التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 15 يونيو, 2015
المشاهدات: 1٬515
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات: مع بعض الاضافات

ينبغي أن نقول في جودة التمييز؛ لما كانت السعادات إنّما ننالها متى كانت لنا الأشياء الجميلة قنية؛ وكانت الأشياء الجميلة إنّما تصير قنية بصناعة الحكمة؛ فلازم ضرورة أن تكون الحكمة هي التي بها ننال السعادة؛ فهذه هي التي تحصل لنا بجودة التمييز.

ولما كانت الحكمة؛ إنّما تحصل بجودة التمييز، وكانت جودة التمييز إنّما تحصل بقوّة الذهن على إدراك الصواب؛ كانت قوّة الذهن حاصلة لنا قبل جميع هذه، وقوّة الذهن إنّما تحصل متى كانت لنا قوّة بها نقف على الحقّ إنّه حقّ بيقين فنعتقده، وبها نقف على ما هو باطل إنّه باطل بيقين فنجتنبه، ونقف على الباطل الشبيه بالحقّ فلا نغلط فيه، ونقف على ما هو حقّ في ذاته وقد أشبه الباطل؛ فلا نغلط فيه ولا ننخدع؛ والصناعة التي بها نستفيد هذه القوّة تسمّى صناعة المنطق.

وهذه الصناعة هي التي بها يوقف على الاعتقاد الحقّ؛ أي ما هو، وعلى الاعتقاد الباطل؛ أي ما هو. وعلى الأمور التي بها يصير الإنسان إلى الحقّ، والأمور التي بها يزول الإنسان عن الحقّ، والأمور التي بها يظنّ في الحقّ إنّه باطل، والتي تخيل الباطل في صورة الحقّ، فتوقع ذهن الإنسان في الباطل من حيث لا يشعر، وتوقف على السبيل التي بها يزيل الإنسان الباطل عن ذهنه متى اتفق أن اعتقده وهو لا يشعر، والتي بها يزيل الباطل عن غيره إن كان وقع فيه وهو لا يشعر، بحيث إذا قصد الإنسان معرفة مطلوب ما استعمل الأمور التي توقفه على الصواب من مطلبه، ومتى وقع له اعتقاد في شي‏ء عرض له فيه شكّ؛ هل هو صواب أو ليس بصواب، أمكنه امتحانه حتى يصير اليقين فيه إنّه صواب أو ليس بصواب. ومتى اتفق له في خلال ذلك؛ وقوع في باطل لم يشعر به، أمكنه-إذا تعقّب ذلك-أن يزيل الباطل عن ذهنه.

فإذا كانت هذه‏ الصناعة بالحال التي وصفنا؛ فيلزم ضرورة أن تكون العناية بهذه الصناعة تتقدم العناية بالصنائع الأخر.

ولما كانت الخيرات التي هي للإنسان؛ بعضها أخصّ وبعضها أقلّ خصوصا، وكان أخصّ الخيرات بالإنسان عقل الإنسان؛ إذ كان الشيء الذي به صار إنسانا هو العقل.

ولما كان ما تفيده هذه الصناعة من الخيرات عقل الإنسان، صارت هذه الصناعة تفيد الخيرات التي هي أخصّ الخيرات بالإنسان.

فاسم العقل قد يقع على إدراك الإنسان الشيء بذهنه، وقد يقع على الشيء الذي يكون به إدراك الإنسان. والأمر الذي به يكون إدراك الإنسان-الذي يسمّى العقل-قد جرت العادة عند القدماء أن يسموه النطق. واسم النطق قد يقع على النظم والعبارة باللسان؛ وعلى هذا المعنى يدلّ اسم النطق عند الجمهور؛ وهو المشهور في معنى هذا الاسم.

وأمّا القدماء من أهل هذا العلم؛ فإنّ هذا الاسم يقع عندهم على المعنيين جميعا. والإنسان قد يصدق عليه إنّه ناطق بالمعنيين جميعا؛ أعني من طريق أنّه يعبّر، وأنّ له الشيء الذي به يدرك. غير أنّ القدماء يعنون بقولهم في الإنسان «إنّه ناطق» أنّ له الشيء الذي به يدرك ما يقصد تعرّفه.

ولمّا كانت هذه الصناعة تفيد النطق كماله؛ سمّيت صناعة المنطق؛ وبما ان الذي به يدرك الإنسان مطلوبه؛ قد يسمّى أيضا الجزء الناطق من النفس، كانت صناعة المنطق هي التي بها ينال الجزء الناطق كماله الإدراكي بتحصيل ملكة جودة التمييز.

وبالجملة فقد تبين بما تقدم أن أوّل مراتب السلوك في سبيل تحصيل السعادة هو تحصيل صناعة المنطق والتي بتعلمها والارتياض فيها تحصل لنا ملكة جودة التمييز التي هي أحد جزئي الفضيلة الإنسانية وبقي أن نتكلم في الجزء الثاني منها وهو تحصيل الأخلاق الجميلة.


  1. حمید - الثلاثاء, 16 يونيو 2015 في الساعة 6:26 م

    شکرا
    ولکن احتاج الی توضیح لقوبه : انما تصیر قنیة بصناعة الحکمة

  2. محمد - الأربعاء, 1 يوليو 2015 في الساعة 5:27 م

    أي إن الأشياء الجميلة تصير ملكة عندنا من خلال تعلم صناعة الحكمة العملية لأنها هي التي تعلمنا كيف نحصلها وكيف نحترز من موانعها وبدون هذه المعرفة لن نستطيع تحصيلها من خلال التدرب والتاديب حتى تصير ملكة فينا