التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 8 فبراير, 2014
المشاهدات: 2٬211
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات:

عناوین المقال

متى نستعمله؟ وماذا نطلب به؟

وحرف «أيّ» يستعمل أيضا سؤالا يطلب به علم ما يتميّز به المسئول عنه وما ينفرد وينحاز به عمّا يشاركه في أمر ما، فإنّه إذا فهم أمر ما وتصوّر وعقل بأمر يعمّه هو وغيره، لم يكتف الملتمس تفهّمه دون أن يفهمه ويتصوّره ويعقله بما ينحاز به هو وحده دون المشارك له في ذلك الأمر العامّ له ولغيره.

من ذلك أنّنا نستعمل هذا الحرف في السؤال عما تصوّرناه بما يدلّ عليه اسمه وبجنسه، والتمسنا بعد ذلك أن نتصوّره ونعقله ونفهمه في أنفسنا بما ينحاز وينفرد ويتميّز به عن كلّ ما يشاركه في ذلك الجنس، وبما إذا عرفناه كنّا عرفنا به ذلك النوع، فنقول في الإنسان مثلا «أيّ حيوان هو» والنخلة «أيّ نبات هي»، وربّما قلنا «أيّ شي‏ء هو»، فإنّ «الشيء» يجري في بادئ الرأي مجرى أعمّ الأشياء للمسؤول عنه.

التمييز إما بالداخل المقوم وإما بالخارج المختص

ثم إن النوع الذي تصوّر بجنسه إمّا أن يتصوّر بأقرب أجناسه وإمّا بجنس أبعد من أقرب أجناسه، فإن كان إنّما يتصوّر بأقرب أجناسه وقرن حرف «أيّ» بذلك مثل أن نقول في الإنسان «أيّ حيوان هو» والنخلة «أيّ شجر هي» فإنّنا إنّما نطلب به ما ينحاز به عن سائر الأنواع القسيمة له، فيكون الجواب عنه بأحد شيئين: إمّا بما يميّزه في ذاته وتنحاز به ذاته وبشيء يكون جزء ماهيّته، وإمّا بعرض خارج عن ذاته خاصّ به يؤخذ علامة له وينحاز به في المعرفة عمّا يشاركه في جنسه القريب من الأنواع القسيمة، فإنّ الشيء قد يتميّز عن الشيء في ذاته بما هو ذاته أو جزء ذاته أو بشيء به قوام ذاته -مثل تميّز الحرير عن الصوف-، وقد يتميّز ببعض أحواله كتميّز الصوف بعضه عن بعض -مثل أن يكون بعضه أحمر وبعضه أسود وبعضه أصفر.

فمتى كان الجواب ما يميّز النوع المسئول عنه عمّا سواه بشيء هو جزء ماهيّته-مثل أن يكون الجواب عن الإنسان أيّ حيوان هو؟ «إنّه حيوان ناطق» أو «ناطق»، والجواب عن النخلة أيّ شجرة هي؟ «إنّها الشجرة التي تثمر الرطب»كان الذي أجيب به حدّه، والذي قيّد به الجنس وأردف به هو الفصل، وهو الذي يميّزه بما هو جزء ماهيّته عمّا سواه من الأنواع القسيمة، وكان القول بأسره حدّا.

وإن كان الجواب عنه بشيء ليس بجزء ماهيّته وكان خاصّا بالنوع المسئول عنه-مثل أن يكون الجواب عن الإنسان أيّ حيوان هو «إنّه حيوان يبيع ويشتري» والجواب عن النخلة أيّ شجرة هي «إنّها الشجرة التي تورق الخوص» -كان الذي يردف به الجنس هو خاصّة ذلك النوع، وكان القول بأسره رسما لا حدّا، وربّما سمّي هذا القول بأسره خاصّة.

الفرق بين حرف “أي” وحرف “ما”

فقد صار الجواب الذي يجاب به هاهنا بعينه الجواب الذي يجاب به في السؤال عن الإنسان بما هو، فيكون الجواب عن الإنسان إذا قيل فيه «أيّ حيوان هو؟» هو بعينة الجواب عن الإنسان إذا قيل فيه «ما هو؟»، غير أنّ حرف «ما» إنّما يطلب به أن يعقل النوع المسئول عنه في ذاته لا بالإضافة إلى شي‏ء آخر، وأمّا حرف «أيّ» فإنّما يطلب به تمييزه عن غيره، فإنّ السائل بحرف «أيّ» متى لم يضع هو نفسه شيئا آخر غير المسئول عنه لم يمكنه أن يسأل هذا السؤال، أما السائل بحرف «ما» ليس يحتاج إلى أن يضع هو نفسه شيئا آخر غير المسئول عنه، ولا أن يعقله بالإضافة إلى شيء وإن لم يكن هناك شي‏ء آخر غيره، ومتى اتّفق أن كان هناك شي‏ء آخر غيره، فليست مسألته عنه وهو ينظر إلى ذلك الآخر ولا يقيس المسئول عنه به، ومتى وافق أن كان الجواب عنه بشيء يميّز المسئول عنه عمّا سواه، فلم تكن مسألته عنه ولا طلبته لذلك الجواب من جهة تمييزه ذلك النوع عن غيره، بل لتعريفه معرفة كاملة فقط.

فلذلك صار الجواب عن حرف «ما» هو الجواب عن حرف «أيّ» بالعرض لا بالذات ولا على القصد الأوّل.

ثم فإنّ كلّ موجود فإنّ ماهيّته ليست هي إنّما تحصل له متى كان هناك غيره، بل تحصل له وإن لم يكن موجود آخر غيره، وإنّما يحتاج إلى تمييزه عن غيره متى وافق أن كان هناك غيره، فإذن تميّزه عن غيره هو عارض يعرض له.

فالسؤال بحرف «أيّ» هو سؤال عن ذات نوع عرض له أن يتميّز بماهيّته عن سواه، والسؤال بحرف «ما» يطلب به ماهيّته بغير هذا العارض، بل لتحصل لنا معرفته وفهمه وتصوّره ملخّصا بأجزائه التي بها قوام ذاته بأسرها.

فالذي سمّي من أجزاء الماهيّة «فصلا» ليدلّ به على هذا العارض الذي عرض له وهو أن يكون مميّزا بينه وبين قسيمه المشارك له وتابع لذلك أيضا، كما عرض لجنسه أن كان عامّا له ولغيره، فإذن إذا أخذت الطبيعة التي عرض لها أن كانت مشتركة له ولغيره لم يكن بدّ من أن يكون هناك فصل يميّزه في ماهيّته عن غيره المشارك له، فأن تكون هذه الطبيعة فصلا فهذا تابع لأن تكون الأخرى جنسا، وأن تكون تلك جنسا فذلك تابع لأن يشترك بها هذا وآخر في ماهيّته، وأن تكون هذه فصلا هي أن يتميّز هذا عن ذلك الآخر في ماهيّته، والمعرفة الكاملة بالنوع هي بهاتين-أعني بجنسه مقرونا بفصله.

فإذن حرف «ما» أحرى أن تلتمس به ماهيّته من حيث أن أجزاء ماهيّته هي أمور قائمة وطبائع في نفسها، وأما حرف «أيّ» فأحرى أن تلتمس به ماهيّته من حيث عرض لخصوصية في تلك الطبيعة أن كانت مشتركة، فكانت الخصوصية الواقعة جوابا لحرف “أي” مميّزة، وبالتالي فإنّ تلك لو لم تكن مشتركة لما كانت هذه مميّزة.

وأما حرف «ما» وإن كان قد يجاب عنه بما كان مشتركا للمسؤول عنه ولغيره إلا أنه ليس يطلب به على القصد الأوّل ما هو مشترك للمسؤول عنه ولغيره، بل إنّما التمس أن يعرف ما به قوام ذات ذلك الشيء وما به تعقل ذات ذلك النوع، فاتفق أن كان ذلك الأمر الذي سبيله أن يجاب عنه أمرا مشتركا للمسؤول عنه ولغيره، ولم يكن الطلب له من حيث هو مشترك.

نعم إذا اتفق أن كان ما هو مقوم للشيء مشتركا ولوحظ من حيث هو مشترك فحينها فقط احتيج إلى السؤال عن ذلك الشيء بعينه بحرف «أيّ» ليُزال الاشتراك والمشترك، وليكمل العلم إذا ما علمنا الفصل الذي يميّزه عن المشارك له وقيّد به الجنس.

فحرف «ما» لم يلتمس به أخذ الأمر الذي اتفق أن كان‏ جنسا من حيث عرض له أن كان جنسا، بل كان ذلك على القصد الثاني، أما حرف «أيّ» التمس به على القصد الأوّل أن يؤخذ الأمر الذي عرض له أن كان مميّزا من حيث له هذا العارض وبالقياس إلى ما عرض له أن كان مشتركا من حيث أنه مشترك.

ولذلك صار الجواب عن حرف «ما» ليس يكون بما هو خارج عن ذات الشيء أما حرف “أي” فيقع ما هو خارج عن قوام الذات جوابا له متى ما كان مميزا لما علم من جهة مقومة مشتركة طالما ان الذي يطلب به إنما هو التمييز للمعلوم بما هو مشترك من حيث هو كذلك.

وهم وتنبيه في مكانة الجنس والفصل

وقد يظنّ ببادئ الرأي وبما هو مشهور أنّ الجنس هو الذي يعرّف ما هو النوع المسئول عنه؛ وأمّا الفصل فإنّما يحتاج إليه ليتميّز وليكون علامة لجوهر ذلك النوع تميّزه عن قسيمه، وأنّه ليس هو جزء ماهيّة النوع، على مثال ما يمكن أن يظنّ أنّ مادّة وهيولى الجسم كافية في أن يحصل الجسم به جوهرا، وإنّه إ نّما هو جوهر بمادّته لا بصورته، وأنّ ماهيّته وذاته بما هو جسم أو بما هو نوع من أنواع الجسم إنّما هو بمادّته فقط، أما صورته فإنّما يستفيد بها أن يميّز بها عن غيره من التي تشاركه في مادّته، فكذلك يظنّ بالجنس أنّه هو الدالّ على ما هو النوع المسئول عنه دون الفصل، فلذلك ولأجل هذا الظن لا يكاد يميّز بين الرسم والحدّ، ولذلك صار لا يجاب بالفصل وحده في سؤال «ما هو» النوع المسئول عنه بل يجاب به مقرونا بالجنس، ويجاب بالجنس وحده دون الفصل في سؤالنا عن النوع «ما هو»، وأمّا إذا تعقّب وفحص عن حقيقية الأمر فإنه يتبيّن أنّ الفصل أكمل تعريفا بما هو النوع المسئول عنه من الجنس، وأنّه لا بدّ من كليهما، وكلّ واحد منهما يجاب به في جواب «ما هو» النوع المسئول عنه، إلّا أنّ الفصل يقيّد به الجنس.

ثم إنه إذا أخذ كل من الجنس والفصل من حيث هما طبيعتان وأقرنا صار مجموعهما ما هو النوع المسئول عنه، من حيث أنّ النوع أيضا طبيعة وأمر ما معقول، وحينئذ يخيّل ويتوهم أنّ الحدّ المأخوذ منهما من حيث هما طبيعتان قائمتان معقولتان من غير أن يعرض لكلّ‏ واحد منهما عارض أن يكون مشتركا أو مميزا يصير به ذاك جنسا وهذا فصلا، إنما هو غير الحدّ الكائن عنهما من حيث أن ذلك جنس وهذا فصل، ولكن فإذا تعقّب الأمر وفحص على الحقيقة يتبيّن أنّ الأخير حدّ للشيء بحسب المنطق وذلك حدّه بحسب الموجود، وكلاهما يؤولان في آخر الأمر إلى أن يكون الإنسان مثلا قد حصل له الموجود معقولا.

اقتران “أي” بالجنس البعيد والتشارك بين “ما” و “أي” بالعرض

وإذا كان حرف «أيّ» عند السؤال عن النوع مقرونا بجنسه الأبعد -مثل أن يقال في الإنسان «أيّ جسم هو» أو يقال في النخلة «أيّ نبات هي» -كان الجواب عنه بفصل إذا أردف بالجنس المقرون به حرف «أيّ» كان حدّا بجنس أقرب من ذلك الجنس إلى المسئول عنه بحرف «أيّ»، فيقال مثلا في الإنسان «إنّه جسم متغذّ» ويقال في النخلة «إنّها نبات ذو ساق»، فيكون كلّ واحد من هذين وأشباههما حدّا بجنس ما هو أقرب إلى المسئول عنه من الجنس الأوّل، فيكون جوابه «نبات ذو ساق» حدّا للشجرة، و«الجسم المتغذّي» حدّا أيضا بجنس، إلّا أنّه اتّفق أن لم يكن لهذا الجنس الذي وقع في جواب “أي” اسم مفرد فلذلك يؤخذ حدّ يحدّه مكان اسمه.

وقد يكون الجواب عنه بجنس له أقرب من جنسه المقرون به حرف «أيّ» مدلول عليه باسم مفرد –إن كان له اسم-، فيقال مثلا عند سؤالنا عن النخلة أي نبات هي «إنّها شجرة»، فيبقى في مثل هذا الجواب أيضا موضع سؤال عنه بـ «أيّ»، بأن يقال مثلا «أيّ شجرة هي»، إلى أن يؤتى بفصل إذا قرن بأقرب جنس له حصل منه حدّ النخلة وغيرها من الأنواع المسئول عنها.

فإن كان الجنس الذي أجيب به ليس له اسم واستعمل حدّه مكان اسمه، عمل فيه ذلك العمل الذي كان يعمل به إذا كان له اسم ويعبّر عنه باسمه، فإنّه إذا أجيب في سؤالنا عن الإنسان أيّ جسم هو بأنّه «جسم متغذّ» قيل فيه «أيّ متغذّ هو؟» أو «أيّ جسم متغذّ هو؟» فيجاب «إنّه جسم متغذّ حسّاس» فيكون قد حصل حدّ الحيوان، وحيث أن لهذا الجنس له اسم، فإن أراد السائل بعد ذلك أن يسأل‏ أيضا فله أن يقرن حرف «أيّ» باسم الحيوان فيقول «أيّ حيوان هو من الحيوان بأسره؟» -إذ كان الفصل الأخير إذا وضع لزم عنه وجود الجنس الذي يقيّد به الفصل الأخير-فيجاب «إنّه ناطق» أو «حيوان ناطق» أو «حسّاس ناطق» أو «إنّه جسم متغذّ حسّاس ناطق»، ألا ترى أنّه قد أخذ في جواب «أيّ» هاهنا شيئان، أحدهما يمكن أن يقيّد به الجنس المقرون بحرف «أيّ» وهو الفصل -مثل المتغذّي والحسّاس-والثاني ليس يمكن أن يقرن به الجنس المقرون به حرف «أيّ» مثل الناطق.

فقد تبيّن أنّ جنس النوع المسئول عنه قد يؤخذ في التمييز بينه وبين المشترك لذلك النوع من الجنس المقرون به حرف «أيّ»، وهو بعينه قد كان يؤخذ في الجواب عن «ما هو» الإنسان، غير أنّه إنّما كان يؤخذ في جواب «ما هو» ذلك النوع لا من حيث هو مميّز له بل من حيث هو معرّف له في ذاته من غير أن يحصل ببال السائل: هل هناك شي‏ء آخر مشارك له في جنس له آخر أعلى منه؟ بل عسى ألا يكون ولا يعرف له جنس أعلى منه، ولكن وافق بالعرض أن صار ما يسأل عنه بحرف «ما» ويجاب به في سؤال «ما» أن يسأل عنه بحرف «أيّ» ويجاب به في سؤال «أيّ» على مثال ما قلنا فيما تقدّم، وقد يجاب عنه أيضا برسم النوع المسئول، فيقوم مقام حدّه في التمييز.

اقتران “أي” باسم النوع دون أن يكون النوع معلوما على التحصيل

وقد يقرن باسم معلوم أنّه دالّ على نوع تحت جنس ما، ولا يعرف ذلك النوع نفسه بما هو نوع، ويعرف بجنسه أو أنّه شي‏ء ما -مثل الفيل مثلا، فيقال «الفيل أيّ حيوان هو» -، فيكون الجواب عنه إمّا باسم لا يدلّ عليه عند السائل غير هذا الاسم أو بحدّه أو برسمه، فيكون أيضا ملتمس به أن يميّز المسئول عنه عمّا يشاركه في الجنس الذي له.

اقتران أي بالمشار إليه المحسوس

وقد يقرن بمحسوس فيقال «هذا الذي نراه أيّ شي‏ء هو» فنجيب عنه بجنسه البعيد أو القريب أو بنوعه أو بحدّ جنسه أو بحدّ نوعه أو برسم جنسه أو برسم نوعه، فإنّا نقول «إنّه حيوان» أو «إنّه جسم متغذّ حسّاس»، وقد نقول فيه «إنّه الإنسان» و «إنّه الحيوان الناطق»، و«إنّه الحيوان الذي يبيع ويشتري» و «إنّه الجسم الذي يأكل ويشرب»، فيكون هذا رسم جنسه ويكون ذلك رسم نوعه، أو نقول فيه «إنّه شي‏ء جسمانيّ»، ثمّ نأتي بالفصول التي تنفصل بها أنواع الأشياء الجسمانيّة إلى أن يجتمع لنا من ذلك ما هو حدّ للنوع المحسوس أو ما هو رسم له.

فإنّ لفظة الشيء تقوم في بادئ الرأي مقام جنس يعمّ الموجودات كلّها ممّا اتّفق في هذه الأشياء التي أخذت أجوبة عن المحسوس المسئول عنه «أيّ شي‏ء هو؟» وممّا يليق أن يجاب به في جواب «ما هو هذا الشخص المرئيّ»، فالمعنيّ به يدخل في جواب السؤالين من جهتين مختلفتين على ما قلنا أوّلا.

وقد نقول في هذا المرئيّ «أيّ حيوان هو» و «أيّ جسم هو»، فيكون الجواب عنه مثل الجواب عنه لو قيل «أيّ شي‏ء هو»، إلّا أنّه إن أخذ في الجواب عنه جنس له فينبغي أن يكون ذلك جنسا أقرب إليه من الجنس الذي قرن به حرف «أيّ»، أو يجاب عنه بحدّ ذلك الجنس أو برسمه، أو يجاب عنه بنوعه أو بحدّ نوعه أو برسم نوعه، أو تؤخذ فصول أو أعراض يقيّد بها جنسه الذي قرن به حرف «أيّ»، ولا نزال نؤلّف بعضه إلى بعض ونقيّد الأعمّ بالأخص إلى أن يجتمع من جملة ذلك ما يكون حدّ نوعه.

موارد أخرى لاقتران حرف “أي” غير ما سبق وكيفية الجواب عنها

وقد نقول أيضا «الحيوان الذي يكون باليمن أيّ حيوان هو» و«النبات الذي يكون بمصر أيّ نبات هو»، فيكون الجواب عنه بنوع ذلك النبات أو الحيوان، وبالنوع من الحيوان الذي يكون باليمن وبالنوع من النبات الذي يكون بمصر، أو بحدّ ذلك النوع، أو بحدّ رسمه، وهذا هو شبيه بما تقدّم، فإنّ معنى ما تقدّم «هذا الحيوان الذي نراه أيّ حيوان هو».

وقد نقول «أيّ شي‏ء حالك»، «أيّ شي‏ء خبرك»، «أيّ شي‏ء مالك»، و «في أيّ حال أنت» و «في أيّ بلد زيد» و«الشمس في أيّ برج هو»، و «ما ذاك البلد الذي فيه زيد» و «ما ذاك البرج الذي فيه الشمس»، فيكون الجواب عنه هاهنا هو الجواب عنه هناك، أ لا ترى أنّ قولنا «أيّ شي‏ء خبرك» معناه «خبرك، أيّ شي‏ء هو» أو «خبرك، أيّ خبر هو»، و«حالك، أيّ حال هو»، و«مالك، أيّ مال هو» و«البرج الذي فيه الشمس، أيّ برج هو»، على مثال ما نقول «الحيوان الذي في بلد كذا، أيّ حيوان هو»، و«المال الذي لك، أيّ مال هو» وكذلك «الخبر الذي لك، أيّ خبر هو»، فإنّما تسأل عمّا يتميّز به النوع الذي لك من الأخبار عن الذي ليس لك منها، والنوع الذي لك من الحال عمّا ليس لك منه، والنوع الذي لك من المال عمّا ليس لك منه، والنوع الذي لك من أنواع الخبر عمّا ليس لك منه؛ ونوع أو شخص البلد الذي فيه زيد، ونوع البرج الذي فيه الشمس، «أيّ نوع هو»، فالجواب عنه إمّا بنوع ما قرن به حرف «أيّ» وإمّا بحدّ ذلك النوع وإمّا برسمه، وما كان من هذه الأجوبة يليق أن يجاب به في جواب حرف «ما» من هذه بأعيانها فهو بالجهتين اللتين قلنا.

وقد تقول «زيد أيّما هو من بين هؤلاء» وتكون أنت تشير إلى جماعة يجمعهم شي‏ء ما من مكان أو زمان أو حال أخرى، وإنّما يكون الجواب بشيء يتميّز به زيد المسئول عنه عن أولئك الجماعة المشار إليه م في ذلك الوقت خاصّة، وليس يمكن أن يجعل الجواب عنه شي‏ء يمكن أن يجاب به في جواب «ما هو» المسئول، لا بنوعه ولا بجنسه ولا بحدّ نوعه، بل بعرض معلوم في زيد عند من يسأل عنه، خاصّ به في ذلك الوقت دون باقي الجماعة، مثل أن نقول «هو ذاك الذي يناظر» أو غير ذلك من الأحوال والأعراض التي نصادفها في زيد خاصّة دون باقي الجماعة في ذلك الوقت، وأمثال هذه الأعراض إذا استعملت‏ علامات يتميّز بها المسئول عنه عن شي‏ء ما آخر فقط وفي وقت ما فقط تسمّى «خواصّ بالإضافة» إلى ذلك الشيء وإلى ذلك الوقت.

الشرط العام في المسؤول عنه بحرف “أي” وافتراقه عن حرف “ما” في ذلك

ويلحق كلّ ما نسأل عنه بحرف «أيّ» أن نكون قد عرفناه بشيء يعمّه وغيره، ونلتمس أن نعرفه مع ذلك بما يخصّه ويميّزه عن غيره المشارك له في الشيء العامّ الذي عرفناه به، ونرى عند سؤالنا عن الشيء بحرف «أيّ» أنّ المعرفة الناقصة هي معرفتنا له بما يعمّه وغيره وبما لا يتميّز به عن غيره، والتي هي أكمل أن نعرفه بما يخصّه دون غيره وبما يتميّز به عن غيره، فإنّ تقييدنا الجنس بالفصل ليس يبقي الجنس مشتركا له ولغيره بل يجعله خاصّا به، وإنّما يصيّره خاصّا به من حيث هو مقيّد به، وأمّا عند سؤالنا بحرف «ما هو الشيء» فإنّا نرى أنّ المعرفة الناقصة هي أن نكون عرفنا المسئول عنه بما هو خارج عن ذاته من الأعراض، ونلتمس معرفته بما هو ذاته أو بجزء ذاته، أو نكون عرفنا ه بأعمّ ما تعرّفنا ذاته معرفة مجملة وبأبعد ما به قوام ذاته وبأبعد ما به قوامه، ونطلب معرفة ذاته بأخصّ ما تعرّفنا ذاته وبأقرب ما هو ذاته، أو نكون عرفنا ذاته معرفة مجملة ونطلب منه ذاته ملخّصة بأجزائه التي بها قوام ذاته.

موارد أخرى للسؤال بـ “أي” غير منطقية وكيف تصير منطقية

وقد يستعمل حرف «أيّ» سؤالا في أمكنة خارجة عن هذه التي أحصيناها، وهو أن يستعمل سؤالا يلتمس به أن يعلم على التحصيل واحد من عدّة محدودة معلوم ة على غير التحصيل، كانت العدّة اثنين أو أكثر-مثل قولنا «أيّ الأمرين نختار، هذا أ وهذا»، «أيّ هذه الثلاثة نختار»، «أيّ الرجلين خير، زيد أو عمرو»، «أيّ الأمور آثر، اليسار أو العلم أو الرئاسة»، «العالم أيّ هذين هو، كريّ أم غير كريّ»، «زيد أيّ هذين يوجد، صالحا أو طالحا»، «الشمس في أيّ البروج الاثنين»، «عمرو-أو زيد-في أيّ البلدين هو، الشام أو العراق»، فإنّ في هذه كلّها يكون السائل قد علم الواحد على غير التحصيل من كلّ عدّة، وهو بهذه الحال على التحصيل، فإنّ ما تشتمل عليه العدّة إذا أقرن بكلّ واحد منها حرف إمّا دلّ على أنّ واحدا منها معلوم على غير التحصيل، فما يدلّ عليه حرف إمّا عند الخبر عنه هو الذي إذا قرن به حرف «أيّ» كان سؤالا يطلب به أن يعلم على التحصيل ذاك الذي يدلّ عليه قبل ذلك حرف إمّا أنّه معيّن على غير التحصيل، فإنّه قد علم أنّ الشمس من البروج هي في واحد منها على غير التحصيل، والتمس أن يعلم ذلك الواحد منها على التحصيل، أو يكون الإنسان قد علم أنّ زيدا في واحد من هذين الموضعين المعروفين عنده على غير التحصيل، فطلب بحرف «أيّ» أن يعلم ذلك الواحد منهما على التحصيل، وكذلك قد علم أنّ العالم يوجد له أحد هذين الحالين -إمّا كريّ وإمّا غير كريّ-على غير التحصيل، والتمس بحرف «أيّ» أن يعلم على التحصيل الواحد الذي يوجد له.

وليس يصحّ السؤال هاهنا إلّا على عدّة محدودة، فإذا سقطت العدّة يرجع السؤال إلى بعض ما تقدّم ممّا علم بجنسه وجهل بنوع الذي هذا جنسه، مثل أنّا لو قلنا مكان قولنا «العالم أيّ هذين هو، كريّ أم غير كريّ»: «شكل العالم أيّ شكل هو» ومثل أنّا لو قلنا مكان قولنا «زيد أيّ هذين هو، صالح أو طالح»: «سيرة زيد أيّ سيرة هي» أو قلنا مكان «ايّ الأمور الثلاثة آثر، اليسار أو العلم أو الكرامة»: «الأمر الآثر أيّ أمر هو»، لكان الجواب بما تميّز به المسئول عنه عن غيره على مثال الجواب عن السؤال عن «هذا المحسوس أيّ حيوان هو» أو عن قولنا «الحيوان الذي باليمن أيّ حيوان هو» و«مال فلان أيّ مال هو» و«حال فلان أيّ حال هي»، وكان الجواب عن هذه كلّها إمّا بنوع ما نسأل عنه أو بحدّ ذلك النوع أو برسمه، وبكلّ هذا فإنّه يتميّز ما عنه نسأل عمّا سواه من المشارك له في الجنس الذي عنه نسأل.

تلخيص جملة ما يسأل عنه بحرف “أي” وهي ثلاثة

وجملة ما يطلب بحرف «أيّ» ذلك الأخير إذ ا استعمل سؤالا عن شي‏ء علم بما يشارك فيه غيره شيئان: أحدهما أنّ حرف «أيّ» يطلب به فيما علم بما يعمّه ويعمّ غيره أن يعلم بما ينحاز به وحده عن غيره، والثاني أنّ حرف «أيّ» يطلب به علامة خاصّة في المسئول عنه يتميّز بها عن شي‏ء ما آخر فقط وفي وقت ما فقط.

أمّا هاهنا فيستعمل حرف «أيّ» سؤالا فيطلب في واحد من عدّة محدودة علم انحيازه على غير تحصيل له أن يعلم انحيازه بذلك على تحصيل له، وإنّما يكون ذلك في واحد من عدّة محدودة يقرن بكلّ واحد منها حرف إمّا، فإنّ حرف إمّا يميّز في عدّة محدودة واحدا عن واحد على غير تحصيل له وتعيين، وحرف «أيّ» يطلب به أن يميّز في عدّة محدودة واحدا عن واحد بتحصيل وتعيين.

تلخيص موارد استعمال “أي” للتميز عن عدة معلومة

وإنّما يكون الواحد من عدّة محدودة منحازا بشيء ما على غير تعيين وتحصيل ومدلولا عليه بحرف إمّا، ثمّ يطلب انحيازه بذلك الشيء على تعيين وتحصيل، في الأمور الممكنة، وذلك إمّا في التي هي ممكنة في وجودها وإمّا في التي هي ممكنة عندنا وفي علمنا بها.

ثم إن التي هي ممكنة في وجودها هي أيضا ممكنة عندنا وفي علمنا بها، والتي هي ممكنة عندنا وفي علمنا بها قد تكون ضروريّة في وجودها، وما هو من هذه غير محصّل عندنا فهو في وجوده محصّل، غير أنّا نجهل نحن التحصيل منها.

والممكنة في وجودها هي كثيرة في‏ الطبيعيّات وجميع الأمور الإراديّة، فقولنا «أيّ هذين شئت» و «أيّ هذين اخترت فافعل» إنّما هو طلب تحصيل ما هو غير محصّل وجوده لأجل أنّه ممكن في وجوده، وقولنا «العالم أيّ هذين هو، كريّ أم غير كريّ» هو طلب تحصيل ما هو غير محصّل عندنا وهو في وجوده خارج عن‏ أذهاننا يحصل على أنّه كريّ لا غير أو على أنّه غير كريّ، فإنّه في وجوده ضروريّ، وإنّما نجهل ما هو عليه في ذاته.

تلخيص موارد السؤال بـ “أي” بالإضافة إلى عدة معلومة

وجملة السؤال بـ «أيّ» في هذه الأشياء ثلاثة، أحدها «أيّ هذين المحمولين يوجد لهذا الموضوع» أو «هذا الموضوع يوجد له أيّ هذين المحمولين»، والثاني «أيّ هذين الموضوعين يوجد له هذا المحمول» أو «هذا المحمول يوجد لأيّ هذين الموضوعين»، والثالث «أيّ هذين الموضوعين يوجد له أيّ هذين المحمولين» أو «أيّ هذين المحمولين يوجد لأيّ هذين الموضوعين».

وهذه هي المطلوبات المركّبة التي يقول أرسطوطاليس فيها إنّها تجعل في عدّة، وهي بأعيانها أيضا يسأل عنها بحرف «هل»، فالصنف الأوّل هو الذي يقال فيه «هل هذا المحمول يوجد في هذا الموضوع أم هذا المحمول الآخر» أو «هل هذا الموضوع يوجد فيه هذا المحمول أو المحمول الآخر»، والثاني هو الذي يقال فيه «هل هذا الموضوع يوجد فيه هذا المحمول أو هذا الموضوع الآخر»، والثالث «هل هذا المحمول يوجد في هذا الموضوع أو ذاك المحمول في ذاك الموضوع أو هذا المحمول يوجد في ذاك الموضوع أو ذاك المحمول يوجد في هذا الموضوع.

استعمال “أي” للمقايسة والمفاضلة

وكذلك يستعمل حرف «أيّ» في المطلوبات التي تكون بالمقايسة، وهي التي يطلب فيها فضل أحد الأمرين على الآخر، ويستعمل فيها حرف «هل»، وهي ثلاثة، أحدها «أيّ هذين المحمولين يوجد أكثر في‏ هذا الموضوع» و «هل هذا المحمول يوجد أكثر في هذا الموضوع أم المحمول الآخر»، والثاني «أيّ هذين الموضوعين يوجد له هذا المحمول أكثر» و «هل هذا الموضوع يوجد له هذا المحمول أكثر أم هذا الموضوع» و «هل هذا المحمول يوجد في هذا الموضوع أكثر أم في هذا الموضوع»، والثالث «أيّ هذين المحمولين يوجد أكثر لأيّ هذين الموضوعين» و «هل هذا المحمول يوجد لهذا الموضوع أكثر أم هذا المحمول لهذا الموضوع».

مع تعديل المسؤول العلمي للموقع