تعريف علم الفلسفة | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: حکمة نظریة, عقلیّات
التاریخ: 23 يوليو, 2015
المشاهدات: 1٬952
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الشیخ الدكتور فلاح العابدي
ملاحظات:

يطلق مصطلح العلم على مجموعة من المسائل، وهي سلسلة مطالب تتعلّق بالبحث عن موضوع معيّن، فيكون ذلك الموضوع هو الجامع لموضوعات تلك المسائل، وتكون إمَّا جزئيات تقع تحته أو أجزاء له، وتشتمل على أحوال ذلك الموضوع الذاتيّة وأحكامه الخاصّة به، أو ما يسمّى بـ (العوارض الذاتيّة لموضوع العلم)، وتسمّى هذه المطالب بـمسائل العلم، وعليه إذا أردنا أن نعرّف أيَّ علمٍ، فعلينا أن نحدّد أوّلاً العنوان الكلي الذي تندرج تحته مجموع مسائله، ثمَّ نعرّفه بأنَّه (العلم الباحث عن…)، ونذكر ذلك العنوان الجامع للمسائل.

فعلى سبيل المثال: إذا أردنا تعريف علم النحو وموضوعه الكلمة من حيث البناء والإعراب، نقول: هو العلم الباحث عن العوارض الذاتيّة للكلمة من حيث البناء والإعراب، وعلم الطب وموضوعه بدن الإنسان من حيث الصحّة والمرض، فنقول هو: العلم الباحث عن العوارض الذاتيّة لبدن الإنسان من حيث الصحّة والمرض.

وبناءً على ذلك فقد عُرّف علم الفلسفة بأنَّه: (العلم الذي يبحث عن العوارض الذاتيّة للموجود من حيث هو موجود)([1]).

بيان وتوضيح: إنَّ الإنسان عندما يوجد على هذه الأرض يجد بالبداهة لنفسه واقعية، بمعنى أنَّ وجوده أمر واقعي وليس هو وهم وخيال، فلو لم تكن أنفسنا وما نعبّر عنه بـ (أنا) موجودة واقعاً، فكيف يمكن لنا أن ننكر أو نشكّك بوجود الواقع الخارجي إذا كنّا نفعل ذلك؛ ولأجل هذا الأمر الواضح بالبداهة، كان حتّى مثل جورج بركلي([2]) حينما أنكر الواقع المادّي الخارجي، لم ينكر وجود ذاته ولا الصور العلميّة التي يدركها؛ باعتبار أنَّ نظريّته تعتمد على أنَّ وجود الشيء وواقعيته هو إدراكه، ولعلَّ السرّ هو أنَّ ذلك لبداهة العلم بوجود النفس لكونه من العلوم الحضوريّة المباشرة التي لا تعتمد على توسط آلة.

كما أنَّ هناك حقائق وواقعيات وراء نفس الإنسان، له أن يدركها ويدرك واقعيتها، حتّى وإن لم يكن يعلمها بالعلم الوجداني الحضوري، والشاهد على واقعيتها هو الفعل والانفعال المتبادل بينها وبين النفس، فلا يطلب الإنسان شيئاً من الأشياء ولا يقصده إلَّا لأنَّه يؤمن في قرارة نفسه أنَّه هو ذلك الشيء في الواقع، فإنَّ العطشان حينما يطلب الماء إنَّما يطلبه لأنَّه يعلم أنَّه شيء حقيقي وواقعي، وأنَّه سوف يؤثر في نفسه بأن يرفع عنه العطش، وإلَّا لو لم يكن كذلك، فلماذا يتحرّك نحوه ويشربه؟! وكذلك لا يخاف ويهرب من شيء كالأسد مثلاً إلَّا لكونه هو ذلك الشيء في الحقيقة، وإلَّا لماذا يهرب منه؟! وكذلك الإنسان يتصدّى لما يريد إيذاءه لعلمه بأنَّ ذلك المؤذي موجود واقعي وهو قادر على ردّه، وإلَّا لو كان مجرَّد وهم وخيال فلماذا يتصدّى له ويدافع عن نفسه؟!

إنَّ الشعور بالحاجة إلى شيء أو الخوف من شيءٍ أو التألم من شيءٍ، وهذه الأمور مدركة لدى الإنسان بوجدانه وبعلمه الحضوري الغير قابل للإنـكار والتكذيب إلَّا من مكابر أو مريض، وكلُّ هذا يبعث النفس بعقلها الفطري على أن تُسائِل عن علَّته، إذ إنَّها تؤمن بضرورة أن يـكون له علَّة، ومن الواضح أنَّ علَّته ليست من داخل النفس؛ حيث إنَّه يبحث عنها داخل نفسه فلا يجدها، فلا بُدَّ أن تكون له علَّة وأسباب واقية خارج النفس.

ولكن ربَّما يخطأ الإنسان في نظره وتقديره، فقد يعتقد بأمورٍ ليس لها أيُّ واقعٍ كالحظ والبخت والغول والعنقاء، أو ربَّما اعتقد أنَّ ما هو حقّ واقع في الخارج أنَّه باطل ووهم، كالنفس المجرَّدة والعقل المجرَّد، وعالم القدس الإلهي، وربَّما كان هناك من يؤمن بوجود الإله ولكنه ينعته بنعوت لا تصح ولا تناسب جلال مقامه تعالى، ككونه جسم أو في مكان أو جهة أو أنَّه قابل للإبصار، وغير ذلك.

ولمَّا ثبت وجود الواقع الخارجي، وأنَّ الإنسان قادر على إدراك هذا الواقع والوصول إليه بالجملة، احتاج الإنسان بحكـم ما لديه من ميلٍ فطري نحو التعرّف على الأشياء، وبحكم حاجته على التعرّف والتمييز بين ما هو واقع وما هو وهم وخيال، ليبني نظرته عن الكون ومبدئه ومنتهاه، وبحكم أنَّه يريد التعرّف على الطبيعة لأجل أن يستغلها بنحوٍ صحيحٍ ومثمرٍ لخدمته، احتاج بحكم ذلك لعلمٍ يقوم بهذا الدور، بحيث يبحث عن الموجودات من حيثية وجودها، وعلم الفلسفة هو العلم الذي يقوم بهذا الدور، حيث إنَّه العلم الذي يبحث عن العوارض الذاتيّة، أي الأحكام الخاصّة بالموجودات من حيث هي موجودة لا من حيثية أخرى.

([1]) انظر: ابن سينا، إلهيات الشفاء، ص14 – 15، السيد محمد حسين الطباطبائي، بداية الحكمة، ص6، وغيرها من كتب الفلسفة.

([2]) جورج بركلي (George Berkeley) (1685 ـ 1753)، فيلسوف إيرلندي من أصل إنكليزي، ولد في كيلكني Kilkenny بإيرلندة، وتلقى علومه الأولى في مدرسة الدوق أورموند بكيلكني (Ducke of Ormond chool)، درس الرياضيات واللغة والفلسفة، واطّلع على آراء لوك التجريبيّة في دبلن (1700 ـ 1704)، في كلية التثليث التي عُيّن فيها سنة (1707) زميلاً لعدّة سنوات، انتقل إلى لندن سنة (1713) واعظاً لكنيسة اللورد بيتر بورو (Peter Borough)، وتجوَّل في بعض أنحاء أوروبا: فرنسا وإيطاليا وصقلية ـ في سنوات (1716 ـ 1720)، عاد بعدها إلى لندن فدبلن سنة (1721)، حيث واصل عمله في كلية التثليث، ثمَّ عاد إلى إيرلندة سنة (1734)، وصار أسقفاً لكنيسة كلوين Cloin حتى سنة (1752). غادر بعدها إلى أكسفورد حيث وافته المنية.

يُعدّ بركلي أحد ممثلي النزعة التجريبيّة، ومؤسّساً للفلسفة المثاليّة الذاتيّة
(idealism  subjective) في القرن الثامن عشر، يصوغها ضمن إطار نظريّاته اللامادّية (immaterialism) التي تجمع في آنٍ واحد بين المثاليّة والتجريبيّة (empiricism)، وبين اللامادّية والحسّ المشترك (common sense)، وبين المثاليّة (الذاتيّة) والواقعيّة الإبستيمولوجيّة، ليطرح نظريّة في المعرفة تستمد قوامها من آراء معاصريه هوبز وبيكون ولوك، فتجعل من التجربة مصدراً للمعرفة، وتنكر آراء سابقيه: ديكارت، وأفلاطونيي كامبردج، حول وجود أفكار فطريّة أو معرفة قَبْلية.

وعلى تأثره بأفكار لوك فإنَّه عارض ميتافيزيقيته ونظرته الميكانيكيّة للعالم، وعارض أفكار نيوتن الرياضيّة، ونظريّته عن المكان المطلق والجاذبية، وكذلك نظريّة ليبتنز عن القوَّة وحساب اللامتناهيات، التي تعزو حركة الأجسام المادّية إلى عللها الطبيعيّة، في حين يردها بركلي إلى جوهر روحي نشيط وفعّال، هو الله.

وترتكز نظريّة بركلي على مبدأ يوحِّد الوجود مع الإدراك الحسِّي، ويربط حقلي الإبستيمولوجيّة (pistemology ) والأنطولوجيّة ( ontology)، فتقرّر أنَّ (وجود الشيء هو إدراكه). الموسوعة العربيّة، ج4، العلوم الإنسانيّة، الفلسفة وعلم الاجتماع والعقائد، بركلي (جورج).

 

التعريف من كتاب الدِّين والفلسفة وجدليَّة العلاقة بينهما



займ на картукредит онлайн