التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 15 فبراير, 2015
المشاهدات: 6٬115
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: أبونصر الفارابي
ملاحظات:

أقسام علم المنطق‏

فأما أجزاء المنطق فهي ثمانية:

وذلك أن أنواع القياس، وأنواع الأقاويل التي يلتمس بها تصحيح رأي أو مطلوب في الجملة، وأنواع الصنائع التي فعلها بعد استعمالها أن نستعمل القياس في المخاطبة في الجملة خمسة: برهانية، وجدلية، وسفسطائية، وخطبية، وشعرية.

فالبرهانية-هي الأقاويل التي شأنها أن تفيد العلم اليقين في المطلوب الذي نلتمس معرفته، سواء استعملها الإنسان فيما بينه وبين نفسه في استنباط ذلك المطلوب أو خاطب بها غيره، أو خاطبه بها غيره في تصحيح ذلك المطلوب، فإنها في أحوالها كلها شأنها أن تفيد العلم اليقين: وهو العلم الذي لا يمكن أصلا أن يكون خلافه، ولا يمكن أن يرجع الإنسان عنه، ولا أن يعتقد فيه أنه يمكن أن يرجع عنه، ولا تقع عليه فيه شبهة بغلطة ولا مغالطة تزيله عنه، ولا ارتياب ولا تهمة له بوجه ولا سبب.

والأقاويل الجدلية هي التي شأنها أن تستعمل في أمرين:

أحدهما-أن يلتمس السائل بالأشياء المشهورة التي يعترف بها جميع الناس غلبة المجيب في موضع يضمن المجيب حفظه أو نصرته، [فإن كان هذا] بالأقاويل التي ليست مشهورة لم يكن فعلهما ذلك فعلا على طريق الجدل.

والثاني-في أن يلتمس بها الإنسان إيقاع الظن القوي في رأي قصد تصحيحه إما عند نفسه وإما عند غيره حتى يخيل أنه يقين من غير أن يكون يقينا.

والأقاويل السوفسطائية-هي التي شأنها أن تغلط وتضلل وتلبّس وتوهم فيما ليس بحق أنه حق، وفيما هو حق أنه ليس بحق، وتوهم فيمن ليس بعالم أنه عالم ناقد، وتوهم فيمن هو حكيم عالم أنه ليس كذلك. وهذا الاسم، أعني السوفسطائية، اسم المهنة التي يقدر الإنسان المغالطة والتمويه والتلبيس بالقول والإيهام، إما في نفسه أنه ذو حكم وعلم وفضل، أو في غيره أنه نقص من غير أن يكون كذلك في الحقيقة، وإما في رأي حق أنه ليس بحق، وفيما ليس بحق أنه حق،

وهو مركب في اليونانية من «سوفيا»، وهي الحكمة، ومن «اسطس». وهي المموهة؛ فمعناه حكمة مموهة. وكل من له قدرة على التمويه والمغالطة بالقول في شي‏ء كان، سمي بهذا الاسم. وقيل إنه سوفسطائي، وليس كما ظن قوم أن سوفسطا اسم إنسان في الزمن القديم، وأنّ مذهبه كان إبطال الإدراك والعلوم؛ وشيعته الذين يتبعون رأيه فينصرون مذهبه يسمون سوفسطائيين، وكل من رأى رأي ذلك الرجل ونصره سمي بهذا الاسم- فإن هذا ظن غبي جدا: فإنه لم يكن فيما سلف إنسان كان مذهبه إبطال العلوم والإدراك يلقب بهذا اللقب، ولا القدماء سموا بهذا الاسم أحدا، لأجل أنهم نسبوه إلى إنسان كان يلقب بسوفسطا، بل إنما كانوا يسموه إنسانا بهذا الاسم لأجل مهنته ونوع مخاطبته، وقدرته على جودة المغالطة والتمويه، كائنا من كان‏

من الناس، كما لا يسمون الإنسان جدليا لأنه ينسب إلى إنسان كان يلقب بجدل. بل سموه جدليا لمهنته ونوع مخاطبته، ولقدرته على حسن استعمال صناعته، كائنا من كان من الناس. فمن كانت له هذه القوة والصناعة فهو سوفسطائي، ومهنته، هي سوفسطائية، وفعله الكائن عن مهنته فعل سوفسطائي.

والأقاويل الخطبية -هي التي شأنها أن يلتمس بها إقناع الإنسان في أي رأي كان، وأن يميل ذهنه إلى أن يسكن إلى ما يقال له ويصدق به تصديقا ما-إما أضعف وإما أقوى-فإن التصديقات الإقناعية هي دون الظن القوي، وتتفاضل، فيكون بعضها أزيد من بعض على حسب تفاضل الأقاويل في القوة وما يستعمل معها؛ فإن بعض الأقاويل المقنعة يكون أشفى وأبلغ وأوثق من بعض في الشهادات. فإنها كلما كانت أكثر فإنها أبلغ في الإقناع وإيقاع التصديق‏

بالخبر وأشفى، ويكون سكون النفس إلى ما يقال أشد؛ غير أنها على تفاضل إقناعاتها ليس منها شي‏ء يوقع الظن القوي المقارب لليقين.

فبهذا تخالف الخطابة الجدل في هذا الباب.

والأقاويل الشعرية-هي التي تؤلف من أشياء شأنها أن تخيّل في الأمر الذي فيه المخاطبة خيالا ما أو شيئا أفضل أو أحسن. وذلك إما جمالا أو قبحا، أو جلالة أو هوانا، أو غير ذلك مما يشاكل هذه.

و يعرض لنا عند استعمال الأقاويل الشعرية عند التخيل الذي يقع عنها في أنفسنا شبيه بما يعرض لنا عند نظرنا إلى الشيء الذي يشبه ما يعاف، فإنّا من ساعتنا يخيل لنا في ذلك الشيء أنه مما يعاف فتقوم أنفسنا منه فتجتنبه وإن تيقنا أنه ليس في الحقيقة كما خيل لنا «1»، فنفعل فيما تخيله لنا الأقاويل الشعرية، وإن علمنا أن الأمر ليس كذلك، كفعلنا فيها لو تيقنا أن الأمر كما خيله لنا ذلك القول: فإن الإنسان كثيرا ما تتبع أفعاله تخيلاته أكثر مما تتبع ظنه أو علمه، فإنه كثيرا ما يكون ظنه أو علمه مضادا لتخيله؛ فيكون فعله الشيء الذي بحسب تخيله لا بحسب ظنه أو علمه، كما يعرض عند النظر إلى التماثيل المحاكية للشيء، وإلى الأسماء الشبيهة بالأمور.

وإنما تستعمل الأقاويل الشعرية في مخاطبة إنسان يستنهض لفعل شي‏ء ما باستقرار إليه واستدراج نحوه:

وذلك إما أن يكون الإنسان المستدرج لا روية له ترشده فينهض نحو الفعل الذي يلتمس منه بالتخييل، فيقوم التخييل مقام الروية.

وإما أن يكون إنسان له روية في الذي يلتمس منه ولا يؤمن إذا روّى فيه أن يمتنع، فيعاجل بالأقاويل الكاذبة، ليسبق بالتخييل رويته حتى يبادر إلى ذلك الفعل، فيكون منه بالغلبة قبل أن يستدرك برويته ما في عقبى ذلك الفعل فيمتنع منه أصلا، ويتعقبه فيرى ألا يستعمل فيه ويؤخره إلى وقت آخر.

ولذلك صارت الأقاويل دون غيرها تجمّل وتزيّن وتفخّم ويجعل لها رونق وبهاء بالأشياء ذكرت في علم المنطق.

فهذه أصناف القياسات والصنائع القياسية.

وأصناف المخاطبات التي تستعمل لتصحيح شي‏ء ما في الأمور كلها هي في الجملة خمسة: يقينية، وظنونية، ومغلطة، ومقنعة، ومخيلة.

وكل واحد من هذه الصنائع الخمس لها أشياء تخصها، ولها أشياء أخر تشترك فيها.

والأقاويل القياسية أكانت مركوزة في النفس أو خارجة بالصوت فهي مؤلفة: أما المركوزة في النفس فمن معقولات كثيرة مرتبطة، مرتبة، تتعاضد على تصحيح شي‏ء واحد. والخارجة بالصوت فمن ألفاظ كثيرة مرتبطة مرتبة تدل على تلك المعقولات وتساويها فتصير باقترانها إليها مترادفة ومتعاونة على تصحيح شي‏ء عند السامع.

وأقل الأقاويل الخارجة هي مركبة من لفظين، لفظين، وأقل الأقاويل المركوزة مركبة من معقولين مفردين، معقولين مفردين، وهذه هي الأقاويل البسيطة.

والأقاويل القياسية إنما تؤلف عن الأقاويل البسيطة فتصير أقاويل مركبة «3».

وأقل الأقاويل المركبة ما كان مركبا عن قولين بسيطين وأكثرها غير محدود. فكل قول قياسي فأجزاؤه العظمى هي الأقاويل البسيطة، وأجزاؤه الصغرى، وهي أجزاء أجزائه، هي المفردات من المعقولات والألفاظ الدالة عليها. فتصير أجزاء المنطق ثمانية كل جزء منها في كتاب:

الأول-فيه قوانين في المفردات من المعقولات والألفاظ الدالة عليها. وهو في الكتاب الملقب، إما بالعربية فالمعقولات، وباليونانية قاطيغورياس.

والثاني-فيه قوانين الأقاويل البسيطة التي هي المعقولات المركبة من معقولين مفردين معقولين مفردين والألفاظ الدالة عليها المركبة من لفظين، لفظين. وهو في الكتاب الملقب، إما بالعربية فالعبارة، وباليونانية باري‏أرمينياس.

والثالث-فيه الأقاويل التي يعبر بها القياسات المشتركة للصنائع الخمسة. وهي في الكتاب الملقب، أما بالعربية فالقياس، وباليونانية «انولوطيقا الأولى».

والرابع-فيه القوانين التي يمتحن بها الأقاويل البرهانية، وقوانين الأمور التي تلتئم بها الفلسفة، وكل ما تصير به أفعالها أتم وأفضل وأكمل. وهو بالعربية كتاب البرهان، وباليونانية «انولوطيقا الثانية».

والخامس-فيه القوانين التي يمتحن بها الأقاويل الجدلية وكيفية السؤال الجدلي، والجواب الجدلي، وبالجملة قوانين الأمور التي تلتئم بها صناعة الجدل وتصير بها أفعالها أكمل وأفضل وأنقد. وهو بالعربية كتاب المواضع الجدلية، وباليونانية «طوبيقا».

والسادس-فيه أولا قوانين الأشياء التي شأنها أن تغلط عن الحق وتلبّس وتحيّر، وإحصاء جميع الأمور التي يستعملها المشنّع والمموّه وكيف تفسخ، وبأي الأشياء تدفع، وكيف يتحرز الإنسان من أن يغلط في مطلوباته أو يغالط. وهذا الكتاب يسمى باليونانية «سوفسطيقا» ومعناه الحكمة المموهة.

والسابع-فيه القوانين التي تمتحن وتسبر بها الأقاويل الخطبية وأصناف الخطب وأقاويل البلغاء والخطباء، فيعلم هل هي على مذهب الخطابة أم لا؛ ويحصي فيها جميع الأمور التي تلتئم بها صناعة الخطابة، ويعرف كيف صناعة الأقاويل الخطبية والخطب في كل فن، فن من الأمور وبأي الأشياء تصير أجود وأكمل وتكون أفعالها أنفذ وأبلغ؛ وهذا الكتاب يسمى «ريطوريقا» وهو الخطابة.

والثامن-فيه القوانين التي تسبر بها الأشعار وأصناف الأقاويل الشعرية المعمولة والتي تعمل في فن، فن من الأمور، ويحصي أيضا جميع الأمور التي تلتئم بها صناعة الشعر، وكم أصناف الأشعار والأقاويل الشعرية، وكيف صنعة كل شعر منها، ومن أي الأشياء يعمل، وبأي الأشياء يلتئم ويصير أجود وأفخر وأبهى وألذ، وبأي أحوال ينبغي أن يكون حتى يصير أبلغ وأنفذ. وهذا الكتاب يسمى باليونانية «فيوطيقا» وهو كتاب الشعر.

فهذه أجزاء المنطق، وجملة ما يشتمل عليه كل جزء منها.

والجزء الرابع هو أشدها تقدما بشرف ورئاسة، والمنطق إنما التمس به على القصد الأول، [وأما باقي أجزائه فإنما] عمل لأجل الرابع؛ فإن الثلاثة التي تتقدمه في ترتيب التعليم هي توطئات ومداخل وطرق آلية. والأربعة الباقية التي تتلوه لسببين:

أحدهما-أن في كل واحد إنفاذا ومعونة على أنها كالآلات للجزء الرابع، ومنفعة بعضها أكثر وبعضها أقل.

والثاني-على جهة التحرير، وذلك أنها لو لم تتميز هذه الصنائع بعضها عن بعض حتى تعرف قوانين كل واحد منها على انفرادها، مميزة عن قوانين أخرى، لم يأمن الإنسان عند التماسه الحق واليقين أن يستعمل الأشياء الجدلية، من حيث لا يشعر أنها جدلية، فيعدل به عن اليقين إلى الظنون القوية، أو يكون قد استعمل من حيث لا يشعر أمورا خطبية فيعدل إلى الإقناع؛ أو يكون قد استعمل المغلطات من حيث لا يشعر: فإما أنّ توهمه فيما ليس بحق أنه حق فيعتقده، وإما أن تحيره. أو يكون قد استعمل الأشياء الشعرية من حيث لا يشعر أنها شعرية، فيكون قد عمل في اعتقاداته على التخيلات وعند نفسه أنه سلك في هذه الأحوال الطريق إلى الحق فصادف ملتمسه، ولا يكون صادفه على الحقيقة. كما أن الذي يعرف الأدوية والأغذية، وإن لم يتميز له السموم عن هذه بالعقل حتى يتيقن معرفتها بعلاماتها، لم يأمن أن يتناولها على أنها غذاء أو دواء من حيث لا يشعر فيتلف.

وأما على القصد الثاني، فإنه يكون قد أعطى أيضا أهل كل صناعة من الصنائع الأربعة جميع ما تلتئم به تلك الصناعة حتى‏

يدري الإنسان إذا أراد أن يصير جدليا بارعا كم شي‏ء يحتاج إلى تعلمه، فيدري أي شي‏ء يمتحن على نفسه أو على غيره أقاويله ليعلم هل سلك فيها طريق الجدل أم لا، ويدري إذا أراد أن يصير خطيبا بارعا، كم شي‏ء يحتاج إلى تعلمه ويدري بأي الأشياء يمتحن على نفسه أو على غيره، ليعلم هل سلك في أقاويله طريق الخطابة، أو طريق غيرها.

وكذلك يدري إذا أراد أن يصير شاعرا بارعا، كم شي‏ء يحتاج إلى أن يتعلمه، ويدري بأي الأشياء يمتحن على نفسه وعلى غيره من الشعراء، ليعلم هل سلك في أقاويله طريق الشعراء أو عدل عنه وخلط به طريقا غيره. وكذلك يدري إذا أراد أن يكون له قدرة على أن يغالط غيره ولا يغالطه أحد، كم شي‏ء يحتاج إلى أن يعلمه، ويدري بأي الأشياء يمكن أن يمتحن كل قول وكل رأي، فيعلم هل غلط فيه أو غولط، ومن أي جهة كان ذلك.