمه سؤال شَعَر معه بالغباء : لِمَ هم مختلفون في ملابسهم إلى هذا الحدِّ؟ وقبل أن ينهي ابتسامة سخريته من نفسه فاجأه سؤال ساذج آخر : لِمَ هم متعدّدو الأذواق والأهواء؟

تفاجأ ممَّا يعرض على ذهنه من تساؤلات لم يجرّها إليه إلَّا ما عانى منه في السنوات الماضية من التيه بين مذاهب وأفكار استعصى إحصاؤها، محاولاً البحث عمَّا يبرِّر هذا الاختلاف بين كائنات يفترض أنَّها تميِّزت بعقل سادت به ما حولها.

وهنا تفطن سائلاً هل الأفكار كالأذواق؟ هل يحقُّ لأيٍّ منَّا أن يعتقد ما يريد كما يحقُّ له أن يرغب في طعامٍ وينفر من آخر، ويحبّذ لباساً ويتجنب غيره؟ هل نحن ـ بني الإنسان ـ نفكّر كما نشعر، ونعتقد من بين الآراء كما نشتهي ونرغب بين اللذائذ؟ إذن، لا معنى لأن تسأل أحداً لما يستطيب ذاك الطعام أو ذاك الشراب؛ إذ الذاتي لا يعلَل كما يقولون، وكلٌّ منَّا يلتذ بما يناسب طبيعته، وطبيعته له لذاته.. ولكن هل الموقف من السؤال عن وجه الاعتقاد برأي، أو اختيار مذهب، أو قول فيه استغراب واستهجان؟

تفضل سيّدي كوب القهوة خاصتك ، فاجأه النادل مبتسماً بحذر ممَّا يشوب وجهه من حالةٍ جعلته يبدو كمن هو في لا مكان ولا زمان، كشبحٍ معلّق في لوحة بيضاء اختفت فيها كلُّ المعالم.

انتبه من سياحته الغريبة في دارٍ باتت تستغرب مَن يزورها؛ إذ استعيض عنها بأسوار خشبيّة مزيّنة تؤنس مَن نظر إليها، فيؤثر الدوران حولها غافلاً عن لحظة لا بدّ لها أن تأتي بحرٍّ لئيم، أو أخرى يتدفق فيها برد قاسٍ، حيث لا مأوى منهما ولا تغني زينة الأسوار دونهما.

ابتسم له بخجل.. شكراً جزيلاً.. تناول قهوته وعينه على مقصده أعلى الجبل، حيث ينوي أن يقضي خلوة يستغرق فيها بفكره دون ملهيات الآنات، التي ما تفتأ تقطع عليه الوصول لبغيته، حيث تستريح نفسه بإدراك السبيل للخروج من نفق حشرت فيه البشرية عنوةً، حتى صار بعضهاً؛ يأكل بعضا ليتسنى لها السير داخل النفق، الذي لا يعلم إلى أين ينفذ، وعلى أيَّ فوهة بركان يطلُّ آخره.

نادى على النادل، دفع الثمن، حمل حقيبته، رمق الجالسين بلحظةٍ خاطفة وكرَّ مسرعاً قبل أن تسدل الشمس جفونها، وتأذن للؤلؤ عينيها أن ينساب ويرسم الشفق.

سار خلف عقله الذي سئم تثاقل بدنه، وطار نحو المقصد، واستقرَّ منتظراً لحوقه به، مرّت خمس عشرة دقيقة، وقد وصل إلى طريق الجبل الفرعي، فجدّ الزحف مقتحماً ظلمته محطّماً صمته، وكاد أن يهمَّ بالصعود، لولا عثرة أردته في حضن الأرض، التي لا يسعى إلَّا للخلاص من سلاسل غرزت أوتادها فيها منذ أن أذن بدوران الفلك وتدفق الزمن.

شعر بثقل هائل يزاوج خده بقذر التراب، استوى جالساً بضعف مخزٍ، ثمَّ ارتأى أن يجلس على الصخرة أسفل الجبل قبل أن يهمَّ بالصعود، اتكأ يلتقط أنفاسه ويُهدّئ من روعه، ويحاول ترتيب أفكاره، فقد مرّت عليه سبعون ساعة من العصف الفكري والسعي الحثيث للخروج من متاهات التاريخ التي زُرع فيها دونما استئذان، شعر فيها وكأنَّه ريشة بيضاء مفرطة في النعومة تقف بوجه إعصار هائج يفقد ما يعترض هويّته ويحوّله أشلاءً.

أسند ظهره إلى الصخرة، وراح ينزلق ببطءٍ مسدلاً جفونه، وقد ارتخت عضلات وجهه إلَّا عيناه راحت ترتجف وكأنَّهما فوهتا بركان عن اليمين وعن الشمال، تتزلزل تأهباً لقذف الحمم وسيل النيران، فما كاد يمدّد قدميه حتى انهمرت دموع تتوق إلى الإفلات من سلاسل الكبت لتخطّ قصّة التيه البشري وجريمة الإنسان، لم يستطع إلَّا أن يواسي دموعه بآهات مختنقة بالكاد تسمع، يا له من ألم يعجز البكاء أن يطفئ ناره، وتقهر الآهات أن تهدم أركانه، إنَّه عذاب حقيقي وليس مجرّد ضيق تصطنعه النفس بأوهامها، إنَّه أمر جدَّ مصيري، ليس الانشغال عنه لمن وعى قيمة إنسانيّته بمقدور، بل يبقى قريناً يلاحقه كيفما التفت وأينما حلَّ ومتى استسلم له أرداه صريعاً، وسرقه أعزَّ ما لديه، إنسانيّته.

حاولت عبثاً أن تتسلل السكينة علها تبذر فيه إرادة تأبى الخنوع، ليجمع أدوات تعقله ويدكّ بها قفصاً تعاونت على حبكه أظافر حُنِّئَت بالسُمِّ. ولكن دون جدوى.. شعر برغبة في صراخ ينال مَدُّهُ تاسع الأفلاك، فتضطرب النجوم متأرجحة وكأنَّها تهمُّ بالسجود خضوعاً لألمه واعترافاً بشكواه.

تدفّق النواح مطهَّراً صدره، وتلوّى على أنغامه ينثر غيث الأرض، فتخطفه عطشاً، وينطلق لسانها لتنشد حكاية الإنسان. غار التراب من زخات الدمع، وكأنَّ ثغر الأرض قد كسرت أقفاله، فصدحت تخاطبه بحدّة قبطانها الرفق، وبقسوة ترجمانها الصدق:

يابن بطني وأفضل ولدي، أما حبيت نعمة أن تحبّ؟! فلماذا كرهت؟! أما شابهتني بأن خولت أن تعطي، فكيف منعت؟! ألست بالعفو ازدنت، فلماذا ظلمت؟! وما أجمل ما ميِّزت به بأن تعلم وتعقل، والعجب كلُّ العجب أنّي أراك جهلت!!

حقّاً أخجلتني يابن مائي وترابي، فقد نظرت في تاريخك مذ دبّت أناملك الرقيقة تداعب وجناتي إلى أن انبلج صبح مسيرتك، فما أقل ما سرّني وما أعجزني عن إحصاء ما ساءني. لكَمْ تطربني هذي الدموع، وما أكثر الباكين ممَّن أغرقني بسيولها، وما تكاد تستقر حتّى أتألم من أجاجها، يا ليت كلَّ الدموع كهذي تحيي ما جيّفته السنون، وتبشّر بغدٍ يعد النجاة، ويؤذن بعيشٍ تحمله أكفُّ التعاون، وعِشرة تحرسها أنامل التكافل.

يا لها من دموع تعلن الصدق شعاراً في تعانق الأفكار والآمال، وتخطُّ للأهداف صراطاً يماثل بينها، فتتوحّد لنيل العلم واعتدال العمل. أردفت خاتمة مناجاتها بخفوت محاكية خجل الدموع، ما أحيلها قطرة أخيرة تَسِرُّ إليّ أن حان وقت النهوض. نهض بحزمٍ يحمله بساط العزم منطلقاً يخطو على رقاب العشب، وقد تطأطأ احتراماً بعد أن بلّله الليل بندى مواساة استأذن الفجر إعارته إيّاه.

لحظات وإذ به أعلى الجبل يلحق بعقله الذي لم يطق الصبر على مجاراة بدنه، وما إن وطأت قدماه القمة وإذا بمحفلٍ قد جمع من العقول ما يسحر من يشهده، جثا على ركبتيه مشدوهاً، وقد أبصر عقله من بينهم قد كلّله البشر، وأنصت لعقلٍ قد انبرى فيهم خطيباً يعلوه من البهاء والجلال ما أسكرهم عن لحظ سواه.

وإذا به يسمعه يتساءل فيهم باستغرابٍ ملئه الأسى: ماذا جرى حتى حلَّ فيكم التناحر والتخاصم ضيفاً تمَلك مغتصباً وأبى الرحيل؟ ما بالكم قد نسيتم كيف تتلاقحون ببذر الحكمة؟ وما تلك الأشجار التي نبتت في أنوفكم حتى حجبت عنكم رؤية ما أنتم عليه وإلى ما تصيرون؟ منذ متى وأنتم تحذون حذو أهوائكم، تطيعونها وكأنَّها السادة وأنتم العبيد؟

انظروا ما أضحى عليه حالكم، قد التهمت الظلمة رداء النور، فأضحيتم عراة وسارعتم للتواري خلف زينة أجسادكم. قد علّمتم اللغة التي تناجون بها الكون بأسره، والتي أبت الحقيقة إلَّا أن تملككم بلسانها وحروفها، فما الخطب الذي جرى حتى تباينت لغاتكم وعجزتم التحاور والتواصل وسئمت الحقيقة من داركم، وأضحت علومكم تحذو حذو رغبات الأبدان لا يعلم لها استقرار ولا قرار؟! وأعجب ما فيكم أن منكم مَن تنكر لذاته، وضادّ كينونته، وسلخ هويّته، وألبس تاج الحكم لخدمه.

ألم يطف في كلِّ حينٍ من يذكّركم بمنبتكم ويحذركم حفراً اتخذتموها موطناً؟! إن كان البقاء في الوادي ألذّ، ولكن أليس صعود القمة أطيّب وأطهر؟! أفَيُزهَد بالعرش لاستجدائه العزم والصبر وتركنون للسبات وسلاسة الانحدار؟! يا حبّذا! لو تستفيقون عاجلاً قبل أن يداهمكم الفزع، يا حبّذا! لو تبصرون غربتكم.

تفاجأ ممَّا طرق سمعه وزهق زهقة جذب فيها عقله إليه، وساح في رحلة طرب ونشوة ممَّا سمع. آه وأخيراً ها أنا عثرت على من يعبّر عن مكنون ما أعجزني البوح به وتلكّأ لساني في تبيانه، ها أنا أسمع أوجاعي تُرتَّل على مسامعي ضماداً يُبرئ جروحاً ويُجبر كسوراً.

عجباً ما لتساؤلاته بقيت بلا أجوبة؟ّ تساءل بدهشةٍ سارع إلى إزالتها بالتفطن وقال: صحيح لا عجب فإنَّ السؤال جواب كما العتب ودٌّ وحبٌّ.

شكراً لك شكراً، تنشده نسمات جوارحي، ومشكاة جوانحي، ولك أقدّم عقلي رقيقاً لتهيل عليه من شرف الحقّ والحقيقة، فينعتق من رقّ الهوى.

انبرى واقفاً، قد ثارت فيه روح الأمل، التفت خلفه أشبع ناظريه من مشهد مدينته المتلألئة أنوارها، وكأنَّها استبشرت به تتراقص فرحاً لرؤيته، قادماً يجرَّ سيلاً يكشط رواسب الكسل والخنوع عنها ويدرأ حفر الجهل فيها، ويفتّت أركان الشَّرَه، ويسقي طينة تفسّخَت يبساً لتنبت روضة أكلها الحكمة وفيئها الفضيلة.

خطا نحوها شبقاً تهلّل له الأرض تتلوّى تحته غنجاً، ونادت الشمس أن أشرقي واهجري الحياء؛ لتشهدي عرسي، وتغنّي لبعثي أنشودة الحياة.