التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 17 أكتوبر, 2015
المشاهدات: 2٬042
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات:

((توظيف ردة الفعل))

دور الحرمان والقهر والفساد تحكيم ردة الفعل:

جميعنا، بلا شك، نرفض ونبغض أن نكون ضحية لحرمان أو قهر، وبديهي عندنا أن السبب الطبيعي لهذا الرفض والبغض؛ هو أننا محتاجون بالذات للكمال الذي سلب منا بسببهما، ولذلك فكلما تعاظم الحرمان والقهر كلما تعاظم رفضنا لهما ونقمتنا منهما ومن فاعلهما، وذلك لمكان تعاظم الحاجة إلى كمالنا المسلوب منا والممنوع عنا.

ومع تعاظم الرغبة بالخلاص من الحرمان القهر، واشتداد الشوق لكمالاتنا وتلبية حاجاتنا؛ فإننا وللأسف نفقد القدرة على التمييز الصحيح والفحص الهادئ، وهذا ما تخبرنا به طبيعتنا الإنسانية من جهة والاستقراء لأحوال أفرادها من جهة أخرى، ولذلك، وفي حالتي الحرمان والقهر، فإن نظرنا ينصب على كمالنا وحاجتنا التي تلح علينا، بحيث نصير قابلين ومهيئين للانسياق وراء كل ما يظهر لنا أنه طريق للخلاص ونصير متسرعين في تأييد ما يعرض علينا على أنه يرفع عنا حرماننا وقهرنا الذي نعاني منه.

وحينما ننساق وراء الاختيار المتسرع فإننا لا نتوجه ولا نلتفت لفحص وتأمل مدى صحة اختيارنا وإلى أي حد كان تأييدنا لما عرض علينا وروج له أمرا صحيحا وناجعا، فلا نتروى؛ لنفحص آثار اختيارنا ولوازمه من جهاته المتعددة؛ ولذلك، يكون اندفاعنا إلى اختيار طريق خلاصنا قد نشأ من ردة الفعل التلقائية المتطرفة؛ نتيجة لاشتياقنا البالغ للخلاص.

وإنما كانت ردة فعلنا متطرفة؛ لأنها فاقدة للموازنة والتمييز؛ إذ يكون نظرنا منصبا على ما نحتاجه، ومنحصرا في الرغبة بتحصيله، دون أن نلتفت إلى تنوع طرق الخلاص، بين الاعتدال من جهة، والتفريط أو الإفراط من جهة أخرى، أي، دون أن نحرز كونه خلاصا من الحرمان والقهر حقيقة، ودون أن نحرز عدم استلزامه للوقوع في مفاسد أخرى، أو حرمان آخر، نكون ضحيته أو نرتكبه في حق غيرنا.

شمول تأثير ردة الفعل للجانب المعرفي

…… وهذا الخضوع والانسياق وراء ردة الفعل بانسياب سلس، لسنا نقتصر بالوقوع ضحيته على مقام السلوك والعمل، بل حتى في مقام الاعتقاد وتبني الأفكار عندما نتعرض لإجحاف الأحكام والآراء، فحينما نواجه من هو أحادي النظرة في تقييم أمر وموضوع معين، قد اقتصر على لحاظ جهة بعينها منفردة، وساق الحكم العام والمطلق اعتمادا عليها، فأعلا من شأن الفكرة عن الموضوع؛ لأجل عظمة الجهة التي لاحظها، أو بخس الموضوع حقه وقيمته؛ لأجل الخلل الموجود في الجهة التي من خلالها لاحظ الموضوع وفكر به، وهنا، فإننا، ولأجل إفراطه في لحاظ الموضوع من تلك الجهة، ولأجل تفريطه في لحاظ الجهات الأخرى، وإهماله لأهميتها، أو تأثيرها، فإننا، وبتلقائية واندفاع؛ نتيجة الاستياء من إفراطه وتفريطه، نجد أنفسنا ننساق لرفض ما أدلى به، وحكم عليه، موجهين نظرنا إلى جهة أخرى وجدنا أنه أهملها، فندافع عنها، ونعلي من شأنها، ونرتكب عين ما ارتكبه هو، ونقع ضحية الإفراط في مراعاة الجهة التي لاحظناها، والتفريط في الجهات الأخرى، والرفض للجهة التي لاحظها هو، وفي النهاية يكون إفراط الآخرين في أحكامهم، قد حملنا على ارتكاب الإفراط في أحكامنا، دون وعي منا بذلك.

أثر ردة الفعل في تشخيص طريق الخلاص:

إن من أوضح مصاديق الخلاص من أسباب الحرمان والقهر هو تلك الأمور التي تكون أضدادا لتلك الأسباب، ومن هنا، ولأجل كونها أوضح مصاديق الخلاص؛ فإننا نسارع إلى اختيارها واللجوء إليها باعتبارها الأبرز منافاة وتباينا مع أسباب الفساد والقهر والحرمان.

ومن هذا المنطلق يلجأ المتضررون من استبداد الحاكم الفاسد، إلى جعل الخلاص بأن يكون نظام الحكم بيد الشعب.

كما يلجأ المتضررون من سفاهة الاختيار الشعبي وضعف التمييز عند الناس وسهولة التأثير عليهم، إلى جعل الحل باعتماد الحكم الاستبدادي.

وكذا عندما يلجأ الناقمون على حكم الأغنياء والبرجوازيين أو الأرستقراطيين إلى جعل الحكم بيد الفقراء والعمال.

ومثله عندما يلجأ المعانون من طغيان فساد الممارسة الدينية إلى جعل الحل بإقصاء الدين وتعاليمه وقيمه عن ساحة الحياة.

ومن نفس المنطلق يلجأ المقهورون بالكبت والتقييد للحريات إلى جعل الحرية المطلقة شعارا للحياة وأساسا للنجاح، وكذلك حينما ينادي من كممت أفواههم ومنعت أفكارهم برفع كل قيد عن الفكر والإعلام والفن.

وليس مختلفا عنها، حينما يلجأ المحرومون بسبب سوء استخدام السلطة السياسية وفساد المنتمين إليها إلى رفض أي نظم سياسية.

وهكذا فإن أبرز مصاديق انتفاء سبب الحرمان هو ضده ولذلك يكون هو الأسرع حضورا في نفوس المقهورين والمظلومين والأسهل اختيارا إلا أنه يكون مجحفا من جهة أخرى ومفرِطا أو مفرّطا من جوانب مختلفة.

ردة الفعل بين الإفراط والتفريط:

ينبئنا التاريخ، وكذا الحاضر، بتواتر فاضح، ليكشف ذلك التأرجح بين طغياني الإفراط والتفريط الذي مني به المجتمع البشري، والعلاقات الإنسانية على مر التاريخ، وحتى الحاضر القريب، والذي نعيشه ونعاني منه، حيث يقود الحرمان إلى الإسراف والابتذال ويسوق القهر إلى التهاون واللامبالاة ثم يثمر الإسراف والابتذال حرمانا من جهة أخرى ويلد التهاون واللامبالاة قهرا وضياعا لكمالات أخرى وهكذا دواليك من إفراط إلى تفريط من منطلق ردة الفعل العمياء.

أمثلة من حياة الإنسان عن ردة الفعل:

نستطيع أن نذكر على هذه الظاهرة أمثلة متكثرة وشائعة في جميع أشكال الحياة، سواء العلمية أو العملية وعلى كافة الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأسرية والفردية، مما يشاهد على الدوام.

فكم من بخل صير ضحيته مسرفا، وكم من متزمت صير فريسته متهتكا، وكم من تهاون دفع إلى تشدد، وكم من تشدد دفع إلى تساهل، وكم من إصرار أدى إلى إنكار، وكم من تشكيك أدى إلى تعنت، وكم من رفض متعنت ولد إصرارا وتعصبا، وكذا العكس.

وإذا فتحنا نافذة التاريخ والأفكار، فسنجد ما لا حصر له من الشقاق بين المذاهب والفرق، وقد كان وليد إفراط أو تفريط يقود أحدهما إلى الآخر مستعملا عصا ردة الفعل العمياء، فكم من ممجد للعقل إلى حد الإفراط بتوسعة حدوده قد أنتج تفريطا به ورفض له بالمطلق، وكم من ممجد للمعرفة بالتجربة والحس قاد إلى ازدرائهما والتخلي عنهما في كسب المعرفة،  وكم من منقاد لحرفية النص الديني إلى حد السذاجة أعقب رفضا للدين ونصوصه، وكم من متصوف زاهد في كوخ تعبده أورث تهتكا وانحلالا، وكم من تهتك وخلاعة أورثت احتقارا لكل لذة، وكم من قائل بالجبر قاد إلى القول بالتفويض.

وكم من حالات استبداد وطغيان أسري قد أدى إلى سلب الأسرة سلطتها وهيبتها، وكم مبالغة في فرض القوانين أدت إلى رفض مطلق تقنين وتحديد لحرية الإرادة، وكم من غلو في حدود النص الديني أعقب انتشارا للإلحاد، وكم من سوء ممارسة في تلبية الشهوات واللذات قادت إلى تحريم قاس ومجحف، وكم من ممجد للفضائل المعنوية إلى حد الإهمال لكمالات الدنيا قد أدى إلى جعل اللذة المادية هدفا للحياة، وكم من مبجل للعبادة ومهمل لإعمار الدنيا وتنظيمها قد أدى إلى إهمال للعبادة والاقتصار على الدنيا، والأمثلة تتكثر ولا تنتهي في هذا المجال.

أثر ردة الفعل على قوة التمييز:

يمكننا القول إنه عندما يثقل كاهل الفرد أو المجتمع بقهر واستبداد فرد أو فئة أو رؤى أو ممارسات، فإنه يصير محلا يتلقف النصرة لأي دعوة تبرز على أنها مصدر خلاصه وتشجب مصدر شقائه دون تمييز بين غثها وسمينها، فيسهل التأثير فيه وتشكيله على قياس مستغليه، بعد أن تعطل ردة فعله الجامحة ميزان نباهته، وتفسد مقياس إنصافه، وبالتالي يسهل التحكم به، فينساق الناس بدافع من السخط، والتوق للخلاص، وراء الدعوات المتخفية برداء الخلاص.

تحليل ردة الفعل:

يبدو أن تأثير ردة الفعل على الأحكام والاختيارات لهو أمر واضح؛ وذلك لأن رفض الحرمان والقهر، أمر لا يملك الإنسان التخلي عنه، كما أن توقه إلى الخلاص شعور طبيعي وضروري، ولذلك وحتى نتمكن من التعرف على كيفية السيطرة على أحكامنا واختياراتنا لتكون منسجمة مع الواقع ومؤدية إلى الحقيقة والتكامل فإن موضع تركيزنا وفحصنا ينبغي أن يكون أمرين:

الأول تشخيص السبب الحقيقي للحرمان والقهر

والثاني تشخيص الأسلوب الصحيح للوصول إلى الخلاص منهما.

يصطدم الأمر الأول بالخلط بين ما هو سبب وما ليس بسبب.

ويواجه الثاني عقبة التسرع في اختيار الحلول الظاهرة والمقترحة.

ولا ريب أن ما يصطدم به الأول وهو تعيين السبب؛ سيؤثر على الثاني وهو تعيين طريق الخلاص.

الأمر الأول تشخيص السبب الحقيقي للحرمان والقهر

عندما نأتي إلى تشخيص ما هو السبب وراء الحرمان والقهر فذلك سيؤدي بنا إلى نحوين من الخلل كما هو مشاهد:

النحو الأول هو حينما نحدد ما ليس بسبب على أنه سبب ونغفل السبب الحقيقي وسنذكر له عدة نماذج:

النموذج الأول: كما إذا وقعنا في فخ أحدهم واحتال علينا، أو شاهدناه يتصرف بنحو سيئ، وقد كان من أهل بلد آخر غير بلدنا، أو منتميا إلى طائفة ما أو حزب معين أو فئة من فئات البشر مغاير لما نحن عليه، ومن هنا، فإننا نغفل صفاته وظروفه الخاصة التي أوجبت أن يكون محتالا، أو سيئ التصرف، ثم نقوم بجعل الحكم السلبي منصبا على كل من ينتمي إلى ذلك البلد أو تلك القبيلة أو العائلة أو الحزب أو أي جماعة أو دين أو طائفة أو غير ذلك وعليه فإننا نجعل السبب وراء كونه محتالا أو مفسدا أو مؤذيا أو قاسيا هو انتماؤه إلى فئة معينة من فئات البشر أو إلى فكر معين دون فحص لما ينتمي إليه فحصا حقيقيا ودقيقا بأدواته الخاصة ودون فحص للسبب الحقيقي وراء ما صدر منه، مع أن ما قمنا به ليس إلا تجنيا وتعميما ساذجا ولكننا نمارسه كثيرا وننطلق منه في ردة الفعل.

نموذج ثاني:

عندما نقع ضحية الاستبداد من الحاكم فنحكم بأن جعل نظام الحكم بيد شخص ما هو السبب في الفساد ونرتب عليه رفض كل حكم مستقل لشخص أو فئة معينة دون أن نميز السبب الحقيقي وراء الظلم وأنه هل كان استقلال الحاكم أم فساده في نفسه وكذلك الحال عندما نجد أن الديمقراطية تؤدي إلى ان يجعل اختيار الحاكم بيد عامة الشعب مع أن عامة الشعب يفتقرون إلى الدراية في تشخيص الحاكم الصالح ويتأثرون بالإغراء والتضليل الإعلامي فنقوم برفض النظام الديمقراطي جملة وتفصيلا دون تميز في سبب الفساد وأنه هل كان النظام بطبيعته أم كون عامة الشعب غير مؤهلين بعد للاختيار الصحيح وبالتالي إذا ما تم تأهيلهم فحينها ترتفع المشكلة؟.

نموذج ثالث:

كذلك عندما نجد أن الاتكال على الغيب والقدرة الإلهية قد أدى إلى خمول الناس وعدم السعي إلى التغيير فنقوم بردة فعل اتجاه كل اعتقاد بالغيب واتكال على الله دون أن نميز السبب الحقيقي وراء الخمول وأنه هل هو محض الاتكال على الغيب أم سوء الفهم للعلاقة مع الله والارتباط بالغيب وكيفية حصول التغيير؟

نموذج رابع:

حينما نجد أن نظام الترهيب والترغيب في التربية أو التقنين قد أدى إلى محدودية التفكير والإبداع وصرف الأطفال والناس عن الفهم الواعي للنظم الفردية الاجتماعية فنقوم بردة فعل اتجاه كل ترهيب وترغيب أو حتى تقنين دون تمييز بين أصل النظرية وإفراط الممارسة حيث تبنى النظرية على قاعدة مراعاة حدود القابلية في اختيار أسلوب المعاملة واختلافه باختلاف القابليات ومحدوديته بحدود التأدية إلى الهدف وفي قبال ذلك فإن الممارسة تتخذ شكل الإفراط لمكان سوء فهم الممارسين للنظرية مما يؤدي بالمتضررين إلى رفض النظرية جملة وتفصيلا وهذا إفراط من جهة وتفريط من جهة أخرى.

النحو الثاني من الإخلال في تشخيص السبب وراء الفساد والشر والحرمان والقهر:

تحدثنا عن النحو الأول وهو أن نحدد ما ليسب بسبب على أنه سبب ونغفل السبب الحقيقي أما بالنسبة للنحو الثاني فهو حينما نقوم بأخذ ما ليس بسبب على أنه سبب مضاف إلى السبب الحقيقي فنبني على أن كل ما ينتمي إلى المجموع هو السبب؛ وبالتالي نتخذ موقف الرفض وأشباهه تجاه كل من توفر فيها شيء من تلك الأمور وسنذكر نماذج على ذلك:

النموذج الأول: من قبيل ما يحصل عند من يختار أن يلحد ويرفض الاعتراف بإله للكون وذلك لأنه وجد بعض أتباع الأديان قد مارسوا كل ما ينافي الإنسانية في سلوكهم وكرسوا الاقتتال والتحارب فمن إسناده الحرمان والقهر  إلى ممارسة الدينيين يقوم برفض كل ما هو ديني وإلهي ويختار الإلحاد مع أن الممارسة شيء والفكر والنظرية شيء آخر والحكم على أحدهما ينبغي أن ينطلق من معايير مناسبة، وإذا كان دين ما فاسد النظرية فلا يستلزم ذلك فساد كل دين وإذا فسدت الرؤى الدينية المنتشرة فلا يستلزم ذلك فساد الاعتقاد بالله لان الدليل إثبات كل حلقة من هذه الحلقات ليس مرتبطا بالأخرى.

نموذج ثان: والأمر نفسه ينطبق على جعل نظام الملكية الفردية دخيلا في القهر والحرمان الذي سببته الرأسمالية فنقوم برفض نظام الملكية الفردية لوسائل الإنتاج بالكلية ضمن رفضنا للرأسمالية ونبني نظاما آخر نسلب فيه الناس أي ملكية وسلطة على وسائل إنتاجهم، مع أن أصل الملكية شيء مغاير للحدود التي تعطى لها وللممارسة التي ترتبط بها.

الأمر الثاني الخلل في تشخيص وسائل الخلاص:

بعد أن تكلمنا عن نحوي الخلل في تشخيص السبب وراء الحرمان والقهر والشر بقي أن نتكلم عن أسباب الخلل في تشخيص الوسيلة الصحيحة ومن الواضح أن الخلل في تشخيص السبب هو أحد الأسباب الرئيسية في سوء تشخيص الوسيلة للخلاص لأن النظر سينصب على الوسائل التي تنفي ما ليس سببا حقيقة وراء ما نعاني منه ولذلك سيكون اختيارنا وسلوكنا مؤديا إلى نفي أمور لا علاقة لها بما نعانيه وبالتالي يتسبب لنا نفيها بأن نعاني من آثار إقصائها أو القضاء عليها فنقع في حرمان وفساد مختلفين.

أما الأسباب الأخرى التي تؤدي إلى الخلل في تشخيص الوسيلة الصحيحة للخلاص فيما لو نجحنا في تشخيص السبب الحقيقي بشكل محدد فترجع إلى ما سبق وأن تكلمنا حوله حيث يكون الاندفاع نحو القضاء على أسباب المعاناة موجبا للالتفات حصرا إلى مضادات تلك الأسباب ومنافياتها لأنها الأوضح والأبرز في منافاتها فلا نتدبر آثارها ولا نتفحص الجوانب المتعددة فنقع في إفراط ردة الفعل وسبق ان ذكرنا أمثلة عديدة على ذلك.

 

رؤية للخلاص من طغيان تأثير ردة الفعل ومن توظيفها:

بعد الحديث عن ظاهرة ردة الفعل يمكن لنا أن نقدم رؤية كيفية التعامل معها وتشخيص سبيل الخلاص من طغيانها بعد ان عرفنا أسبابها وكيفية تأثيرها فنقول:

قد أصبح بينا لنا أن اتكال الرفض والاختيار على ردة الفعل لا يكون ضامنا للخلاص من الفساد بل يوجب الوقوع في فساد من جهات أخرى ولذلك يتوقف تشخيص الأسباب الصحيحة واختيار الوسائل المناسبة والنظم الصالحة على تقدم عملية التروي والتمهل والدراسة العقلية الفحصية من جهة والبحث الحسي الاستقصائي لأحوال الظاهرة من جهة أخرى وذلك للتعرف على الأسباب الحقيقية والحلول الناجعة.

ومن هنا فإن سبق التعقل والروية -بعد إتقان كيفية التعقل –لعملية الرفض لما يقترن بما نعاني منه، ولعملية الاختيار لطريق الخلاص منه، هما الكفيلان بضمان صواب الانتقال إلى الموقف الأفضل والنظام الأنسب لكمال البشرية وسنتكلم حول ذلك بالتفصيل بعد أن ننهي العرض لأساليب التحكم بالناس وأسبابها في نقاط الضعف البشرية.

خاتمة الكلام حول توظيف ردة الفعل في: كيفية تحقق التطور البشري

في ختام الكلام عن ظاهرة ردة الفعل وكيفية توظيفها، يظهر لنا معنى أن نقول بأن الأفراد والمجتمعات تسير في عملية تطور، إذ التطور ليس مطلق الانتقال من الحال إلى حال بشكل عشوائي، ولا هو مطلق الخلاص من مفاسد من جهة ما، أو الحصول على إيجابيات من جهة أخرى، بل هو تحول الممارسة البشرية الفردية والاجتماعية من حالة الإفراط أو التفريط إلى حالة الاعتدال والتوسط أي هو الاستغناء شيئا فشيئا عن الاتكال على ردة الفعل العمياء والخضوع لسلطان الاستياء واستبدالهما بالتروي والتعقل لاختيار السبيل الأقوم والأوسط الذي يحفظ تحقيق إيجابيات كلا طرفيه المتضادين ويخلّص من سلبيات كل منهما.

ولكن بما أن هذا الانتقال أولا ثم حسن التشخيص ثانيا ليس يأتي بمحض الرغبة به بل يحتاج إلى العمل على تعويد الذات التريث والتمهل ثم امتلاك القانون العقلي السليم  وأدوات الفحص والبحث والاستكشاف فإذا ما اجتمع الاثنان أمكن البلوغ إلى الغاية وكلما ازدادت عملية التعويد للذات كلما قربت الممارسة من التروي والتعقل وكلما ازداد الحذر في تطبيق قانون العقل وكلما صارت وسائل الاستكشاف والفحص أكثر دقة كلما قرب الإنسان من التشخيص الصحيح للسبيل الأقوم وبذلك يكون سائرا في أطوار التكامل نحو الوسط من الجانبين مبتعدا عن إفراط وتفريط كلا الضدين.