تعارض العقل والنقل | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: عقلیّات, منطق و معرفة
التاریخ: 30 أغسطس, 2014
المشاهدات: 3٬448
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الدكتور أيمن المصري
ملاحظات:

يُعدُّ هذا البحث باعتبار حساسيته الشديدة، وترتُّب الآثار الخطيرة عليه، والابتلاءات المتكررة به على مرِّ التاريخ البشري في مختلف الأديان والمذاهب، من أهم مباحث التعارض. وقد تمَّ التعرّض له تحت عناوين متعدّدة، كتعارض العقل والوحي أو العقل والدين، ولكن وللأسف الشديد كانت هذه المباحث مطوّلة وجدلية وعقيمة؛ بسبب الجهل أو التجاهل لصناعة المنطق، ولا سيَّما مباحث الصناعات الخمس، وعدم وضوح الرؤية الواقعية المسبقة عن حجيَّة العقل والنقل، ودائرة حجيَّة كلٍّ منهما

ولكن بناءً على ما بيّنا في الحكومة العقلية، وإثباتنا لأصالة العقل، فإنَّ مسألة ضرورة تقديم العقل على النقل في غاية الوضوح، حيث يتمتع العقل البرهاني بالمشروعية والحجيَّة الذاتية، ويكتسب النقل حجيَّته منه، فتقديم النقل عليه يستلزم سقوط النقل عن الحجيَّة.

إلَّا أنَّه مع وضوح هذه القضية، فإننا نجد أصحاب المدارس النقلية على اختلاف مذاهبها ومسمّياتها كالأخبارية والكلامية والتفكيكية على مرِّ التاريخ وإلى يومنا هذا، يتنكّرون لهذه القضية البديهية على علم وعناد أو جهل أو غفلة، ويتذرعون بتدليسات ومغالطات، وبكلمات منمّقة واستدلالات موهونة، لا تخدع إلَّا العوام ومن هم على شاكلتهم من علماء العوام، ويرتكبون التمسك بتقديم النقل على العقل، غافلين عن أنَّ الأمَّة الإسلامية قد افترقت إلى أكثر من سبعين فرقة، بسبب اختلافهم في النقل سنداً ودلالةً، فاتحين بذلك أبواب الفتن والانحرافات العقائدية على مصراعيها، مؤججين نيران التعصب والصراع المذهبي بين أبناء الأمَّة الواحدة، حيث لم يعد يجدي معهم أي تقارب أو تقريب بعد ضياع الميزان العقلي الموضوعي القويم بينهم.

ونحن هنا نستعرض بعض أقاويلهم الصريحة في ضرورة تقديم النقل على العقل، ثمَّ نتعرّض لنقدها بعد ذلك بمفحص العقل البرهاني المبين، حيث سيتبيَّن لنا أنَّ سبب انحرافهم الفكري جميعاً أصل واحد، وهو جهلهم بصناعة المنطق، ولا سيَّما بحقيقة المنهج العقلي البرهاني:

قال ابن تيميَّة في مقام جوابه على الفخر الرازي حينما ذهب إلى ضرورة تقديم العقل على النقل:

(إنَّ قوله: (إذا تعارض العقل والنقل) إمَّا أن يريد به القطعيّين، فلا نسلّم إمكان التعارض حينئذ، وإمَّا أن يريد الظنيّين، فالمقدَّم هو الراجح مطلقاً، وإمَّا أن يريد ما أحدهما قطعي، فالقطعي هو المقدَّم مطلقاً، وإذا قُدر أنَّ العقلي هو القطعي، وكان تقديمه لكونه قطعياً، لا لكونه عقلياً).

ثم قال قوله: ( قوله: (إن قدَّمنا النقل كان ذلك طعناً في أصله الذي هو العقل، فيكون طعناً فيه) غير مسلّم؛ وذلك إنَّ قوله: (إنَّ العقل أصل للنقل) إمَّا أن يريد منه أنَّه أصل في ثبوته في نفس الأمر، أو أصل في علمنا في صحته، والأوّل لا يقوله عاقل… وإن أراد أنَّ العقل أصل في معرفتنا بالسمع، ودليل لنا على صحّته ـ وهذا هو الذي أراده ـ فيقال له: أتعني بالعقل هنا االغريزة التي فينا، أم العلوم التي استفدناها بتلك الغريزة؟

أمَّا الأوَّل فلم ترده، ويمتنع أن تريده؛ لأنَّ تلك الغريزة ليست علماً يتصور أن يعارض النقل، وهي شرط في كلِّ علمٍ عقلي أو سمعي كالحياة، وما كان شرطاً في الشيء امتنع أن يكون منافياً له…

وإن أردت بالعقل الذي هو دليل السمع، وأصله هو المعرفة الحاصلة بالعقل، فيقال لك: من المعلوم أنَّه ليس كلّ ما يعرف بالعقل يكون أصلاً للسمع، ودليلاً على صحّته، فإنَّ المعارف العقليَّة أكثر من أن تُحصر…

وإذا كان كذلك لم تكن جميع المعقولات أصلاً للنقل، لا بمعنى توقف العلم بالسمع عليها، ولا بمعنى الدلالة على صحّته، ولا غير ذلك؛ وحينئذ فإذا كان المعارض للسمع من المعقولات ما لا يتوقف العلم بصحّة السمع عليه، لم يكن القدح فيه قدحاً في أصل السمع، وهذا بيّن واضح (1) انتهى كلامه.

أمَّا الأمين الأستر آبادي المنتسب للخاصّة من اتّباع أهل البيت ^، فقد سبق ونقلنا عنه قوله: (ومن الموضِّحات لما ذكرناه أنَّه لو كان المنطق عاصماً عن الخطأ من جهة المادّة لم يقع بين فحول العلماء العارفين بالمنطق اختلاف، ولم يقع غلط في الحكمة الإلهية، وفي الحكمة الطبيعية، وفي علم الكلام، وعلم أصول الفقه، كما لم يقع في علم الحساب، وفي علم الهندسة، وإذا عرفت ما مهَّدنا من الدقيقة الشريفة، فنقول: إن تمسكنا بكلامهم ^ فقد عُصِمنا، وإن تمسكنا بغيره لم نُعصَم عنه) (2).

وهو إنكار صريح للبرهان العقلي.

ثمَّ أشار إلى ضرورة التمسّك بالنقل مطلقاً في الاعتقادات النظريَّة بقوله: (عدم ظهور دلالة قطعية وإذن في جواز التمسّك في النظريات الدينية غير كلام العترة الطاهرة) (3).

وأمَّا أصحاب المدرسة التفكيكية المعاصرة لنا، والمنتسبون إلى الخاصة من الإمامية، فهم امتداد للمدرسة الأخبارية السلفية التي أسّسها وشيّدها العامّة، والأجنبية بطبيعتها عن مدرسة أهل البيت ^ العقليَّة الأصيلة، وهم يستنكفون من إطلاق هذا الاسم عليهم، ولا مشاحة عندنا في الاصطلاح، بعد أن تبيّن عندنا وحدة الأصل والمنبع، وهو رفض المنهج العقلي البرهاني والتمسك بظواهر النصوص في الاعتقادات الكلية النظرية:

قال محمد باقر الملكي من مشاهير التفكيكية: (لا تعارض إطلاقاً بين المعطيات الوحيانية والمعطيات العقلانية القطعية المؤكدة، وعلى فرض حصول مثل هذا التعارض، يُقدَّم العقل الفطري على النقل، أمَّا تعارض النقل مع العقل النظري غير البديهي، فإنَّ المتقدِّم فيه هو النقل، وهو ما لا يحسب تعارضاً بين العقل والنقل، بل هو تعارض بين أمرين عقليين؛ وذلك أنَّ النقل قائم بدوره على العقل الفطري، وما بالعرض لا بُدَّ وأن ينتهي إلى ما بالذات.

وعليه لاتعارض هنا إلَّا بين العلم الحصولي والبرهان النظري من جهة، والعلم الحقيقي من جهةٍ أخرى، ومن الواضح هنا ضرورة تقديم العلم الحقيقي)([4]).

وقال أيضاً: (فنقول: المراد من العقل في هذا الباب، إمَّا هو العقل الفطري، أو العقل الاصطلاحي [وهو نفس احتجاج ابن تيميَّة… فتأمّل] (4) فيقع البحث في مقامين:

1 ـ تعارض النقلي والعقل الفطري، أقول: العقل الفطري هو الحقيقة النورية التي يفيضها الله تعالى على النفوس البشرية. والعقل بهذا المعنى لا يتوارد ولا يتعارض في شيء مع الدليل النقلي؛ ضرورة أنَّ المعقول بهذا العقل -كما ذكرنا في الأمر الثاني -إنَّما هو موارد محدودة معيّنة، وهي عبارة عن موارد يستقل العقل ويدرك قبح شيء وحسنه الذاتيين أو وجوب عمل وتحريمه الذاتيين بالبداهة، فعليه كلُّ ما يوجد على خلافه فهو باطل بالضرورة. وأمَّا الأحكام المولوية والمعارف الإلهية مثل المعاد الجسماني، فلا محصّل لفرض التعارض فيما بين العقل بهذا المعنى وبين غيره من النقل؛ لخروج كلّ ذلك عن حريم هذا النور.

2 ـ تعارض النقلي والعقل الاصطلاحي، أقول: العقل الاصطلاحي هي فعلية النفس لاستخراج النظريات من الضروريات بالبراهين المنطقية. وضروري أنَّ هذا العقل لا تعارض بينه وبين النقلي الوارد في باب الأحكام المولوية، فإنَّ الإمامية الإثنى عشرية لا يرخّصون أنفسهم في استنباط الأحكام بالعقل الاصطلاحي، ولا بالقياس المشتهر بين علماء أهل السُنَّة. ولا يخفى أنَّ تسمية هذا البرهان المنطقي بالعقلي لا يخلو عن المسامحة. فالأنسب في التعبير هو الدليل العلمي أو البرهان المنطقي. وهذا من الموارد التي خلطوا فيها المعنى الاصطلاحي بالمعني اللغوي الوارد في الكتاب والسُنَّة.

أمَّا ما يمكن أن يتوهم فيه التعارض بين القطع العقلي الاصطلاحي والدليل النقلي، فهو إمَّا في باب المعارف الإلهية، أو في باب الغيوب التي ضرب الله عليها الحجاب العمدي. فأمَّا في باب المعارف الإلهية، فنقول: إنَّه قد تقرّر أنَّ حجيَّة المحكمات والظواهر المتواترة لفظاً أو معنى في مقام الإفهام والتفهيم ضرورية فطرية، ولم يتخذ الشارع في تعاليمه وبلاغاته سنَّة جديدة، فلا يحتاج إثبات حجيَّتهما إلى إقامة برهان عقلي، فلا محصّل لدعوى أصالة البرهان العقلي لهذه المحكمات والظواهر التي استندت حجِّيتهما إلى الضرورة الفطرية، فيكون معارضة البرهان المنطقي مع الدليل النقلي من باب معارضة العلم الحصولي مع العلم الحقيقي. هذا أوَّلاً.

وثانياً: سلَّمنا أنَّ كلَّ دليلٍ لفظي لا يمكن أن يكون حجَّةً إلَّا بعد قيام دليل عقلي على حجيَّته. فعلى هذا مفاد آيات الكتاب العزيز ـ محكماتها وظواهرها ـ التي تفيد القطع، وكذلك الروايات الكريمة كلها تحتاج في حجيَّتها إلى العقلي. وقد قام البراهين الإلهية على حجيَّتها. فعلى هذا يكون التعارض المفروض من باب تعارض العقليين لا العقلي والنقلي. فإنَّ كلَّ ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات، فلا محالة تكون الأصالة من الدليلين العقليين لما يكون أظهر بيانا وأنور مفادا. فأي ملازمة بين بطلان البرهان المنطقي وبين بطلان الدليل النقلي؟! وسيجيء مزيد توضيح لذلك إن شاء الله تعالى) (6).

ثمَّ أضاف: (اتضح ممَّا ذكرنا أنَّ القطع الحاصل من البراهين المنطقية، حيث إنَّ الإصابة وعدمها خارجة عن اختيار القاطع ومستورة عليه، فيدور أمره بحسب مقام الثبوت والواقع بين الإصابة اتفاقاً والجهل المركب. فيستحيل أن يكون حاكماً وأصلاً للأدلة الشرعية وخاصّةً القرآن المهيمن) (7). انتهى كلامه.

أمَّا المتكلّمون، فلمَّا قيَّدوا الحكم العقلي بموافقة النقل، فلازمه رفضهم تقديم العقل على النقل عند التعارض، قال التفتازاني: (يتميّز الكلام عن الإلهي ـ أي الفلسفة ـ بأنَّ البحث فيه إنَّما يكون على قانون الإسلام أي الطريقة المعهودة المسمَّاة بالدين والملة، والقواعد المعلومة قطعاً من الكتاب والسُنَّة والإجماع، مثل كون الواحد موجد للكثير، وكون الملك نازلاً من السماء، وكون العالم مسبوقاً بالعدم وفانياً بعد الوجود، إلى غير ذلك من القواعد التي يُقطَع بها في الإسلام دون الفلسفة. وإلى هذا أشار من قال: الأصل في هذا العلم التمسّك بالكتاب والسُنَّة) (8).

وخلاصة ما ذهبوا إليه، واتفقوا عليه:

ـ أصالة النقل وحاكميته على العقل.

ـ التفكيك بين العقل البديهي (الفطري أو الغريزي)، وبين العقل النظري البرهاني، حيث يقولون بعصمة الأوَّل وتوقف صحّة الشرع عليه دون الثاني.

ـ اعتبار النصوص الدينية الثابتة بالعقل البديهي ضرورية الثبوت بالتبع، وبالتالي مقدَّمة على الحكم العقلي النظري البرهاني.

ـ توهم أنَّ القطع الحاصل من النصوص الدينية حجَّة عقليَّة برهانية، والظن الحاصل من ظهوراتها حجَّة عقلائية في الاعتقاد، كما هو الحال في الأحكام العملية الفرعية في علم أصول الفقه.

ـ توهم أنَّ العلم الحقيقي عند المعصومين ^ هو حاصل للأخباريين والتفكيكيين أيضاً بمجرّد تمسكهم بظواهر النصوص المنسوبة إليهم ^؛ وبالتالي فإنَّ المخالف لهم مخالف للدين، والراد عليهم راد على ربِّ العالمين.

أمَّا نقض كلامهم وأوهامهم، فلا يحتاج إلى كثير مؤنة عند اللبيب، بعد ما بيّناه من حجيَّة العقل وحكومته وحجيَّة النقل ومحكوميته… ولكن لا بأس هنا بالتنبيه ـ فقط ـ على فساد ما توهموه، وزيف ما لأجل العوام قد حاكوه وزيّنوه؛ حتَّى يتبيَّن لهم الرشد من الغي، فنقول:

أوَّلاً: إنَّ المقصود من الدليل العقلي البرهاني، هو القياس المؤلَّف من مقدِّمات واجبة القبول عند العقل، وهي المقدِّمات البديهية البيّنة، أو النظريَّة المبيّنة بها، ولا فرق بينهما البتة إلَّا في التقدّم والتأخّر الإثباتي؛ لأنَّ كليهما يكون المحمول فيه ذاتياً لموضوعه، وثابتاً له في الواقع ونفس الأمر، إلَّا أنَّ المقدِّمات البيّنة يكون محمولها مع ذلك واضح الثبوت لموضوعها عند العقل بلاواسطة ،على خلاف المقدمات غير البيّنة، فنوّسط المقدِّمات البيّنة لإثبات غير البيّنة، لتصبح بعد ذلك مبيَّنة بها وفي حكمها تماماً، ويمكن توسيط المبيّنة بعد ذلك في قياس برهاني آخر لإثبات قضايا نظريَّة أخرى غير بينّة، وهكذا يستمر تركيب البراهين بنحوٍ متصاعد؛ ليعلوا صرح المعرفة العقليَّة شامخاً وراسخاً.

وهؤلاء السطحيون يريدون منّا أن نكون كالعوام، ونكتفي ببعض البراهين البسيطة المؤلَّفة من القضايا البيّنة، التي يسمّونها بالدليل العقلي الفطري أو الغريزي، دون البراهين المركبة؛ ليحرموا الإنسان بعد ذلك من أعظم كمالاته التي يمتاز بها عن سائر الكائنات، وهي المعارف العقليَّة الفلسفية التحقيقية، مكتفين في ذلك بالمعارف التلقينية التعبدية، وهي دعوة صريحة للجهل كما نقلنا عنهم.

ونحن نقول لهم: إن كانت نتائج البراهين البسيطة الفطرية عندكم غير يقينية أو مشكوكة، فلا قيمة لهذا الدليل العقلي الفطري؛ وبالتالي ينسد باب إثبات الصانع عندكم، وإن كانت نتائجها يقينية وصحيحة كما تسلّمون بذلك، فما المانع أن ندخلها في قياس برهاني آخر، ونضم إليها مقدِّمة أخرى بيّنة أو مبيّنة لنستنتج منها معارف نظريَّة أخرى يقينية، ولنزدد علماً وفهماً عن الإنسان والكون والحياة بنحوٍ يقيني صادق وراسخ؟!

ومن هنا يتبيَّن ألَّا فرق مطلقاً بين الدليل العقلي البرهاني الفطري البسيط، والدليل البرهاني المركب. فالتشكيك في البرهان النظري المركّب ـ كما يفعلون ـ تشكيك في مبدئه، وهو البرهان البديهي البسيط، وهو يقتضي قطعاً التشكيك في أصول الدين.

ثانياً : إنَّ الدليل العقلي البرهاني مطلقاً ليس هو الذي يفيدنا القطع واليقين فقط، حيث إنَّ الكثير من الأدلة الجدلية والخطابية والشعرية والخرافية قد تفيد ذلك أيضاً، فليس صحيحاً ما توهمه ابن تيمية عندما قال بتقديم الدليل القطعي مطلقاً، سواء أكان عقلياً أم نقلياً؛ كي يتمكن بعد ذلك من المراوغة بتحجيم الدليل العقلي في البسيط، وجعل أغلب النصوص الدينية قطعية؛ وبالتالي مقدَّمة على الدليل العقلي النظري البرهاني، كما هو ظاهر حالهم بالفعل، بل نقول: إنَّ البرهان العقلي مطلقاً يفيدنا اليقين الحقيقي بالمعنى الأخص، وهو القطع الصادق الثابت في الواقع ونفس الأمر، وهو ممَّا لايؤمّنه غيره من الأدلة، كما مضى في صناعة البرهان؛ فلذلك وجب تقديمه مطلقاً.

ثالثاً: إنَّ الدليل النقلي مطلقا -كما سبق وأن قلنا في الصناعات الخمس-هو القياس المؤلَّف من المقبولات، التي يكون ملاك التصديق بها هو قول الغير لا غير، فيتقبلها السامع ثقة بقائلها، تعبداً وتلقيناً، لا عن علم وفهم، أو بعبارةٍ أخرى: يعلم السامع جواب هل هو؟ ولا يعلم جواب لِمَ هو؟ فيكون علمه ناقصاً، ويكون تصديقه تصديقاً من الدرجة الثانية؛ لأنَّ ملاك التصديق ليس عنده، وإنَّما هو عند الغير، حتَّى لو كان هذا الثقة معصوماً عنده العلم الحقيقي، حيث إنَّ هذه العصمة والعلم الحقيقي لا ينتقل إلى السامع ـ حتَّى ولو سمعه منه مباشرةً ـ كما يحاول أن يوهمنا بذلك الأخباريون وإخوانهم من التفكيكيين والمتكلمين، بل يبقى السامع مجرّد مقلّد متلقٍ، ولا يكون عالماً بالحقيقة، وإلَّا لأصبح كلّ أصحاب المعصومين فلاسفة معصومين، وأصبح عوام المسلمين المقلّدون للفقهاء علماء مجتهدين بمجرّد تلقيهم العلم من الأنبياء والعلماء، وما تأثر أو تزلزل العوام المقلّدون للأنبياء بالشبهات العقائدية عند سماعها، وما أوجب الشارع الحكيم على العلماء التصدّي برفعها؛ ولذلك فلم يكن جزافاً أن يسمّي الحكماء يقين العوام بشبه اليقين، وإن كان صادقاً؛ لأنَّه يقين متزلزل بلا برهان عقلي.

رابعاً: إنَّ كلَّ المحاولات الفاشلة التي قام بها المتكلّمون والتفكيكيون، لإثبات اعتقاداتهم النقلية التعبدية بالطرق العقليَّة المزيّفة، لم تُجدِ نفعاً؛ لأنَّها لم تكن استدلالات موضوعية نزيهة، بل مجرّد أدلة ملفقة على ما يحبون أن يصدّقوا به من عقائدهم العاميّة، وللعاقل أن يراجع أمثال هذه الاستدلالات الموهونة والعجيبة، كإنكار أصل العلية في الخلق، وقاعدة الواحد، والقول بالترجيح بلا مرجّح، وتشبيه الخالق بالمخلوق، وغير ذلك من الموبقات العقلية التي تستلزم اجتماع النقيضين مباشرة.

خامساً: إنَّ الذي ثبت بالبرهان العقلي البسيط عندكم، هو كليات أصول الدين من وجود المبدأ والنبوَّة والمعاد، والعلم الحقيقي الإلهي الكامل إنَّما هو عند النبيّ المعصوم الذي أخذه بالوحي الأمين مباشرة، وكذلك عند أهل بيته من الأئمّة المعصومين ^، وأمَّا أغلب النصوص الدينية الموجودة بين أيدينا ـ نحن غير المعصومين، وغير المسددين بالوحي السماوي ـ فغير معلومة الصدور أو الدلالة أو الجهة، كما أجمع الفقهاء الأصوليون والمحدّثون على ذلك، وكما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. وهذا ممَّا يضعف الدليل النقلي أكثر وأكثر كلما ابتعدنا عن عصر النصِّ؛ ولذلك كان مجرّد التمسّك بظواهر النصوص الدينية وحدها دون مرجع عقلي منشأ للفرقة والتشتت والصراع المذهبي، حيث تدّعي كلُّ فرقةٍ أنَّها هي المتبعة بحقّ لله ولرسوله ’.

سادساً: إنَّ القواعد التي نقحها الفقهاء الأصوليون بحقّ في علم أصول الفقه لاستنباط الأحكام الشرعية من النصوص الظنية والمشكوكة، إنَّما هي أحكام ظاهرية تثبت حجيَّتها العملية، أي منجزيتها ومعذريتها للمكلّف، لا كاشفيتها عن الواقع، فلا يمكن بأيِّ حالٍ من الأحوال تطبيقها لاستنباط العقائد والمعارف الدينية النظرية.

وفي الختام نقول لهم: إنَّ الأصول كالفروع، والعقائد الدينية الكلية النظريَّة كالأحكام الشرعية الفرعية العملية، فكما يوجد عندنا في الفقه قواعد وأصول موضوعية لاستنباط الأحكام الشرعية يستنبطها الفقهاء الأصوليون بالأساليب المنطقية العلمية التخصصية، والعوام يقلّدونهم فيها، كذلك في علم العقائد هناك قواعد وأصول عقليَّة لاستنباطها، يعلمها الحكماء، ويرجع إليهم فيها العوام، فإمَّا أن تكونوا من الحكماء المحقّقين، أو تكونوا من العوام المقلّدين ،وإلَّا فسوف تكونون من الزائغين التاركين لطريقي الاجتهاد والتقليد، وهذا هو الضلال المبين.

هذا ما أردنا بيانه في تزييف مغالطات الأخباريون وإخوانهم من المتكلّمين والتفكيكيين؛ لتسفر الحقيقة عن وجهها الناصع، وينقشع غبار الجهل والغفلة … فتدبّره جيّداً، ولا تتبع سبيل الذين لا يعلمون.

ــــــــــــــــــــــ

(1) درء تعارض العقل والنقل: ص 86.

(2) الفوائد المدنية: ص259.

(3) المصدر السابق: ص254.

(4) ترجمة توحيد الإماميَّة: ص46.

(5) من المصنِّف.

(6) المصدر السابق: ص40.

(7) المصدر السابق: ص50.

(8) شرح المقاصد، التفتازاني: ص39.

 

* رئيس أكاديمية الحكمة العقلية


  1. حيدر - الإثنين, 1 سبتمبر 2014 في الساعة 2:48 م

    حفظكم الله ياشيخنا

  2. حمید - الإثنين, 8 يونيو 2015 في الساعة 11:38 ص

    ايدكم الله تعالي


займ на картукредит онлайн