التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 15 فبراير, 2015
المشاهدات: 4٬384
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات:

حد المنطق‏

فصناعة المنطق تعطي جملة القوانين التي شأنها أن تقوّم العقل، وتسدد الإنسان نحو طريق الصواب، ونحو الحق في كل ما يمكن أن يغلط فيه من المعقولات؛ والقوانين التي تحفظه وتحوطه من الخطأ والزلل والغلط في المعقولات؛ والقوانين التي يمتحن بها في المعقولات ما ليس يؤمن أن يكون قد غلط فيه غالط. وذلك أن في المعقولات أشياء لا يمكن أن يكون العقل غلط فيها، وهي التي يجد الإنسان نفسه كأنها

فطرت على معرفتها واليقين بها مثل: أن الكل أعظم من جزئه؛ وأن كل ثلاثة فهو عدد فرد.

وأشياء أخر يمكن أن يغلط فيها ويعدل عن الحق إلى ما ليس بحق وهي التي شأنها أن تدرك بفكر وتأمل، عن قياس واستدلال.

ففي ذلك دون تلك يضطر الإنسان الذي يلتمس الوقوف على الحق اليقين في مطلوباته كلها إلى قوانين المنطق.

وهذه الصناعة تناسب صناعة النحو: وذلك أن نسبة صناعة المنطق إلى العقل والمعقولات كنسبة صناعة النحو إلى اللسان والألفاظ.

فكل ما يعطيناه علم النحو من القوانين في الألفاظ، فإن علم المنطق يعطينا نظائرها في المعقولات.

وتناسب أيضا علم العروض: فإن نسبة علم المنطق إلى المعقولات كنسبة العروض إلى أوزان الشعر.

وكل ما يعطيناه علم العروض من القوانين في أوزان الشعر فإن علم المنطق يعطينا نظائرها في المعقولات.

وأيضا فإن القوانين المنطقية التي هي آلات يمتحن بها في المعقولات ما لا يؤمن أن يكون العقل قد غلط فيه أو قصر في إدراك حقيقته تشبه الموازين والمكاييل التي يمتحن بها في كثير من الأجسام ما لا يؤمن أن يكون الحس قد غلط أو قصر في إدراك تقديره، وكالمساطر التي يمتحن بها في الخطوط ما لا يؤمن أن يكون الحس قد تحير أو غلط في إدراك استقامته.

فائدة علم المنطق‏

فهذه جملة غرض المنطق، وتبين من غرضه عظيم غنائه: وذلك في كل ما نلتمس تصحيحه عند غيرنا، وفيما نلتمس تصحيحه عند أنفسنا، وفيما يلتمس غيرنا تصحيحه عندنا.

فإنه إذا كانت عندنا تلك القوانين، والتمسنا استنباط مطلوب وتصحيحه عند أنفسنا لم نطلق أذهاننا في تطلب ما نصححه مهملة تسبح في أشياء غير محمودة، وتروم المصير إليه من حيث اتفق، ومن جهات عسى أن تغلطنا فتوهمنا فيما ليس بحق أنه حق فلا نشعر به.

بل ينبغي أن يكون علمنا أي طريق ينبغي أن نسلك إليه، وعلى أي الأشياء نسلك، ومن أين نبتدئ في السلوك، وكيف نقف من حيث تتيقن أذهاننا، أو كيف ينبغي بأذهاننا علم شي‏ء، شي‏ء منها إلى أن نفضي لا محالة إلى ملتمسنا، ونكون مع ذلك قد عرفنا جميع الأشياء المغلطة لنا والملبسة علينا فنتحرز عنها عند سلوكنا. فعند ذلك‏

نتيقن فيما نستنبطه أنّا صادفنا فيه الحق ولم نغلط. وإذا رابنا أمر شي‏ء استنبطناه، فيخيل إلينا أنّا قد سهونا عنه، امتحناه من وقتنا: فإن كان فيه غلط، شعرنا به، وأصلحنا موضع الزلل بسهولة.

وتلك تكون منازلنا فيما نلتمس تصحيحه عند غيرنا، فإنّا إنما نصحح الرأي عند غيرنا بمثل الآلات والقوانين‏ التي تصححه عند أنفسنا، فإن نازعنا في الحجج والأقاويل التي خاطبناه بها في تصحيح ذلك الرأي لم هذه، وطالبنا بوجه تصحيحها له، وكيف صارت تصحح ذلك الرأي دون أن تصحح ضده، ولم صارت أولى من غيرها بتصحيح ذلك الرأي؛ قدرنا أن نبين له جميع ذلك.

وكذلك إذا أراد غيرنا أن يصحح عندنا رأيا ما، كان معنا ما نمتحن به أقاويله وحججه التي رام أن يصحح بها ذلك الرأي: فإن كانت في الحقيقة مصححة، تبين من أي وجه يصحح. فنقبل ما نقبله من ذلك عن علم وبصيرة. وإذا غالط أو غلط تبين من أيّ وجه غالط أو غلط. فنزيف ما يدفعه من ذلك عن علم وبصيرة.

وإذا جهلنا المنطق كان حالنا في جميع هذه الأشياء بالعكس وعلى الضد. وأعظم من جميع ذلك وأقبحه وأشنعه وأحر به أن يحذر ويتقى هو ما يلحقنا إذا أردنا أن ننظر في الآراء المتضادة. أو نحكم بين المتنازع فيها وفي الأقاويل والحجج التي يأتي بها كل واحد ليصحح رأيه ويزيف رأي خصمه. فإنّا إن جهلنا المنطق لم نقف من حيث نتيقن على‏

صواب من أصاب منهم كيف أصاب، ومن أي جهة أصاب، وكيف صارت حجته توجب صحة رأيه، ولا على غلط من غلط منهم، أو كيف غلط، ومن أي جهة غالط أو غلط، وكيف صارت حجته لا توجب صحة رأيه: فيعرض لنا عند ذلك: إما أن نتحير في الآراء كلها حتى لا ندري أيها صحيح وأيها فاسد؛ وإما أن نظن أن جميعها على تضادها حق، أو نظن أنه ليس ولا في شي‏ء منها حق، وإما أن نسرع في تصحيح بعضها وتزييف بعضها، ونروم تصحيح وتزييف ما تزيف من حيث لا ندري من أي وجه هو كذلك، فإن نازع منازع فيما نصححه أو نزيفه فلم يمكنا أن نبين له وجوه ذلك، وإن اتفق فيما صححناه أو زيفناه شي‏ء هو في الحقيقة كذلك لم نكن على يقين في شي‏ء من هذين أنه في الحقيقة كما هو عندنا، بل نعتقد ونظن في كل ما هو صحيح عندنا عسى أن يكون فاسدا، وفيما هو عندنا فاسد عسى أن يكون صحيحا، وعسى أن نرجع إلى ضد ما هو الحق عليه في الأمرين جميعا، وعسى أن يرد علينا وارد إما من خارج أو من خاطر يسنح في أنفسنا، فيزيلنا عما هو عندنا اليوم صحيح أو فاسد إلى ضده. وكان جميع ذلك كما يقال في المثل-حاطب الليل.

وهذه الأشياء تعرض لباقي الناس دليل عون عندنا بالكمال في العلوم، فإنا إن جهلنا المنطق ولم يكن معنا ما نمتحنهم فيه، فإما أن‏

نحسن الظن بجميعهم، وإما أن نتهم جميعهم، وإما أن نشرع في تمييز ما يتهم فيكون كل ذلك منا من غير تثبيت. ومن حيث لا نتيقن.

فلا نأمن أن يكون فيمن قد أحسنّا فيه الظن أنه مموه مشنع، فيكون قد نفق عندنا المبطل، وأيدنا من يسخر بنا ونحن لا نشعر. أو يكون فيمن اتهمناه نحن فنكون قد أطرحناه ونحن لا نشعر.

فهذه مضرة جهلنا بالمنطق، ومنفعة علمنا به، ويتبين أنه ضروري لمن أحب ألا يقتصر في اعتقاداته وآدابه على الظنون، وهي الاعتقادات التي لا يأمن صاحبها عند نفسه أن يرجع عنها إلى أضدادها. وليس بضروري لمن آثر المقام في الاقتصار في آرائه على الظنون وقنع بها.

وأما من زعم أن الدربة بالأقاويل والمخاطبات الجدلية، أو الدربة بالتعاليم مثل الهندسة والعدد تغني عن علم قوانين المنطق أو تقوم مقامه وتفعل فعله، أو تعطي الإنسان القوة على امتحان كل قول وكل حجة وكل رأي، وتسدد الإنسان إلى الحق واليقين حتى لا يغلط في شي‏ء من سائر العلوم أصلا، فهو مثل من زعم أن الدربة والارتياض بحفظ الأشعار والخطب، والاستكثار من روايتها، يغني في تقويم اللسان، وفي ألا يلحن الإنسان عن قوانين النحو، ويقوم مقامها ويفعل فعلها، وأنه يعطي الإنسان قوة يمتحن بها إعراب كل قول هل أصيب‏

فيه أو لحن. فالذي يليق أن يجاب به في أمر النحو هاهنا هو الذي يجاب به في أمر المنطق هناك.

وكذلك من زعم أن المنطق فضل لا يحتاج إليه إذ كان قد يمكن أن يوجد في وقت ما إنسان كامل القريحة لا يخطئ الحق أصلا من غير أن يكون قد علم شيئا من قوانين المنطق، كقول من زعم أن النحو فضل، إذ قد يوجد في الناس من لا يلحن أصلا من غير أن يكون قد علم شيئا من قوانين النحو-فإن الجواب عن القولين جميعا جواب واحد.

موضوع علم المنطق‏

وأما موضوعات المنطق، وهي التي فيها تعطى القوانين، فهي المعقولات من حيث تدل عليها الألفاظ، والألفاظ من حيث هي دالة على المعقولات. وذلك أن الرأي إنما نصححه عند أنفسنا بأن نتفكر ونروي ونقيم في أنفسنا أمورا ومعقولات شأنها أن تصحح ذلك الرأي،

ونصححه عند غيرنا بأن نخاطبه بأقاويل نفهّمه بها الأمور والمعقولات التي شأنها أن تصحح ذلك الرأي. وليس يمكن أن نصحح أي رأي اتفق بأي معقولات اتفقت، ولا أن نوجد تلك المعقولات بأي عدد اتفق، ولا بأي أحوال وتركيب وترتيب اتفق، بل نحتاج في كل رأي نلتمس تصحيحه إلى أمور ومعقولات محددة، وإلى أن يكون بعدد ما معلوم، وعلى أحوال وتركيب أو ترتيب معلوم. وتلك ينبغي أن تكون لحال ألفاظها التي بها تكون العبارة عنها عند تصحيحها لدى غيرنا.

فلذلك نضطر إلى قوانين تحوطنا في المعقولات وفي العبارة عنها، وتحرسنا من الغلط فيهما. وكلا هاتين: أعني المعقولات والأقاويل التي بها تكون العبارة عنها، يسميها القدماء «النطق والقول». فيسمون المعقولات القول والنطق الداخل المركوز في النفس، والذي يعبر به عنهما القول والنطق الخارج بالصوت، والذي يصحح به الإنسان الرأي عند نفسه هو القول المركوز في النفس، والذي به يصححه عند غيره هو القول الخارج بالصوت، والقول الذي شأنه أن يصحح رأيا ما يسميه القدماء «القياس»، كان قولا مركوزا في النفس أو خارجا بالصوت.

علم المنطق والنحو

فالمنطق يعطي القوانين التي سلف ذكرها في القوتين جميعا.

وهو يشارك النحو بعض المشاركة بما يعطي من قوانين الألفاظ، ويفارقه في أن علم النحو إنما يعطي قوانين تخص ألفاظ أمة ما، وعلم المنطق‏

يعطي قوانين مشتركة تعم ألفاظ الأمم كلها. فإن للألفاظ أحوالا تشترك فيها أحوال جميع الأمم: مثل أن الألفاظ منها مفردة ومنها مركبة والمفردة اسم، وكلمة، وأداة، وأن منها ما هي موزونة وغير موزونة وأشباه ذلك.

وهاهنا أحوال تخص لسانا دون لسان مثل: أن الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب، والمضاف لا يدخل فيه ألف ولام التعريف. فإن هذه وكثيرا غيرها يخص لسان العرب. وكذلك في لسان كل أمة أحوال تخصه. وما وقع في علم النحو من أشياء مشتركة لألفاظ الأمم كلهم، فإنما أخذه أهل النحو من حيث هو موجود في ذلك اللسان الذي عمل النحو له: كقول النحويين من العرب إن الكلم العربية اسم، وفعل، وحرف، وكقول نحويي اليونانيين: أجزاء القول في اليونانية اسم، وكلمة، وأداة. وهذه ليست إنما توجد في العربية فقط، أو في اليونانية فقط، بل في جميع الألسنة، وقد أخذها نحويو العرب على أنها في العربية، ونحويو اليونانية على أنها في اليونانية.

فعلم النحو في كل لسان إنما ينظر فيما يخص تلك الأمة، وفيما هو مشترك له ولغيره، لا من حيث هو مشترك، لكن من حيث هو موجود في لسانهم خاصة.

فهذا هو الفرق بين نظر أهل النحو في الألفاظ وبين نظر أهل المنطق فيها: وهو أن النحو يعطي قوانين تخص ألفاظ أمة، ويأخذ ما هو مشترك لها ولغيرها، لا من حيث هو مشترك، بل من حيث هو موجود في اللسان الذي عمل ذلك النحو له.

والمنطق فيما يعطي من قوانين الألفاظ إنما يعطي قوانين تشترك فيها ألفاظ الأمم، وتأخذها من حيث هي مشتركة، ولا ينظر في شي‏ء مما يخص ألفاظ أمة ما، بل يقضي أن يؤخذ ما يحتاج إليه من ذلك عن أهل العلم بذلك اللسان.

وأما عنوانه-فإنه بيّن أنه ينبئ عن جملة غرضه: وذلك أنه مشتق من النطق. وهذه اللفظة تقال عند القدماء على ثلاثة معان:

أحدها-القول الخارج بالصوت، وهو الذي به تكون عبارة اللسان عما في الضمير.

والثاني-القول المركوز في النفس، وهو المعقولات التي تدل عليها الألفاظ.

والثالث-القوة النفسانية المفطورة في الإنسان، التي بها يميز التمييز الخاص بالإنسان دون سواه من الحيوان، وهي التي بها يحصل للإنسان المعقولات والعلوم والصنائع؛ وبها تكون الروية؛ وبها يميز بين‏

الجميل والقبيح من الأفعال. وهي توجد لكل إنسان حتى في الأطفال، لكنها نزرة لم تبلغ بعد إلى أن تفعل فعلها: كقوة رجل الطفل على المشي، وكالنار اليسيرة التي لا تبلغ أن تحرق الجذع، وفي المجانين والسكران كالعين الحولاء، وفي النائم كالعين المغمضة، وفي المغمي عليه كالعين التي عليها غشاوة من بخار أو غيره «1».

فهذا العلم-لمّا كان يعطي قوانين في النطق الخارج، وقوانين في النطق الداخل، ويقيم بما يعطيه من القوانين في الأمرين النطق الثالث الذي هو في الإنسان بالفطرة، ويسدده حتى لا يفعل فعله في الأمرين إلا على أصوب ما يكون وأتمه وأفضله-سمي باسم مشتق من النطق الذي يقال على الأنحاء الثلاثة؛ كما أن كثيرا من الكتب التي تعطي قوانين في المنطق الخارج فقط من كتب أهل العلم في النحو فقط تسمى باسم المنطق. وبيّن أن الذي يسدد نحو الصواب في جميع أنحاء النطق أحرى بهذا الاسم «2».