التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 27 يناير, 2014
المشاهدات: 2٬631
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات:

عناوین المقال

سبب العلم بالشيء وسبب وجود الشيء

ينبغي أن يعلم أنّ سبب وجود الشيء غير سبب علمنا نحن بوجوده. وكلّ برهان فهو سبب لعلمنا بوجود شيء ما. ولا يمتنع أن توجد في البرهان أمور تكون سببا لوجود ذلك الشيء أيضا، فيجتمع في ذلك البرهان أن يكون سببا لعلمنا بوجود الشيء وسببا مع ذلك لوجود ذلك الشيء. ومتى لم يوجد فيه أمر هو سبب لوجود الشيء كان البرهان هو سبب لعلمنا بالوجود فقط.

ولمّا كان البرهان من ثلاثة حدود أحدها الأوسط والآخران هما جزءا النتيجة، والحدّ الأوسط هو أملك بالبرهان من سائر أجزائه وهو أوّلا السبب ثمّ البرهان بأسره، ففي البرهان الذي يجتمع فيه الأمران يكون الأمر الذي يوجد فيه حدّ أوسط هو سبب وجود الشيء الذي يبرهن، وانضيافه وائتلافه مع سائر أجزاء القياس هو السبب في لزوم حصول الشيء في أذهاننا معلوما أو مظنونا.

والجواب عن «لم هو الشيء» هو بأن يذكر السبب. والحرف الدالّ على الشيء المقرون به سبب الشيء المسئول عنه هو حرف «لأنّ» وما يقام مقامه في سائر الألسنة. فيكون الجواب عن حرف «لم» هو حرف «لأنّ».

والبرهان كما قلنا هو سبب لعلمنا بوجود الشيء واعتقادنا بوجوده وقولنا بوجوده.

فلذلك متى سئلنا «لم كذا هو كذا» أمكن أن يكون سؤالا عن السبب الذي‏ به علمنا أو اعتقدنا أو قلنا إنّه كذا. فلذلك قد يقرن حرف «لأنّ» بالبرهان بأسره، إذ كان البرهان بأسره سبب ذلك، ونقرنه بالمقدّمة الصغرى التي محمولها الحدّ الأوسط. وهذا هو الذي نستعمله أكثر ذلك، كقولنا «لم نقول إنّ هذا المطروح هو بعد في الحياة» فإنّا نقول «لأنّه يتنفّس»، فقولنا «يتنفّس» هو سبب لقولنا وعلمنا أنّه يعيش، وليس هو السبب في أن يعيش.

والضمير الذي جعل مع حرف لأنّ إنّما نعني به الحدّ الآخر الذي هو الإنسان المطروح. وإذا قلنا «لأنّه يتنفّس وكلّ من يتنفّس فهو في الحياة» نكون قد أجبنا بالبرهان بأسره، وكان الحمل، ولم يبق في لزوم ما لزم موضع مسألة.

فإنّه إذا اقتصر على قوله «لأنّه يتنفّس» أمكن أن يكون فيه موضع مسألة عن صحّة اللزوم بأن يقال «لم إذا كان يتنفّس فهو في الحياة»، فإذا أجبنا بأنّ «كلّ من يتنفّس فهو بعد في الحياة» فلا يبقى موضع مسألة عن صحّة لزوم ما لزم.

فإن سأل بعد ذلك «لم صار أو لم قلت-كلّ من يتنفّس فهو بعد في الحياة» فليس يسأل عن صحّة لزوم ما يلزم عن المقدّمتين وإنّما يسأل عن صحّة هذا المقدّمة وصدقها، ولزوم ما يلزم صحيح وإن كانت هذه المقدّمة غير معلومة.

واستعمال حرف «لم» في السؤال عن سبب علمنا بالشيء واعتقادنا له أو قولنا به هو بنحو متأخّر، فاستعمالنا له في السؤال عن سبب وجود الشيء هو بالنحو المتقدّم.

مواضع استعمال حرف هل في العلوم

وحرف «هل» يستعمل في العلوم في عدّة أمكنة. أحدها مقرونا بمفرد يطلب وجوده، كقولنا «هل الخلاء موجود» و «هل الطبيعة موجودة».

تفصيل في معاني لفظتي موجود ووجود

الموجود بمعنى الصادق والوجود بمعنى الصدق

فإنّ كلّ واحد من هذه وأشباهها هو في الحقيقة مركّب، وهو قضيّة. فإنّ الموجود محمول في الذي يطلب وجوده، وهو الموضوع الذي يقال فيه «هل موجود» -ويعنى بالموجود هاهنا مطابقة ما يتصوّر بالذهن عن لفظه لشيء خارج النفس. فمعنى السؤال: هل ما في النفس من المفهوم عن لفظه هو خارج النفس أم لا، وهذا هو هل ما في النفس منه صادق أم لا -فإنّ معنى الصدق أن يكون ما يتصوّر في النفس هو بعينه خارج النفس-فمعنى الوجود والصدق هاهنا واحد بعينه.

الموجود بمعنى ذو الماهية والوجود بمعنى الماهية والقوام

وقد يقال فيما علم فيه أنّ ما يفهم عن لفظه هو بعينه خارج النفس «هل هو موجود أم لا». فإذا طلب فيما علم أنّه موجود بالمعنى الأوّل «هل هو موجود أم لا» فإنّما نعني بهذا الطلب هل لذلك الشيء ما به قوامه وهو فيه. فإنّ وجود الشيء بعد أن يعلم أنّ ما يعقل منه بالنفس هو بعينه خارج النفس إنّما نعني به الشيء الذي به قوامه وهو فيه.

فإذا أجيب وقيل «نعم»، قيل بعد ذلك «ما وجوده» و «ما هو» -يعنى به ما الذي به قوام ذلك الشيء –فيكون الجواب حينئذ بما يدلّ عليه حدّه لا غير. فحينئذ ننتهي بهذا الطلب فلا يبقى بعد ذلك شي‏ء يطلب فيه.

فيتبيّن أنّ الذي به قوامه هو أحد أسباب وجوده. ومعلوم أن قولنا «هل الشيء موجود» على الوجه الثاني إنّما نعني به هل له سبب به قوامه في ذاته. فإذا صحّ ذلك قيل فيه بعد ذلك «ما ذلك السبب»، فتكون قوّة هذا السؤال قوّة لم هو موجود.

الموجود بمعنى الصادق في العلاقة مع المحمول والوجود بمعنى صدقها

 وقد نقول «هل كلّ مثلّث موجود زواياه مساوية لقائمتين» و «هل كلّ إنسان موجود حيوانا». على أنّ ما نعني بالموجود هاهنا كلمة وجوديّة يرتبط بها المحمول بالموضوع حتّى يصير القول قضيّة حمليّة، ونعني به هل هذه القضيّة صادقة وهل ما تركّب منها في النفس هو على ما هو عليه خارج النفس.

الموجود بمعنى ذاتي له

وقد يعني قولنا «هل كذا موجود كذا» هل وجوده أنّه كذا، ونحن نعني هل كذا قوامه أو ماهيّته أنّه كذا، كقولنا «هل كلّ إنسان موجود حيوانا» أي هل كلّ إنسان قوامه وماهيّته أنّه حيوان، وهذا هو هل كلّ إنسان سبب وجوده أن يوصف أنّه حيوان بحال كذا. فإذا قيل «نعم» وصحّح ذلك يتبيّن بذلك أنّه قوام الإنسان وسبب وجوده. فيكون قد تبيّن لم هو موجود إمّا بجميع أسباب وجوده أو بواحد منها.

الموجود بمعنى موصوف بالذات

 وقد نقول «هل كذا موجود كذا» ونحن نعني هل كذا وجوده يوجب أن يوصف هكذا وأنّه كذا ونعني هل كذا ماهيّته توجب أنّه كذا أو أنّه يوصف بكذا، فيكون السبب الذي به قوام كذا هو أيضا السبب في أن يوصف أنّه كذا -كقولنا «هل كلّ مثلّث هو موجود زواياه مساوية لقائمتين» قد نعني به هل كلّ مثلّث ماهيّته توجب أن تكون زواياه مساوية لقائمين أو هل الذي به قوام كلّ مثلّث هو السبب أيضا في أن تكون زواياه مساوية لقائمتين. فإذا قيل «نعم» وصحّح أنّه كذلك يكون قد تبيّن السبب في أنّ زواياه مساوية لقائمتين وأنّ ذلك السبب هو السبب أيضا في قوام المثلّث.

فهذه كلّها سؤالات ثلاثة. فإنّ المطلوبات البرهانيّة التي هي في الحقيقة برهانيّة هي هذه.

السؤال بـ “هل” عما علم صدقه

فهذان سؤالان[1] عن القضيّة قد يكونان في قضيّة قد علم صدقها. فإنّ القضيّة قد تكون صادقة، ويعلم أنّ كذا هو كذا، ولكن:

 لا يعلم هل الموضوع ماهيّته أنّه كذا.

 ولا يعلم هل أنّ الموضوع وجوده يوجب أن يوصف بمحمول ما سواء كان ذلك المحمول ماهيّة ذلك الموضوع أو جزء ماهيّته أو شيئا به قوام ذلك الموضوع.

ولا يعلم أيضا هل ماهيّة ذلك الموضوع أو جزء ماهيّته أو شي‏ء به قوام ذلك الموضوع ليست توجب أن يوصف بكذا. فإنّ قولنا «الإنسان أبيض» صادق، وليس الأبيض ماهيّة الإنسان ولا جزء ماهيّته، ولا ماهيّة الإنسان توجب أن يكون أبيض، فلذلك يحتاج إلى هذا الطلب.

السؤال بـ “هل” عما لم يعلم صدقه

وقد يكون ذلك فيما لم‏ يعلم صدقه، فيكون السؤال بـ «هل هو» ينتظم حينئذ هذين جميعا، فيكون سؤالا برهانيّا. وأمّا إذا كان سؤالا عن الصدق أيضا، فذلك هو سؤال يشتمل على البرهان وعلى غير البرهان.

وقد يقول قائل: إذا كان معنى «موجود» إنّما يعنى به أحد هذين فكيف يصحّ أن يقال «الإنسان موجود أبيض» فيكون صادقا. فالجواب أنّ الشيء قد يكون موجودا كذا بالعرض وقد يكون موجودا كذا بالذات.

معنيا وجود الشيء بالذات

فالإنسان موجود حيوانا بالذات لأنّ وجوده وماهيّته أنّه حيوان، والمثلّث موجود أنّ زواياه مساوية لقائمتين بالذات لأنّ وجوده وماهيّته توجب أنّ زواياه مساوية لقائمتين. وهذان هما معنيا وجود الشيء بالذات وشريطتا كلّ مطلوب علميّ.

مراحل السؤال بـ “هل” وسبيل تمام العلم وكماله

وكلّ طلب علميّ يقرن بحرف «هل» هو طلب سبب الشيء الموضوع الذي عليه يحمل المحمول وما ذلك السبب، أو طلب سبب وجود المحمول الذي يحمل على موضوع ما وما ذلك السبب، فإنّ حرف «هل» في العلوم فيما علم صدقه ينتظم هذين. وفيما لم يعلم صدقه من القضايا ينتظم الثلاثة كلّها.

فالجواب الوارد يجب أن ينتظم إعطاء الثلاثة بأسرها فيما لم يكن علم صدقه قبل ذلك، وفيما كان قد علم صدقه قبل ذلك فينبغي أن ينتظم الأمرين.

غير أنّه ربّما ورد الجواب فيما لم يكن علم صدقه بشيء يعرف به صدقه فقط من غير أن يعطي الأمرين الباقيين، فيبقى للمسألة بـ«هل» التي يطلب بها الباقيان موضع، فإذا أوردا لم يبق بعد ذلك لسؤال «هل» موضع أصلا.

وهذا العلم هو أقصى ما يعلم به وأكمل، وليس فوق ذلك علم بالشيء آخر.

كيفية التطبيق لـ “هل هو” على العلوم الفلسفية

والفلسفة إنّما تطلب وتعطي هذا العلم في شي‏ء شيء من الموجودات إلى أن تأتي عليها كلّها.

وكلّ صناعة من الصنائع العلميّة استعمل فيها السؤال بحرف «هل هو» على المعنى الذي يستعمل في الصنائع العلميّة فإنّه ينبغي أن يفهم منه طلب تلك الأسباب التي تعطيها تلك الصناعة في الأشياء التي فيها تنظر.

كيفية التطبيق في صناعة الحساب والهندسة

فإنّ صناعة التعاليم إنّما تعطي في كلّ شي‏ء تنظر فيه من بين الأسباب الماهيّة التي بها الشيء بالفعل وماذا هو الشيء، وهي التي تطلب‏ بحرف «كيف» في نوع نوع.

فإذا قلنا في هذه الصناعة «هل الشيء موجود» فإنّما نطلب به بعد صدقه وجوده الذي هو به موجود بالفعل، وهو ماهيّته المأخوذة من جهة الصورة من بين ما به قوام ذلك الشيء المسئول عنه. وكذلك إذا قلنا «هل الشيء موجود حيوانا» فإنّما نعني هل وجوده الذي هو به موجود بالفعل يوجب أن يكون كذا، فإذا قيل «نعم» قيل بعد ذلك و «ما هو» و«كيف هو موجود ذلك الموجود»، فيرد الجواب حينئذ بتلك الماهيّة المطلوبة.

وهذه في التعاليم خاصّة.

كيفية التطبيق في الفيزياء النظرية وفي الحكمة العملية

وأمّا في العلم الطبيعيّ فإنّه إذا كان يعطي من جهة الطبيعة والأشياء الطبيعيّة كلّ ما به قوام الشيء سواء الخارج منها -الفاعل والغاية-والذي هو في الشيء نفسه، كان عن كلّ ما يسأل عنه بحرف «هل هو موجود» أو «هل هو موجود كذا» إنّما يطلب فيه كلّ شي‏ء كان به وجود ذلك الشيء من فاعل أو مادّة أو صورة أو غاية. فإنّ كلّ واحد من هذه توجد فيما هو الشيء وتستبين فيما هو الشيء، ويكون ما هو الشيء موجودا من أحد هذه أو من اثنين منها أو من ثلاثة منها أو من جميعها. وكذلك في العلم المدنيّ.

كيفية التطبيق في الإلهيات والميتافيزيقا

وأمّا في العلم الإلهيّ فإنّه إذا كان يعطي من جهة الإله والأشياء الإلهيّة من الأسباب التي بها قوام الشيء الفاعل، والماهيّة التي بها الشيء بالفعل، والغاية، صارت المطلوبات بحرف «هل» عما يوجد الموضوع فيه الإله أو شيئا ما إلهيّا هي التي بها قوام المحمول من جهة الشيء الذي أخذ موضوعا. فيقال «هل هو موجود أم لا». فإذا قيل «نعم» قيل «وما هو» أو «كيف هو» أو «بما ذا هو» وصار المطلوب عمّا يوجد المحمول فيه الإله أو شيئا ما إلهيّا، وهو الذي صحّ به قوام الموضوع من قبل المحمولات.

فإذا قيل «نعم» طلب «ما هو» أو «كيف هو» أو «أيّما هو»، فيرد الجواب فيه بأحد الثلاثة، أو جواب ينتظم جميعها.

معاني السؤال عن الإله بحرف هل

وقد يسأل سائل عن معنى قولنا «هل الإله موجود»، ما الذي نعني به:

هل نعني به هل ما نعتقد فيه أو نعقل منه في النفس هو بعينه خارج عن النفس. وهل إذا علم أنّ معقوله في النفس هو بعينه خارج النفس يسوغ أن يسأل عنه «هل هو موجود» على المعنى الثاني. فإنّ ذلك المعنى من معاني هذا السؤال هل الشيء له قوام بشيء وهل الشيء له وجود به قوامه وهو فيه. فإنّ هذا إنّما كان يسوغ فيما تنقسم ماهيّة وجوده وذاته وفيما له سبب به قوامه بوجه من الوجوه. والإله يجتمع فيه أن لا قوام له بشيء آخر أصلا ولا سبب لوجوده، وأنّ ذاته غير منقسمة ولا بوجه من وجوه الانقسام. فإذن ليس يسوغ أن يسأل عنه بحرف «هل» على المعنى الثاني.

ولكن قد نجيب في ذلك أنّ قولنا فيه «هل هو موجود» على المعنى الثاني إنّما يعنى به هل هو ذات ما منحازة، أو هل له ذات.

ليس كل صادق له ذات

فإنّ الذات قد يقال عليها الموجود، ويقال له إنّه موجود. فإنّه ليس كلّ ما يفهم عن لفظة ما وكان ما يعقل منه هو أيضا خارج النفس يكون أيضا له ذات؛ مثل معنى العدم، فإنّه معنى مفهوم، وهو خارج النفس كما هو معقول، لكن ليس هو ذاتا ما ولا له ذات. فعلى هذه الجهة يسوغ أن يسأل عنه «هل هو موجود» أي هل هو ذات أو هل له ذات. فإذا قيل «نعم» سئل بعد ذلك «فما وجوده» و «ما ذاته» و «أيّ ذات هي».

وقد يسوغ فيه أن يسأل عنه بحرف «هل» على المعنى الثاني من جهة أخرى وهو:

أنّ ما هو بالقوّة ذات ليس بموجود، فإنّ الموجود المشهور هو الذي بالفعل، وأكمل ذلك ما كان على الكمال الأخير. فيقال فيه «هل هو موجود» أي ما نعقله هل هو بالفعل وهل هو على الكمال الأخير من الوجود.

فإذا قيل «نعم» قيل بعد ذلك «ما هو» و«كيف هو» و «أيّما هو».

التفرقة بين ما تنقسم ذاته وما لا تنقسم في معنى السؤال بـ “هل”

وينبغي أن يعلم أنّ:

الذي لا تنقسم ذاته فإنّه ينبغي أن يقال فيه أحد أمرين، إمّا إنّه موجود لا يوجد، وإمّا يقال فيه إنّ معنى وجوده هو أنّه موجود، ويكون لا فرق فيه بين أن يقال «إنّه هو وجود» و «إنّه موجود» و «إنّ له وجودا». فإنّ وجود ما هو موجود هكذا ليس هو غير الذات التي يقال فيها «إنّها موجودة».

وما ينقسم وجوده فإنّ وجوده الذي هو به موجود غيره بوجه ما، على ما يكون جزء الكلّ غير الكلّ وجزء الجملة غير الجملة، وعلى أنّ ذلك الوجود الذي به الشيء موجود وأنّ له أيضا وجودا أعني أنّه ينقسم وأنّ له جزءا به وجوده. فإن كان كذلك، فما الذي يقال في جزئه، أليس يقال فيه أيضا «إنّه موجود» و «له وجود»، وهل يقال ذلك فيه على أنّه منقسم أيضا. وإن كان ذلك كذلك، ننتهي عند التحليل هكذا إلى جزء وجود شي‏ء ما، ويكون ذلك الجزء موجودا وله وجود، ويكون غير منقسم، وإلّا تمادى إلى غير النهاية ولم يحصل علم ماهيّة شي‏ء أصلا. فإذا كان غير منقسم، فمعنى وجوده وأنّه موجود معنى واحد بعينه. أو أن يقال فيه «إنّه موجود ولا يوجد» أو «إنّه موجود ولا يوجد هو بوجه ما غير ذاته بل موجود يوجد ذاته بعينها» أو «يوجد هو الموجود بعينه».

ما ليس بمنقسم منه موجود على الاطلاق ومنه ليس كذلك

وأيضا فإنّ الموجود على الإطلاق هو الموجود الذي لا يضاف إلى شي‏ء أصلا. والموجود على الإطلاق هو الموجود الذي إنّما وجوده بنفسه لا بشيء آخر غيره. فيكون قولنا فيه «هل هو موجود» بهذا المعنى. فعند ذلك يكون المطلوب فيه ضدّ المطلوب في قولنا «هل الإنسان موجود». فإنّ المطلوب بقولنا «هل الإنسان موجود» هل الإنسان له قوام بشيء ما آخر أم لا، والمطلوب هاهنا بقولنا «هل هو موجود» هل هو شي‏ء قوامه بذاته لا بشيء غيره، وهل وجوده وجود ليس يحتاج في أن يكون به موجودا إلى شي‏ء آخر هو بوجه ما من الوجوه غير ذاته.

أمّا قولنا «هل هو موجود عقلا أو «موجود عالما» أو «موجود واحدا»، فإنّ معناه هل وجوده الذي به صار قوامه لا بغيره هو أنّه عقل أو أنّه عالم، وهل ذاته هو أنّه عقل. وقولنا «هل هو موجود فاعلا أو سببا لوجود غيره» يعني هل وجوده الذي هو به موجودا أو ماهيّته التي تخصّه أو له يوجب أن يكون سببا لوجود غيره أو فاعلا لغيره.

فإنّ هذه كلّها مطلوبات فيه[2] بحرف «هل».

أي السؤالات بـ “هل” عن الإله يجاب عليه بـ “لا” وأيها بـ “نعم”

وأمّا سائر معاني «هل هو موجود» -وهي التي أحصيناها فيما تقدّم-فإنّها قد تسوغ فيه أيضا من أوّل ما تقع المسألة عنه. إلّا أنّ الجوابات الواردة كلّها إنّما تكون فيه بحرف لا. والجواب الوارد في هذا الأخير إنّما يكون فيه بحرف نعم. وإنّما يكون هذا الأخير بعد أن تقدّم السؤال عنه بحرف «هل» على المعاني الأول. فإذا أوردت جواباتها كلّها بحرف لا، كانت المسائل عنه بحرف «هل هو» على هذه المعاني الأخيرة، فترد الجوابات عنها بحرف نعم. فهذه رسوم معاني السؤال عن الإله بحرف «هل».

على أي المعاني يصح السؤال بـ “هل” الإنسان إنسان وأشباهها

وأمّا قولنا «هل الإنسان إنسان» فإنّه يكون فيما بين المحمول وبين الموضوع تباين وغيريّة بوجه ما-وإلّا فليس يصحّ السؤال-مثل «هل ما يعقل من لفظ الإنسان هو الإنسان الخارج عن النفس» أو الإنسان الكلّيّ هو الإنسان الجزئيّ» أو «الإنسان الجزئيّ يوصف بالإنسان الكلّيّ» أو «الحيوان الذي هو بحال كذا هو حيوان على الإطلاق» أو «الذي أنت تظنّه حيوانا هو في الحقيقة حيوان». فإن كان معنى الإنسان الموضوع هو بعينه معنى الإنسان المحمول بعينه من كلّ جهاته فلا تصحّ المسألة عنه بحرف «هل».

وإن قال قائل إنّ الإنسان الموضوع هو الذي يدلّ عليه حدّه، فإنّه لا يصحّ أيضا. لأنّ‏ الذي يدلّ عليه القول إن لم يكن علم أنّه محمول على الذي يدلّ عليه الاسم فليس يقال لذلك الذي يدلّ عليه القول إنّه إنسان. فلذلك لا يحمل عليه من حيث هو مسمّى إنسانا، إذ كان لم يصحّ بعد أنّه إنسان، بل إن يصحّ «هل الإنسان حيوان مشّاء ذو رجلين أم لا» فليس تصحّ المسألة عنه على أنّ المحمول هو أيضا إنسان، وإنّما يصحّ أنّ المحمول هو أيضا إنسان إذا صحّ أنّه محمول عليه وصحّ أنّه حدّه. أو أن يقال إنّ قولنا «هل الإنسان موجود إنسانا» يعني هل الإنسان وجوده وإنّيّته هي تلك الذات المسئول عنها وليس له ذات غير تلك الواحدة التي أخذناها موضوعا وهي غير منقسمة الوجود، أم إنّه إنسان بوجوه أخر، مثل أنّه حيوان مشّاء ذو رجلين، أي هل له وجود وماهيّة على ما يدلّ لفظه عنه فلا يمكن أن يتصوّر تصوّرا آخر أزيد منه ولا أنقص.

متى يصح السؤال بـ “لم الإنسان إنسان” وأشباهه

فيكون ما نتصوّره إنسانا على مثال ما عليه كثير من الأمور المسئول عنها في الشيء، يتصوّر حينا مجملا وحينا مفصّلا، ثمّ لا يكون ممكنا أن يعقل إلّا بجهة واحدة فقط. فإنّه قد يصحّ هذا السؤال على هذه الجهة أيضا. وعلى أيّ معنى ما صحّ قولنا «هل الإنسان إنسان» صحّ فيه أن يطلب السبب في ذلك فيقال «لم الإنسان إنسان» و «بأيّ سبب الإنسان هو إنسان» و«لما ذا الإنسان إنسان» و «عن مّاذا». ويصحّ أيضا «لم الإنسان إنسان» إذا عني به لم الإنسان حيوان مشّاء ذو رجلين ولم الإنسان ماهيته هذه الماهيّة.

وهذا إنّما يصحّ في الشيء الذي له حدّان أحدهما سبب لوجود الآخر فيه، مثل «لم صار كسوف القمر هو انطماس ضوئه» -فإنّ انطماس ضوء القمر هو الكسوف-فيقال «لأنّه يحتجب بالأرض عن الشمس»؛ فكلاهما ماهيّة الكسوف، إلّا أنّ احتجابه بالأرض عن الشمس هو السبب في‏ ماهيّته الأخرى. وأمّا فيما عدا ذلك فلا يصحّ فيه هذا السؤال. وقد كان هذا لا يصلح أن يسأل عنه بحرف «هل» وقد صلح أن يسأل عنه بحرف «لم».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] السؤال عن الماهية والسؤال عما توجب تلك الماهية أن تتصف به.

[2] في الإله.

مع تعديل المسؤول العلمي للموقع