التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 19 أغسطس, 2015
المشاهدات: 2٬511
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: محمد ناصر
ملاحظات:

تفعيل عامل الانتماء

تعريف عامل الانتماء وبيان عناصره:

أن أكون منتميا إلى فئة أو جماعة فهذا يعني أنني:

أولاً أشترك مع أفرادها بجهة من الجهات مثل العائلة، القبيلة، العرق، القومية، الوطنية، الحزبية، الجنس، لون البشرة، الطبقة الاجتماعية، رؤية فكرية ما، مخطط عملي معين، الولاء لإنسان أراه عظيما، أو العداء لأحد أراه مفسدا…. إلى آخره.

وثانيا أنني أنظر إلى هذا الانتماء كمعيار في تقييم الآخرين والحكم عليهم واتخاذ الموقف منهم سواء معهم أو عليهم، فأستند إلى موافقتهم لي في الانتماء لأقوم بواجباتي الإنسانية نحوهم، وفي المقابل فإني أستند إلى مخالفتهم لي في هذا الانتماء لأبرر لنفسي ازدرائي لهم أو حرماني إياهم أو إهمالي لشؤونهم أو إضراري بهم.

وهذا يعني أنني جعلت عنوان انتمائي ميزة وشرفا ثم جعلته مساويا لعنوان من يستحق الخير والعون مطلقا. وبالتالي فإنني قد قمت بتضييق عنوان الإنسانية الجامع لكل الناس، ليكون على قياس عنوان انتمائي وهذا يعني أنني صرت أنظر لنفسي من خلال هذا الانتماء ولا أرى قيمة لسواه.

قد أكون مرتبطا بالآخرين بأحد الجهات التي مر ذكرها، وقد يكون بعضها قهريا لا خيار لي فيه كالعرق مثلا أو العائلة، ولكن دون أن أكون منتميا، أي بدون أن أجعل ذلك العنوان المشترك مقياسا للإنسانية وأساسا لواجباتها بل أعتبره فقط تعدد وتنوعا طبيعياً، دون أن يكون له تأثير على أحكامي ومواقفي العملية الإنسانية.

قد يكون الآخرون مخطئين في أفكارهم وسلوكهم وانتماءاتهم الاختيارية، إلا أن ذلك يفترض أن يكون مدعاة لتعليمهم وإرشادهم وإعانتهم كي يعرفوا الحقيقة ويعملوا ما فيه كمالهم حقا، وليس مدعاة لازدرائهم وحرمانهم والإضرار بهم، فإن الإنسان العاقل لا ينتمي إلا إلى الحقيقة ولا يعمل إلى بداعي تحقيق الخير الحقيقي.

آثار الانتماء على الشخص المنتمي:

إنني عندما أنتمي إلى فئة فإني لا أرى نفسي إلا من خلالها وهذا ما يسوقني بتلقائية إلى أن أتمتع بخصائص ثلاث:

الخاصية الأولى: التعصب والتحيز

أن ارتبط عاطفيا مع عنوان الانتماء ومع المشاركين لي فيه، فتنشأ في نفسي مشاعر الود والتآلف، ويحملني الاندفاع للتعاون والتآزر في خدمة ذلك العنوان والهدف، ويكون نشوء هذه العاطفة وهذا الاندفاع نشؤاً تلقائيا تضعف معه القدرة على التمييز والتروي لأن الاندفاع أعمى، والعاطفة لا ترى إلا ما تعلقت به.

لا شك أن التعاطف والود هما من المواقف الخيرة والراقية ولكني عندما أحصرها في دائرة انتمائي فحينها أكون مقيدا لحسنها ورقيها وكذلك التعاون والتآزر الذي يتمتع بالحظ الأوفر من الجمال ولكن حينما أحصره في دائرة انتمائي أو دائرة من أحبهم وأتعاطف معهم فأكون حينها قد قيدت جماله وشوهته.

إن الخير الذي هو خير بغض النظر عمن احتاج إليه لهو مما يجب أن أكون فاعلا له بمعزل عن انتماء من أقدمه له والشر الذي هو شر بغض النظر عمن أفعله معه لهو مما يجب أن أكف عنه بمعزل عن انتماء من يقع عليه شري، فالعاقل من كان خيره مأمول وشره مأمون.

الخاصية الثانية: السذاجة في الاعتقاد

سرعة التصديق لمبادئ وأفكار من أنتمي إليهم فأتلقى التعاليم والإرشادات بطيب خاطر وثقة لا تقبل الجدال بل لا أفكر أصلا في فحصها وتقييمها وإنما أنقاد بتلقائية لسلطة السائد والمشهور والمعتاد في تلك الجماعة التي أنتمي إليها. ولا شك أن هناك أفكارا صحيحة وأفكارا خاطئة لكن معيار الصحة ليس يرتكز على موافقة المشهور والسائد ولا على كونه رأيا لمن أحب وموافقا لإجماع من أنتمي إليهم ولا على كونه موافقا لمن أبغض أو من ينافسني وينافس جماعتي التي أنتمي إليها، بل الحق حق لذاته والباطل باطل لذاته، أما معياره فيكمن في التفكير الصحيح والرويّة العقلية بعد أن أتعلم كيف أفكر تفكيرا سليما وكيف أمارس الرويّة العقلية والتأنّي الحكيم.

الخاصية الثالثة: الانقياد الأعمى

النظر إلى قادة وعظماء ذلك الانتماء بتبجيل، وتعظيم، وقد يصل الحال بي إلى التقديس المطلق لهم والرهبة منهم والعشق لشخصياتهم، وهذا ما يجعلني سهل الانقياد لما يملونه وسريع التفاعل مع ما يريدونه ويوجهون الأتباع المنتمين للقيام به.

قد يكون هناك من يستحق التعظيم، بل التقديس أيضا، ولكن تحديدي لمن هو عظيم ومقدس لا يكون من خلال العواطف ولا من خلال الانتماء ولا من خلال الشهرة والاعتياد، بل من خلال المعرفة بمعيار العظمة والقداسة أولا ثم بمعيار اكتشاف وجود تلك العظمة والقداسة في ذلك الشخص.

وقد يكون هناك من يستحق الطاعة المطلقة، طالما أنه يتمتع بكل خير ولا يأمر إلا بما هو خير وصلاح بالأسلوب والوقت المناسبين، وطالما أنه بريء من كل شر ولا ينهى إلا عما هو شر وفساد بالأسلوب والوقت المناسبين، ولكن تحديدي لمن يجب طاعته مطلقا لا يمكنني أن أستند فيه إلى عاطفتي وانتمائي ولا إلى الشهرة والعادة، بل لا بد أن أكون عارفا بمعيار تمييز الحق من الباطل، والخير من الشر، ثم أن أكون عارفا كيف أميز الصادق من الكاذب والأمين من المخادع، وهذا ما لا تعطيني إياه العاطفة ولا يضمنه لي كوني منتميا إلى تلك الجماعة ومندفعا لموافقتها وإنما يؤمنه لي قانون العقل ونهج تفكيره.

كيفية التوظيف لعامل الانتماء:

حينما أصرُّ على أن أكون منتميا إلى فئة أو جماعة من منطلق العاطفة والانفعال، وخضوعا لسلطان السائد والمشهور والمعتاد، وانقياد لتحكم القادة والساسة، دون التسلح بميزان التفكير والفحص السليم لآرائهم، فحينئذ، فإنني سأكون أنا ومن هم على شاكلتي، عرضة لأن نكون ضحية أمرين اثنين:

الأمر الأول: التجييش العاطفي

حينما تكون عاطفتي جياشة ومشتعلة تجاه جماعتي: عائلتي، قبيلتي، وطني، عرقي، قومي، جنسي، لوني، طبقتي الاجتماعية… إلى آخره، فإنني سأكون عرضة للتأثر بسهولة كبيرة لكل دعاوى التعظيم لجماعتي، وكل أفكار التهديد لكيانها، وكل وعود التألق والمجد لمستقبلها، وبالتالي فإنني ومن هم على شاكلتي سنكون طوع العزف على أوتار العصبية ليتم تسخيرنا لتحقيق مآرب وأهداف القادة والساسة حينما يتم إبراز كيان العائلة، أو الوطن، أو الأمة، أو الطبقة…. ، كأمر أعظم وأهم من الإنسانية جمعاء كأمر مساو للخير والكرامة يخرج من خالفنا عنها ويدخل من وافقنا فيها.

عند ذلك لن نستنكر أي شر نرتكبه، أو نُدعى إليه، لأننا لا نرى الخير والحق إلا من منظار العاطفة المتقدة والتي استعر لهيبها ليحرق كل ما ينافيها ويحرم أندادها كل خير.

وفي خِضَمِّ ذلك كله سيكون العقل مغيّباً، قد وُرِّي تحت ثرى الأقدام، منْسيّاً، وستكون إنسانيتنا لا تعني شيئاً غير جماعتنا وانتمائنا.

الأمر الثاني: التضليل المعرفي

حينما تصبح أفكار الجماعة ومشهوراتها دستورا أقبله من منطلق الانتماء الصرف، وحينما أكذّب منافياتها ومضادتها لأنها أفكار جماعات أخرى مناوئة أو منافسة، وحينما لا أتمهل قليلا لأتدبر الأفكار والأقوال بعقل متأدب بقانون التفكير البرهاني، وحينما تصير تعاليم القادة والساسة وحيا لا يقبل النقاش والفحص بل واجب القبول والطاعة من منطلق التعظيم والتقديس الصرف بعيدا عن ميزان العقل، فإنني سأكون أنا ومن هم على شاكلتي مصدقين بتلقائية لما يقال لنا ومعتنقين للمفاهيم التي تصاغ وتحبك لتكسو أذهاننا وتعميها عن رؤية الحقيقة فنرى الباطل حقا والكذب صدقا، فنساق جميعا بعصى القطيع الناعمة التي لا نراها إلا كأنامل تداعب ظهورنا فنهوي نحو الفتك بإنسانيتنا عن رضا خادع منا.

آثار تفعيل عامل الانتماء على الأمة الإنسانية

إذا ما ألقينا نظرة على التاريخ سنجد أن التكتلات العصبية والحزبية والمذهبية على اختلاف ألوانها قد اعتمدت في حفظ كياناتها على عاملي العاطفة والمبادئ المسلمة وقد تمكن قادتها وسائسوها من تفعيل وتأجيج العواطف عبر التذكير بالمبادئ وربط المواقف والخطط بها ومن ثم تحويل الرغبات الشخصية والأحلام الخاصة إلى قضايا طوائف وشعوب بل إلى قضايا إلهية يختزل فيها الله في غايات ومآرب المنتسبين إليه.

لقد احترف البشر ممارسة التقسيم الفكري والنفسي للأمة الإنسانية من خلال استغلال عناوين جديدة يشترك بها أفراد فئة من الناس فعمدوا ويعمدون إلى ترويجها وترسيخها إرساء للتمييز وتوصلا إلى فرض مشاريع ونظم جديدة كما هو الحال في عالمنا المعاصر حيث صنف الناس بناء على المشتركات المستحدثة كالقومية والوطنية واللغة ولون البشرة والخصائص الجينية والجنسية والفئات العمرية فتعاظمت التجزئة والشرذمة للمجتمع الإنساني.

وإذا ما أردنا أن نستكشف حدة هذا العامل من خلال الاستقراء للمجتمعات البشرية، فسنجد مدى نجاعة ونجاح ربط الأفكار والخيارات بالانتماء العصبي، حيث يتخذ الناس مواقفهم تجاه الأحداث التي يتعرضون لها، والمشاكل التي يواجهونها، ويبنون آراءهم تجاه الحلول التي تروَّج لهم، بالارتكاز إلى تجييشهم، وحشد صفوفهم، وكسب آرائهم بمنجل العصبية، سواء كان لأجل تأييد خيارات متوافقة مع خياراتهم، أو في سبيل دحض أخرى منافية لها، أو بداعي رفض ما يُبرَز على أنه يهدد بقاء جماعتهم، أو لأجل الحفاظ على كيانها الأهم من كل خير، فكل هذه الدواعي كانت ولا زالت تستخدم لتطويع نفوس الناس المنضوين تحت خيمة الانتماء.

فالسبيل المتبع قديما وحديثا، في عملية التحكم بالناس عبر تفعيل عامل الانتماء، يرتكز على محفزين اثنين، أحدهما نفسي وهو الارتباط العاطفي، وثانيهما معرفي يتشكل بصيغة مشهورات ومقبولات تجعل متكأ في عملية التبرير للخيارات والمواقف النظرية والعملية تجاه الأحداث المستجدة.

وهذا كله بدوره قد قاد البشرية ولا يزال نحو التنافس والتناحر، وبدل أن يجمعنا تعقلنا لمعنى إنسانيتنا وحقيقة تكاملنا فنكون متشاركين متكافلين، ها نحن وقعنا في وادي الشقاق السحيق، وللأسف لا زلنا مصرين على تعميق الانحدار حيث لم يجمعنا إلا شيء واحد وهو الفتك القاسي بعقولنا وإنسانيتنا.

ويتجلى هذا الحال في جميع مفاصل الحياة من البيت والأسرة إلى المدينة والدولة مرورا بالشارع ومكان العمل ومعاملاتنا فيما بيننا وهذا ما يجعل خياراتنا بعيدة عن أن تؤدي إلى خيرنا وصلاحنا بل تزيد من تناحرنا ومشاكلنا.

ويكفي أن ننظر إلى الصراعات الدولية القائمة على قدم وساق وإلى الصراعات الطبقية داخل الدول والصراعات الحزبية والدينية والمذهبية في العالم أجمع وكذا الصراعات العائلية والقبلية وقد بدأ حديثا نوع آخر من الصراعات هو صراع الذكورة والأنوثة وصراع الشباب والكهول وليس بعيدا عنا الصراع الذي أدمى البشرية على أساس لون البشرة أو على أساس العرق بل لا زال التمييز الكامن وراء هذه الصراعات فاعلا في كثير من الأحيان ولكن تحت الطاولة وفي الخفاء.

وقد انعكس كل ذلك على معايير اختيارنا للقادة والمسؤولين والعمال والموظفين وعلى معايير إتاحة الفرص للنجاح والتألق وعلى أسس تقديم العون والنفع للمجتمع ولذلك كانت مجتمعاتنا تعيش على فوهة بركان التشرذم والتقاتل والذي ينْشط وينشَّط بين الفينة والأخرى.