تفصيل في تعريف الحكمة العملية أو العلم المدني | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 7 يونيو, 2015
المشاهدات: 1٬752
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات:

يفحص العلم المدني عن أصناف الأفعال والسنن الإرادية وعن الملكات والأخلاق والسجايا والشيم التي عنها تكون الأفعال والسنن، وعن الغايات التي لأجلها تفعل، وكيف ينبغي أن تكون موجودة في الإنسان وكيف الوجه في ترتيبها فيه على النحو الذي ينبغي أن يكون وجودها فيه والوجه في حفظها.

ويميز بين الغايات التي لأجلها تفعل الأفعال وتستعمل السنن‏، ويبين أن منها ما هي في الحقيقة سعادة، وأن منها ما هي مظنون أنها سعادة من غير أن تكون كذلك. وأن التي هي في الحقيقة سعادة لا يمكن أن تكون في هذه الحياة، بل في حياة أخرى بعد هذه وهي الحياة الآخرة، والمظنون به سعادة مثل الثروة والكرامة واللذات، إذا جعلت هي الغايات فقط في هذه الحياة، ويميز الأفعال والسنن، ويبين أن التي تنال بها ما هو في الحقيقة سعادة: هي الخيرات والجميلة والفضائل، وأن ما سواها هو الشرور والقبائح والنقائص.

وأن وجه وجودها في الإنسان أن تكون الأفعال والسنن الفاضلة موزعة في المدن والأمم على ترتيب وتستعمل استعمالا مشتركا، وتبين أن تلك ليست تتأتى إلا برياسة يمكن معها تلك الأفعال والسنن والشيم والملكات والأخلاق في المدن والأمم، ويجتهد في أن يحفظها عليهم حتى لا تزول. وأن تلك الرئاسة لا تتأتى إلا بمهنة وملكة يكون عنها أفعال التمكين فيهم وأفعال حفظ ما مكن فيهم عليهم، وتلك المهنة هي الملكية والملك أو ما شاء الإنسان أن يسميها، والسياسة هي فعل هذه المهنة.

وأن الرئاسة ضربان:

رئاسة تمكن الأفعال والسنن والملكات الإرادية التي شأنها أن ينال بها ما هو في الحقيقة سعادة، وهي الرئاسة الفاضلة. والمدن والأمم المنقادة لهذه الرئاسة هي المدن والأمم الفاضلة.

ورئاسة تمكن في المدن الأفعال والشيم التي تنال بها ما هي مظنونة أنها سعادات من غير أن تكون كذلك، وهي الرئاسة الجاهلية، وتنقسم هذه الرئاسة أقساما كثيرة، ويسمى كل واحد منها بالغرض الذي يقصده ويئِمّه، ويكون على عدد الأشياء التي هي الغايات والأغراض التي تلتمس هذه الرئاسة، فإن كانت تلتمس اليسار سميت رئاسة الخسة، وإن كانت الكرامة سميت رئاسة الكرامة، وإن كانت بغير هاتين سميت باسم غايتها تلك.

وتبين أن المهنة الملكية الفاضلة تلتئم بقوتين:

إحداهما-القوة على القوانين الكلية.

والأخرى-القوة التي يستفيدها الإنسان بطول مزاولة الأعمال المدنية، وبممارسة الأفعال في الأخلاق، والأشخاص في المدن التجربية. والحنكة فيها بالتجربة وطول المشاهدة، على مثال ما عليه الطب، فإن الطبيب إنما يصير معالجا كاملا بقوتين:

إحداهما-القوة على الكليات والقوانين التي استفادها من كتب الطب.

والأخرى-القوة التي تحصل له بطول المزاولة لأعمال الطب في المرضى، والحنكة فيها بطول التجربة والمشاهدة لأبدان الأشخاص.

وبهذه القوة يمكن الطبيب أن يقدر الأدوية والعلاج بحسب بدن، بدن في حال، حال.

كذلك المهنة الملكية إنما يمكنها أن تقدر الأفعال بحسب عارض، عارض، وحال حال، ومدينة مدينة، في وقت، وقت، بهذه القوة، وهذه التجربة.

والفلسفة المدنية تعطي فيما تفحص عنه من الأفعال والسنن والملكات الإرادية وسائر ما تفحص عنه القوانين الكلية، وتعطي الرسوم في تقديرها بحسب حال، حال ووقت وقت، وكيف وبأي شي‏ء، وبكم شي‏ء تقدر، ثم تتركها غير مقدرة، لأن التقدير بالفعل لقوة أخرى غير هذا الفعل، وسبيلها أن تنضاف إليه، ومع ذلك فإن‏ الأحوال والعوارض التي بحسبها يكون التقدير غير محدودة ولا يحاط بها.

وهذا العلم جزءان:

جزء يشتمل على تعريف السعادة، وتمييز ما بين الحقيقة منها والمظنون به وعلى إحصاء الأفعال والسير والأخلاق والشيم الإرادية الكلية التي شأنها أن توزع في المدن والأمم، وتمييز الفاضل منها من غير الفاضل.

وجزء يشتمل على وجه ترتيب الشيم والسير الفاضلة في المدن والأمم، وعلى تعريف الملكية التي بها يمكن السير والأفعال ترتيب أهل المدن، والأفعال التي بها يحفظ عليهم ما رتب ومكّن فيهم.

ثم يحصى أصناف المهن الملكية غير الفاضلة كم هي وما كل واحدة منها، ويحصي الأفعال التي يفعلها كل واحد منها، وأي سنن، وما كان يلتمس كل واحد منها أن يمكّن في المدن والأمم حتى تنال بها غرضها من أهل المدن والأمم التي تكون تحت رئاستها، ويبين أن تلك الأفعال والسير والملكات هي كلها كالأمراض للمدن الفاضلة، أما الأفعال التي تخص المهن الملكية منها وسيرتها، فأمراض المهنة الملكية الفاضلة، وأما السير والملكات التي تخص مدنها، فهي كالأمراض للمدن الفاضلة.

ثم يحصي كم الأسباب والجهات التي من قبلها لا يؤمن أن تستحيل الرئاسات الفاضلة وسنن المدن الفاضلة إلى السنن والملكات‏ الجاهلية، ويحصي معها أصناف الأفعال التي بها تضبط المدن والرئاسات الفاضلة أن تفسد وتستحيل إلى غير الفاضلة، ويحصي أيضا وجوه التدابير والحيل، والأشياء التي سبيلها أن تستعمل إذا استحالت إلى الجاهلية حتى ترد إلى ما كانت عليها.

ثم يبين بكم شي‏ء تلتئم المهنة الملكية الفاضلة، وأن منها العلوم النظرية والعملية، وأن يضاف إليها القوة الحاصلة عن التجربة الكائنة بطول مزاولة الأفعال في المدن والأمم، وهي القدرة على جودة استنباط الشرائط التي تقدر بها الأفعال والسير والملكات، بحسب جمع، جمع، أو مدينة، مدينة، أو أمة، أمة، وبحسب حال، حال، وعارض، عارض.

ثم يبين أن المدينة الفاضلة إنما تدوم فاضلة ولا تستحيل، متى كان ملوكها يتوالون في الأزمان على شرائط واحدة بأعيانها حتى يكون الثاني الذي يخلف المتقدم، على الأحوال والشرائط التي كان عليها المتقدم، وأن يكون توليهم من غير انقطاع ولا انفصال.

ويعرف كيف ينبغي أن يعمل حتى لا يدخل توالي الملوك انقطاع، ويبين أي الشرائط والأحوال الطبيعية ينبغي أن تتفقد في أولاد الملوك وفي غيرهم، حتى يؤهل بها من يوجد منه الملك بعد الذي هو اليوم ملك، ويبين كيف ينبغي أن ينشأ من وجدت فيه تلك الشرائط الطبيعية، وبما ذا ينبغي أن يؤدب، حتى‏ يحصل له المهنة الملكية، ويصير ملكا تاما.

ويبين مع ذلك أن الذين رئاستهم جاهلية لا ينبغي أن يكونوا ملوكا، وأنهم لا يحتاجون في شي‏ء من أحوالهم وأعمالهم وتدابيرهم إلى الفلسفة لا النظرية ولا العملية، بل يمكن كل واحد منهم أن يصير إلى غرضه في المدينة والأمة التي تحت رئاسته بالقوة التجريبية التي تحصل له بمزاولة جنس الأفعال التي ينال بها مقصوده، ويصل إلى غرضه من الخيرات متى اتفقت له قوة قريحة جبلية جيدة؛ لاستنباط ما يحتاج إليه في الأفعال التي ينال بها الخير الذي هو مقصوده، من لذة أو كرامة أو غير ذلك، وانضاف إلى ذلك جودة التأسّي بمن تقدم في الملوك الذين كان مقصدهم مقصده.



займ на картукредит онлайн