التصنیف: عقلیّات, قصص معرفية
التاریخ: 5 أغسطس, 2015
المشاهدات: 1٬767
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات:

حكاية الإنسان الحلقة الثانية

في أعلى الجبل المطل بشموخه على المدينة والمطالع من عليائه صفحات التاريخ التي خطتها البشرية بألوان تموجها كانت تلك الشجرة الضاربة بجذورها في أعماق الأرض المناطحة بأغصانها السحاب في أبراجه لتعرقل انسيابه في بحر السماء علّها تبطئ من دحرجة الزمن المتعاظم من كثرة ما حمل من ملامة السائرين تحت ظله تبرئة لأنفسهم من كل وزر.

وبعدما أنهت الشمس حفل اغتسالها في بحر الستر وعادت لتطل بجلالها بخطوات حذرة تحاكي خوفها من أن تدنس كما في كل يوم عاينته فتضطر للغوص مجددا في بحر الظلام حيث تدفن في قاعه أدرانها.

وحينما هم ذلك المستبشر بآماله بعد حفل عتاب العقول الذي ألهمه العزم وبث في أركانه الحياة سائرا نحو المدينة وإذ بهمس تتقاطر حروفه بتأن ينتظم دقات القلوب على إيقاعه وتتماسك حركات الأطراف من فرط حذره.

التفت بطرف عينيه ولما يجرؤ بعد أن يدير برأسه ليعاين مصدر الهمس …

عاد الهمس مرة أخرى وهو بالكاد يفهم التفت وهو يتوقع ما يخيفه استمرت استدارته التي كلما طالت زاد بطؤها…

لم يجد شيئا فاستعاد ذاته وفك قيود الارتباك عنه وتنفس بعمق تحاكي شهقته تثاقل سابق حاله وتروي زفرته اندفاع بشره.

-أيها الساعي وراء انفعال سروره والظان لشدت أمله أنه سينال بغيته تمهل وكن بالأناة متجلببا….

سمعه صوتا لا يدري من أين تدفقه أجال ناظريه في محيطه وهو يتعثر في تفقده ولكن دون جدوى ثم رمق الصمت بحدة سكونه وتسلل إليه أن ليس من متحدث خارج حرم فكره وإنما هو عقله يناجيه ويستمهله.

جثا على ركبتيه هنيهة ثم رمى بنفسه مستلقيا في أحضان الأرض فتسابق العشب لضم أطراف ثيابه ونادته من تحته إلي يا ولدي أضمك كما بالأمس لأذيب بحرارة عشقك للحقيقة أذى العقوق الذي جرعني إياه إخوتك أرطالا على مر الدهور.

أغمض عينيه وراح ينصت بتمعن لهمس عقله الذي سارعه قائلا:

-خيبت أملي في تعجلك وكدت تهوي حيث تصرع من فرط أملك.

أجابه والعجب يرسم على محياه غربة قوله وحيرة سامعه:

-ألم تسمع ما قاله ذلك العقل لقد جعلني أشعر وكأنني أنا المتحدث إذ أباح بمكنون نفسي وأراح قلبي من ألم الحيرة …

قاطعه مستمهلا:

-ليس فيما قاله إلى إلا عتاب واستغراب فما الذي قدمه لك لتفعله سوى التركيز على الغايات والنهايات أما كيف تمضي؟ ومن أين تبدأ؟ فلم يتحدث عنه أبدا.

ولكنك بمجرد ان أنهى كلماته! اشتعلت مشاعرك! وحملك الأمل على أكفه وبالكاد استطعت استمهالك لولا خوفك وحذرك.

أطرق متأملا ثم قرّع نفسه قائلا:

-إن أولى علامات التعقل أن تتدبر قبل إقدامك فتفحص منشأ مشاعرك لتكتشف زيفها فتحجم، أو صدقها فتقدم، ثم خاطب عقله مستعطفا:

-اعذرني! فضعفي قيّد لمشاعري أن تسوقني فأُفرِط في الحماس فحمدا لله أنك التقطني قبل أن أهوي فأفرِّط فيما كنت أسعى إليه بإفراطي في الرغبة به.

ثم استأنف قائلا:

-حسنا أيها الرفيق الوفي والخليل النبيه تجاوز عن نزقي ودعنا نقوم بوضع معالم الطريق حتى أكون على بينة من أمري!

-هو كذلك.

-إذن فماذا تقترح؟

-لعلك لم تنسى أن هناك أربعة خطوات يجب أن تكون حاضرة أمامك وواضحة جلية عندك قبل أن تشرع في سفر إنجازها!

-حبذا لو لم تعتمد على ذاكرتي فتكمل إكرامك بهَدْيِ إلى ما ترمي!

-حسنا لا بأس إليك ما أرومه، عليك أن تعين غايتك أولا.

-قد عينتها مسبقا كما تعلم فإني أتوق إلى الرقي بنفسي وبمجتمع إنسانيتي نحو الحقيقة والتكامل بعد أن نفهم جميعا طريق الحقيقة والتكامل بالنحو الصحيح وبعد أن نربي أنفسنا جميعا على الإخلاص في طلبهما فنكون بذلك متعاونين في البحث ومتكافلين في العمل.

– جيد وهذا يعني أن هناك حالا غير مرضي وغير سليم تسعى إلى تبديله أليس كذلك؟

-بالتأكيد! فإننا نعيش في صراع فكري على مائدة التحيز والتعصب قد استشرت في نفوسنا الروح الفردية والفئوية فحكمت الأنا الشخصية سلوكنا فيما بيننا كأشخاص وتحكمت الأنا الجماعية في سلوكنا فيما بيننا كجماعات فشاع التنافس لتحصيل السيطرة ونيل المكاسب وصار كل حزب يرى الخير في بسط سلطته مما حفز على مزيد من التقسيم والشرذمة للكيان الإنساني وعلى مزيد من الأنانية واللامبالاة بالآخرين.

– إذن هنا يأتي دور الخطوة الثانية وهي أن تعلم أسباب ذلك الحال الذي تريد تغيره وموجباته التي جعلت من المجتمع الإنساني يزداد إيغالا في التناحر وبعدا عن التكافل والتعاون وانحرافا عن الأهداف اللائقة بإنسانيته.

-تقصد العوامل التي جعلت منه منقادا على هذه الشاكلة؟

-بالتأكيد! ودعني أقترح تسميتها مكامن الضعف في الطبيعة البشرية.

-فليكن! فهي في النهاية ليست إلا كذلك ولكن كيف سنحددها؟ هل سنستقرئ أحوال المجتمعات أم سنحلل الطبيعة البشرية لنستدل من المبادئ على الآثار ومن المتقدم على المتأخر؟

-سؤال نبيه وجوابي: فليكن الأمران جميعا!

-إذن فماذا ترى من تلك الأسباب الكامنة وراء ذلك؟

-لا تتعجل فهناك أمر لا بد من أن تعلمه قبل ذلك، عليك أن تتحلى بالصبر!

-عذرا جد علي بما عندك.

-دعنا ننظر إلى المشكلة لنحللها:

هناك حالات التكتل والتحزب هذا أولا وهناك عملية تحكم وسيطرة تمارس على تلك الجماعات هذا ثانيا وهناك عملية انقياد وتبعية أليس كذلك؟

-كذلك بالضبط كما تقول.

إذن وانطلاقا من ذلك فعلينا أن ننظر في أسباب الانقسام أولا ثم في أساليب التحكم بالناس ثانيا ثم ثالثا في أسباب الانقياد من قبل العامة لها.

-هذا كله في أسباب المشكلة؟!!! فماذا أبقينا للحل؟!!!

-إن دراسة المشكلة جيدا هي التي تدل على مكامن الخلل بشكل دقيق وبالتالي إذا ما شخصت كذلك فحينها سيكون بالإمكان التعرف على حلولها بنحو جلي وتام، وليس ذلك فقط بل وعلى الآلية الممكنة لتطبيق تلك الحلول.

-حسنا! ولكن أليس التعدد أمرا لازم بالضرورة لطبيعة المجتمع البشري؟ إذ الإختلاف وتعدد الأعراق والشعوب والأوطان أمر لا محيص عنه وهو أمر تكويني وليس اختياريا وتابعا لأفعال البشر.

-لقد ذهبت بعيدا عن مقصدي فليس ما عزمنا معا على البحث عنه هو السبب وراء التنوع البشري بمختلف أطيافه خصوصا إذا كان هذا التنوع تكوينيا وطبيعيا.

-فإذن كلامك على التعددية والانقسام الناشئ عن الأمور الاختيارية؟

-ليس كذلك بالضبط فالمشكلة ليست في وجود التعددية التكوينية ولا حتى دائما في الاختيارية منها وإنما المشكلة في تكريس الانقسام والتعدد بحيث يصير معيارا في تحديد السلوك ونحو المعاملة.

-تقصد أن يتم بناء العلاقات وتحديد الواجبات تجاه بعضنا البعض على أساس التصنيف إلى فئات وأحزاب؟

-دعني أشرح مرادي بالقول إننا كبشر تجمعنا خصائص إنسانية تقتضي نمطا معينا من السلوك فيما بيننا وبالتالي إذا ما أضفنا إلى إنسانيتنا اعتبارات وقيود زائدة لتحديد دائرة سلوكنا تجاه بعضنا البعض فلا نقوم بمقتضيات الإنسانية إلا مع من يندرج تحت دائرة الإطار الذي حددناه وأضفناه فعند ذلك نكون قد كرسنا الانقسام في سلوكنا واستوردنا التنوع الذي نتمتع به زائدا على الجامع الإنساني الذي يجمعنا ليصير متحكما في سلوكنا تجاه بعضنا البعض.

– أه! فهمت ما ترمي إليه فمثلا عندما نجعل من الانتماء العرقي أو الوطني أو الحزبي أو الديني أو غير ذلك معيارا في اختيار من نقوم معه بالواجبات الإنسانية العامة فعند ذلك نكون منقسمين الانقسام الذي يحدو بنا إلى التكتل والتناحر.

-نعم هو كذلك. ولذلك فنحن نحتاج إلى البحث عن أسباب تكريس هذا الانقسام وتحول التنوع إلى شرذمة.

-اسمح لي! لقد خطر في نفسي خاطر! وهو أنه لا بد من التمييز بين التنوع التكويني والتنوع الاختياري لأن تنوع المذاهب والفرق والرؤى النظرية والإيديولوجية هو بنفسه يحمل على تكريس الانقسام العملي مضافا إلى أنه ناتج عن خلل في الطريق المعتمد لتبني هذه الأشكال المتعددة من الأفكار.

– أحسنت! ها أنت تنبهت إلى ما عنيته قبل ذلك من قولي “ولا حتى دائما في التعددية الاختيارية” فإن هذا النحو من التعددية يشمل أصنافا تنشأ عن خلل في التفكير والتنظير ونتيجة لتحكم معايير لا ترتبط موضوعيا باكتشاف الحقيقة مع أن هذه الأصناف تسعى لتتصدر عملية التنظيم والتوجيه للمجتمع البشري مما يجعلها في حالة صدام مع الأصناف الأخرى المتبنية لرؤى مختلفة عنها مما يكرس صراعا على الشكل والهيئة التي يفترض أن يكون عليه سلوك المجتمع البشري وعلى الغاية المتوخاة من ذلك.

-أفهم من كل ذلك أننا بصدد البحث أولا عن أسباب تكريس الانقسام العملي في المجتمع الإنساني وهذه الأسباب ترجع إلى نحوين الأول منهما أسباب عملية سلوكية تقضي بتضييق دائرة المعنيين بالواجبات الإنسانية والثاني منهما أسباب فكرية تقضي بالاختلاف الحاد حول كيفية إدارة وتنظيم شؤون المجتمع الإنساني.

-أحسنت! وإذا ما حددنا هذه الأسباب ننتقل إلى الفحص عن الأساليب المستخدمة للتحكم بالناس وعن أسباب انصياع الناس لتلك الأساليب وبعد أن يتم لنا كل ذلك ستظهر لنا مكامن الضعف في الطبيعة الإنسانية وهذا ما سيقودنا إلى تحديد كيفية التعامل معها والسبيل إلى تفادي سلبياتها.

-أضمن لك الآن أنني جاهز للمضي قدما في سفر البحث والفحص فإن الخريطة قد أصبحت ماثلة أمامي أعاينها عن كثب وقد ملأني الشوق والحماس لاستكشاف ما تخبئه لنا من أسرار وخبايا، واسمح لي بعد أن وعيت بحقيقة وجلل المهمة التي أتطلع إليها أن أكرر اعتذاري وأسفي على انزلاقي بزيت سذاجتي وتهوري فبعد أن أدركت ما أدركت فإني لا أملك إلا أن أخجل من نفسي عندما أذكر ما كنت بصدد الإقدام عليه.

-لا عليك! فالمهم أننا هنا الآن!

-فإذن دعنا نش….

فجأة!

توقف عن الكلام وأرخى اندهاشه ملامح وجهه وكأنها تميل إلى أن تذوب وينهار هو معها عجبا!

يا له من امر لا يصدق! كيف لذلك ان يحدث؟! راح يتلفت يمينا وشمالا، وصرخ:

-إنه يحدث في كل مكان!

وفي لحظة الغرق في بحر دهشته أحس بأنامل تعقله تنتشله من قاع الغرابة والعجب وتعيد إليه رشده فخاطبه الخليل بأوتار ترتجف من نشوة الفرح:

-هذا ثمر وعيك ورشدك! هذا مظهر إنسانيتك التي تلقتها الأرض وتأبطت بها كما يتأبط الطفل بعنق أمه حينما يهم أن يسقط! وها هي تحاكيها وتناجيها وتحكي رقيها بلسانها الخاص.

انظر لدموعك! كيف تتلقفها بقع التراب اليابس بين الحشائش إنها ندبات القهر والعذاب والحرقة واليأس على ابن الأرض، على الإنسان، انظر لتلك الأزهار التي نمت من حرارة التقائهما وتعانقهما، انظر… انظر….



займ на картукредит онлайн