حجية المنهج العقلي البرهاني ومنطقة الفراغ العقلي | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: الأخبار
التاریخ: 26 نوفمبر, 2013
المشاهدات: 3٬108
الطباعة
إرسل لصدیقك
بقلم: السید محمود الهاشمي

أولاــ المبادئ التصورية للبحث:

  1. معنى الحجية: هي الكاشفية عن الواقع
  2. المنهج العقلي البرهاني :هو الطريق الذي يعتمد على البرهان العقلي كأداة معرفية وحيدة وميزان معصوم لكشف الواقع بنحو يقينيى صادق وثابت
  3. منطقة الفراغ العقلي: هى المنطقة المعرفية الخارجة عن نطاق العقل البرهانى وحدوده

ثانيا ــ الغاية من البحث:

التنبيه على الحجية الذاتية للبرهان العقلي وعصمته وبيان دائرة حجيته،تمهيدا لبيان العلاقة الإشرافية له على سائر المناهج المعرفية الأخرى،وتوطئة لتشكيل الحكومة العقلية

قد اتضح في صناعة البرهان ، أن حجية البرهان العقلي ذاتية، بمعنى أن كاشفيته عن الواقع لا تحتاج إلى دليل يدل عليه، ويكتسب مشروعيته العلمية منه، بل هو الدليل على كل دليل، وتكتسب سائر الأدلة مشروعيتها المعرفية منه.

والسبب في ذلك يرجع إلى ماتم إثباته هناك من الخصائص الذاتية للبرهان المؤلف من الصورة القياسية البديهية الإنتاج، والمادة الواجب قبولها، فهو ميزان معصوم يعصم الذهن البشري من الخطأ في التفكير، ولكن بشرط مراعاة أحكام وشرائط هذا الميزان، فالميزان وإن كان معصوماً لكن المُبرهِن ليس بمعصوم مطلقاً، بل هو معصوم بشرط المراعاة.

وهذا غاية المطلوب، ونهاية المقصود لطالب العلم والحقيقة، وهو أن يكون لديه ميزان معصوم يعتمد عليه ويركن إليه، ليمّيز به بين الصواب الخطأ في التفكير، ويكشف الواقع على ما هو عليه في نفس الأمر،وإلا فمع انتفاء هذا الميزان المعصوم ،فلامعنى للتصويب أو التخطئة ،بل لامعنى للحوار الفكري أو البحث العلمي أصلا.

ولكن الأمر المهم هنا هو البحث عن دائرة حجية البرهان العقلي بمعنى مدى شمولية أحكامه القطعية لجميع القضايا والمسائل العلمية، فهل يشملها كلها أم بعضها؟ أي هل دائرة حجيته مطلقة لا حدود لها أم لها حدود لا يمكن له أن يتعداها، وحريم لا يمكن له أن يتجاوزه، وهذا ما يحتاج إلى بحث عميق وفحص دقيق.

فنقول مستعينين بالله الواحد المنان: إعلم ـ إن كنت من المسترشدين والسالكين لطريق الصدق واليقين ـ أن العقل العام ـ أي مابه الإدراك والحكم ـ سواء كان برهانياً أم غير برهاني، هو الحاكم المطلق والوحيد في إثبات شيء لشيء أو نفيه عنه، في مطلق القضايا الحملية، أو إثبات التلازم والتعاند أو نفيهما في مطلق القضايا الشرطية، وهذا في غاية الوضوح لمن فهم المنطق.

ولكن تارة يكون له ذلك الحكم بنفسه كحكمه بامتناع اجتماع الإيجاب والسلب، وتارة أخرى بالاستعانة بالأدوات المعرفية الأخرى كالحس،كحكمه بطلوع الشمس أو التجربة كحكمه بأن الكوداين مسكن للصداع مثلا،أو الوحي كحكمه بأن الصلاة واجبة على المكلف، وتارة تكون أحكامه قطعية وأخرى ظنية، وأحكامه القطعية قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة ،والقطعية الكاذبة هي الجهل المركب

أما القطعية الصادقة ،فهي إما متغيرة كحكم المؤمن العامي بوحدانية الباري تعالى،وتسمى بشبه اليقين أو اليقين بالمعنى الأعم،وإما أن تكون قطعية صادقة ثابته وتسمى باليقين بالمعنى الأخص،وهو اليقين البرهاني

والسر في ذلك أن المعرفة البرهانية تكون حاصلة من أسبابها الذاتية ،ويكون الحد الأوسط فيها واسطة في مقام الإثبات والثبوت معا،وبالتالى تكون المقدمة علة تامة للنتيجة ويستحيل أن تنفك عنها،على خلاف المعرفة غير البرهانية التى تحصل من غير الأسباب الذاتية للمطلوب كالشهرة أو خبر الثقة مثلا.

وهذا التفاوت في الأحكام العقلية العامة راجع ،إما إلى التفاوت في صورة الدليل كالقياس والاستقراء والتمثيل، وإما إلى المبادئ المادية التي يعتمد عليها العقل في أحكامه، تلك المبادئ التي ترجع بدورها إلى أصناف القضايا المختلفة المستعملة في الأقيسة المتعددة في الصناعات الخمس.

فتارة يكون حكمه برهانياً وأخرى جدلياً أو خطابياً وهكذا.

ومن هنا يتضح لنا أن العقل البرهانى هو المرتبة الأعلى والأشرف من مراتب العقل العام الذي هو الحاكم المطلق،وبالتالى فهو غير قابل للنقض أو التشكيك ،لأن نقضه إما أن يكون ببرهان ،والشئ لاينقض نفسه ،أو بمرتبة أدنى منه ،والداني لاينقض العالى .

ومن هنا يتبين لنا وهن وسخافة من يحاول التشكيك في حجية العقل البرهانى من الحسيين الغربيين أو من الإخباريين أو المتكلمين أو العرفاء الصوفية

ولكن محل بحثنا هنا هو في معرفة حدود أحكام العقل البرهاني الذي تعتمد عليه المدرسة العقلية العتيدة.

ونحتاج قبل الوصول إلى بيان المطلوب إلى تقديم عدة أمور تمهيدية:

الأول: إن العقل البرهاني لا يحتاج إلى الغير لكي يعين له حدوده؛ لأن العقل العام ـ كما بينا ـ هو الحاكم المطلق على الأشياء بجميع مراتبه الحكمية، وأشرف تلك المراتب هي العقل البرهاني، والأخس الداني لا يمكن له أن يعين حدود الأشرف العالي، اللهم إلاَّ عند من سفه نفسه، وقدم المفضول على الفاضل واتبع الظن وما تهوى الأنفس، كما هو حال الماديين والإخباريين والمتكلمين وعامة الصوفية، حيث لا يبالون بإبطال الأحكام العقلية البرهانية بالأحكام الظنية أو الموهومة العرفية أو الذوقية.

هذا بالإضافة إلى أن العقل البرهاني عاقل في نفسه، بل هو سيد العقلاء، والعاقل يعرف حدوده بنفسه ولا يتجاوزها، فلنترك له الزمام ليحكم بنفسه على نفسه.

الثاني: إن الحدود التي يرسمها العقل البرهاني لنفسه، ليست حدوداً اعتبارية توافقية أو مولوية، بل هي حدود تكوينية، بمعنى أن العقل يجد نفسه عاجزاً عن تجاوزها.

الثالث: إن موضوعات الأحكام العقلية البرهانية، يجب أن تكون من سنخ الطبائع الكلية الحقيقية سواء كانت مادية كالجسم، أو مجردة عن المادة كالنفس أو العقل، أو ما يقوم مقامها من المعاني الانتزاعية الواقعية العامة من المعقولات الفلسفية أو المنطقية التي تحكي عن أنحاء الموجودات العينية أو الذهنية، حيث يتمكن العقل البرهاني أن يحكم عليها بأوصاف كلية على نحو الوجوب أو الامتناع أو الإمكان، وهذه الأوصاف تشكل الجهات الواقعية للقضايا العقلية.

والسر في ذلك أن الأحكام البرهانية ـ كما ثبت في صناعة البرهان ـ يجب أن تكون كلية وثابتة وواقعية، وهذا لا يكون إلاَّ للطبائع الكلية الثابتة أو التي تجري مجراها والمتحققة في نفسها في الواقع ونفس الأمر، على خلاف الهويات الشخصية المادية المتغيرة. وأما الهويات الشخصية الثابتة كالعقول والباري تعالى فتدخل في البرهان لكون تشخصها من لوازم ذاتها أو عين ذاتها، وبالتالي يكون نوعها في شخصها.

الرابع: إن الموضوعات الاعتبارية الشرعية أو الوضعية ،التي يكون وجودها باختيارنا ـ سواء كانت من قبيل الماهيات الاختراعية، كالصلاة، أو الانتزاعيات الاعتبارية، كالملكية والزوجية ـ لا سبيل للعقل البرهاني إليها، لكون ملاكات أحكامها غير معلومة لديه بل هي في يد من اعتبرها، نعم قد تلحقها بعض الأحكام البرهانية الأولية في ظرف الاعتبار، كوجوب مقدمة الواجب أو امتناع اجتماع الأمر والنهي من حيثية واحدة وغير ذلك، مما يسميه الفقهاء باللوازم العقلية للخطابات الشرعية، وان كان تسمية ذلك بالبرهان محل تأمل؛ لكون أحكامه فيها ليس عن طريق معرفة أسبابها الذاتية الحقيقية، بل في ظرف الاعتبار.

الخامس: إن الموضوعات الشخصية المتغيرة لا تدخل بالذات تحت الأحكام البرهانية بهويتها الشخصية، بل تدخل بعرض طبائعها الكلية الثابتة لها؛ لأن الشخص مركب في الواقع من الطبيعة الكلية الثابتة والعوارض الشخصية الغريبة والمتغيرة.

فمثلاً إذا حكم العقل البرهاني على الطبيعة الإنسانية بحكم كلي ككون الإنسان ناطقاً بالوجوب أو كونه حجراً بالامتناع أو كونه أبيضاً بالإمكان، فإن هذه الأحكام الكلية تسري إلى أفرادها الخارجية كزيد وعمرو بالضرورة العقلية.

أما السر في عدم دخول الموضوعات الجزئية المتغيرة بالذات في البرهان ،هو أن المحمولات البرهانية يجب أن تكون ذاتية لموضوعاتها،بمعنى أن تكون مأخوذة في حد موضوعاتها أو تكون موضوعاتها مأخوذة في حدها،والجزئي المتغير لاحد له بالذات ،ولايدخل في حد شئ اخر،وهذا معنى قولهم أن الجزئي ليس بكاسب ولامكتسب

إلى هنا يكون الأمر واضحاً في الموضوعات الشخصية، ولكن ينبغي التنبيه على أمرين:

1 ـ إن الأحكام العقلية البرهانية على الأشخاص المتغيرة بعَرَض طبائعها الكلية لا تدخل في العلوم البرهانية، لأن الغاية من تلك العلوم دائماً هو الوصول إلى أحكام وقوانين كلية.

2 ـ إن الأحكام العقلية البرهانية على الطبائع الكلية التي تكون جهة الحكم فيها هي الوجوب أو الامتناع، تصدق على موضوعاتها الشخصية بالفعل، فنقطع مثلاً أن زيداً بالفعل ناطق أو ليس بحجر، أما الأحكام التي تكون جهة الحكم فيها هي الإمكان، فلا سبيل للعقل هنا أن يعلم بتلبس هذا الشخص بها بالفعل، لأن الوصف الإمكاني للطبيعة الكلية وان كان قطعي الثبوت لها عند العقل، إلاَّ أنه بالنسبة للشخص إما ثابت له بالفعل في الخارج، أو لا، لامتناع اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، وثبوت هذا الوصف الإمكاني كالبياض لزيد مثلاً، إنما يكون معلولاً للأسباب الاتفاقية التي لا سبيل للعقل إليها، اللهم إلاَّ عن طريقين وهما المشاهدة الحسية أو التواتر الذي هو في حكمها، ولكن لا يكون هذا حكماً برهانياً لأنه لا تكون معرفته عن طريق أسبابه الذاتية بل الاتفاقية، فتحصل مما تقدم أمران:

1 ـ إن حدود الأحكام العقلية البرهانية بالذات، إنما هي في دائرة الموضوعات الكلية الحقيقية لا غير.

2 ـ إن الموضوعات الخارجة عن حريم الحكم العقلي البرهاني، هي:

أ ـ الموضوعات الاعتبارية التي اكتسبت وجودها من اعتبار المعتبر لها، كالأحكام الشرعية والقوانين الوضعية، التي تكون ملاكات أحكامها غائبة عن العقل وحاضرة في ذهن المعتبر لا غير، وان كانت ملاكاتها نفس أمرية في الواقع كالأحكام الشرعية عند العدلية.

ب ـ الموضوعات الشخصية المتغيرة التي لا سبيل للبرهان عليها إلاَّ بعَرَض طبائعها الكلية، اللهم إلاَّ في مورد ثبوت الأوصاف ذوات الجهات الإمكانية، حيث لا سبيل للعقل البرهاني إليها بالفعل لا بالذات ولا بالعرض، وان أمكنه أن يقطع بثبوتها لموضوعاتها الشخصية بالفعل عن طريق المشاهدة الحسية أو التواتر الحسي.

وهذه المنطقة الخارجة عن حريم الأحكام العقلية البرهانية لنا أن نسميها بـ(منطقة الفراغ العقلي)، حيث تشكل مشكلة معرفية كبيرة أمام العقل البرهاني؛ لأنها منطقة واسعة وغير محصنة، ولذلك تكون محلاً لتشكيك وتحريف الكثير من الزائغين.

ومن أجل ذلك ينبغي التحرك فيها باحتياط شديد والاعتماد على أدوات معرفية أخرى يُطمئن إليها بإرشاد من العقل البرهاني، كما سنبين ذلك لاحقا في مبحث الحكومة العقلية،ولكن بنحو إجمالى نقول:

أولا ـ أما الجزئيات الشخصية المتغيرة فيدركها العقل بنحو جزئي عن طريق الحواس الظاهرية أو الباطنية

ثانيا ـ الأحكام الكلية للموضوعات الجزئية المتغيرة يدركها العقل عن طريق التجربة الحسية،وهذه وظيفة العلماء الطبيعيين

ثالثا ـ الأحكام الاعتبارية الشرعية الإلهية يأخذها العقل من مبدأها الإلهي الذي أثبت وجوده ووجود حكمته وعنايته ،وكذلك وجود ملائكته ورسله بنفسه في الفلسفة العقلية،وذلك عن طريق النصوص الدينية النازلة على أنبياءه(ع) عن طريق الوحى الإلهى،وهذه هى وظيفة الفقهاء المجتهدين

والعقل البرهانى له حق الإشراف الكلى الإجمالى على أحكام منطقة الفراغ،دون التدخل التفصيلي الخارج عن حريم حكمه،وله أن يهدي الإنسان إلى الطريق المعرفى المناسب ،ويضع هذه الأدوات المعرفية الأخرى في مواضعها الطبيعية دون أن تتجاوزها أو تطغى على بعضها البعض

كما أن له أن يحتفظ لنفسه بحق الاعتراض(الفيتو) على أى نتيجة كلية مخالفة لأحكامه الضرورية تنشأ من استعمال هذه الأدوات في منطقة الفراغ،حيث إن مشروعيتها المعرفية مكتسبة منه

وهذا باختصار معنى الحكومة العقلية ،والتى سيأتى البحث التفصيلي عنها ،وعن العواقب الوخيمة على المستوى الفردي والاجتماعي والسياسي التى ترتبت على التمرد على الحكومة العقلية،وإقصاء الحاكم الشرعي عن مملكته المعرفية.

بقلم الشيخ الدکتور ایمن المصري ـ رئيس أكاديمية الحكمة العقلية



займ на картукредит онлайн