تأثير الفلسفة العقلية على المنهج التربوي | أكاديمية الحكمة العقلية
التصنیف: حکمة عملیة, عقلیّات
التاریخ: 1 مارس, 2014
المشاهدات: 6٬054
الطباعة
إرسل لصدیقك
الکاتب: الدكتور أيمن المصري
ملاحظات:

خلاصة البحث:

إن موضوع هذا البحث يدور حول خصائص المنهج التربوي الفلسفي ومبادئه وغاياته

وهذا البحث يعتمد على المنهج العقلي البرهاني التحليلي في معرفته لطبائع الأشياء، دون المنهج الاستقرائي أو التوصيفي.

ويهدف هذا البحث إلى بيان التأثير المباشر للمنهج المعرفي والرؤية الكونية الفلسفية على أصول البرنامج التربوي وأساليبه العملية.

وتكمن أهمية هذا البحث وخصوصياته في إحياء التفكر العقلي الفلسفي ودوره المصيري في المجال التربوي.

نقول: إن المفهوم الفلسفي لحقيقة التربية بوجه عام هو بمعنى تنمية الاستعدادات الذاتية الموجودة في طبيعة الأشياء بتهيئة الشرائط البيئية المناسبة لتكاملها، ورفع الموانع الخارجية التي يمكن أن تقف حجر عثرة أمام التطور الطبيعي لها.

وهذا الأمر يقتضي أن يكون المربى واقفا على طبيعة الشيء الذي يريد أن يربيه وعلى استعداداته الذاتية أوّلاً، وكذلك الشرائط والموانع المختلفة التي يمكن أن تحيط بهذا الشيء وتؤدى إلى تكامله أو انحطاطه في مسيرة حياته ثانيا.

ومن أجل ذلك كانت معرفة البرنامج العملي التربوي المناسب للأشياء، التي هي موضوع التربية، متوقفة على الرؤية الكونية الفلسفية النظرية السابقة عليها، وهذه الرؤية الكونية بدورها متوقفة   على المنهج المعرفي الذي ينبغي اعتماده لتشكيل هذه الرؤية الفلسفية.

المنهج المعرفي ——–> الرؤية الكونية ———> النظام التربوي

فالمنهج التربوي للإنسان المبتني مثلا على كون الإنسان موجودا ماديا سيختلف بطبيعة الحال عن المنهج التربوي القائم على كون الإنسان مركبا من روح مجردة وبدن مادي.

لأن الرؤية الكونية المادية ستؤدى بالمربى إلى وضع برنامج عملي يلبى الرغبات المادية ويؤمن الحاجات الجسمانية فقط دون النظر بأي اعتبار للجانب الروحي والمعنوي فيه، مما يؤدى إلى عواقب وخيمة على المستوى الأخلاقي والأسرى والاجتماعي، كما هو حاصل الآن في الغرب

والرؤية الفلسفية المبنية على البراهين العقلية قد أثبتت في الفلسفة الإلهية وجود مبدأ إلهي للعالم والإنسان، ومعاد يرجع إليه الإنسان للحساب ويكون مقره النهائي، وأثبتت أيضا في علم النفس الفلسفي أن الإنسان له نفس مجردة عن المادة تشكل حقيقة الإنسانية، وهي من سنخ عالم الغيب وقد تعلقت بهذا البدن العنصري في هذه الحياة الدنيا من أجل التدرج في مراتب الكمال بالعلم والعمل الصالح الحاصل لها بالأفعال الاختيارية.

وبناء على هذه النظرية الفلسفية لحقيقة الإنسان، فإن المنهج التربوي المناسب لطبيعته الذاتية ينبغي أن يعتنى أولا وبالذات بتنمية الاستعدادات الروحية المعنوية والعقلية للإنسان ورفع كل العقبات التي يمكن أن تحول بينه وبين تكامله المعنوي، ثم بالعناية بالتربية والصحة البدنية في المرتبة الثانية من حيث أن الجسم ألة الروح ومركبها في هذه النشأة الطبيعية، ولذلك يقال أن العقل السليم في الجسم السليم.

وتنمية الجانب الروحي والمعنوي في الإنسان في نظر الفلاسفة الإلهيين، إنما يكون بتقوية وتكميل العقل النظري المسؤول عن الإدراك والعقل العملي المسؤول عن تدبير البدن في مملكة الإنسان.

وتقوية العقل النظري في الإنسان إنما يكون بتحصيل العلوم العقلية الحقيقية من المنطق والفلسفة الميتافيزيقية من أجل بناء الرؤية الكونية الصحيحة والواقعية عن حقيقة العالم ومبدأه ومنتهاه وعن طبيعة الإنسان، وبالتالى معرفة النظام الأخلاقى والتربوي المناسب للإنسان في هذه الحياة الدنيا

أما تقوية العقل العملي فيكون عن طريق ترويض القوى البدنية الشهوية والغضبية في الإنسان وإخضاعهما لأحكام العقل العملي بحيث يؤديان وظائفهما الطبيعية تحت إشرافه على طبق الموازين العقلية الأخلاقية الوسطية والمعتدلة بعيدا عن الإفراط والتفريط من أجل الوصول إلى حالة الاعتدال والاتزان النفسى وتحصيل ملكة العدالة للإنسان.

والنتيجة الحاصلة من كل هذا أن المنهج التربوي الفلسفي هو منهج قائم على اعتماد العقلانية البرهانية الصحيحة كمنهج معرفي في التفكير والانطلاق من رؤية كونية واقعية على مستوى الفكر يؤديان إلى اعتماد برنامج تربوى واقعى وصحيح يأخذ في نظر الاعتبار تنمية الجانب المعنوي والمادى معا في الإنسان  من أجل تحصيل السعادة الحقيقية للإنسان والوصول إلى المجتمع الإنسانى المثالى

 – المحاور الرئيسية في البحث:

فلسفة التربية – المنهج التربوي – المنهج المعرفي – الرؤية الكونية الفلسفية – العقل النظري والعملي

– المقدمة:

يدور هذا البحث حول تأثر المنهج التربوي بصفة عامة بالمنهج المعرفي والرؤية الكونية لعلماء التربية، وفي كيفية تأثير المنهج العقلي والرؤية الكونية الفلسفية بصفة خاصة على المنهج التربوي.

وتكمن أهمية البحث في إيجاد نوع من المقارنة الموضوعية بين التأثير التربوي للمنهج العقلي الفلسفي الذي يتبناه الباحث وبين المنهج الحسى الاستقرائى الذى يتبناه المشهور من علماء التربية في زماننا الحاضر.

ويهدف البحث إلى إحياء دور المنهج العقلي البرهاني والفلسفة الميتافيزيقية في الارتقاء بأصول النظام التعليمى والتربوي بنحو يكون له أكبر الأثر في التكامل الحقيقى للإنسان والمجتمع البشري.

ويعتمد الباحث في هذه المقالة على المنهج العقلي التحليلى في تحقيق مسائل البحث دون المنهج الاستقرائى أو التوصيفي المعتاد في مثل هذه البحوث.

– البحث التفصيلي:

لاشك أن الإنسان هو أشرف المخلوقات في هذا العالم من جهة الإمكانات الطبيعية والاستعدادات الذاتية التي وهبها له البارى تعالى،وفي صلاح الإنسان صلاح العالم وسعادة المجتمع البشري،وفي فساده فساد العالم وشقاء المجتمع البشري.

ومن هنا تكمن أهمية البحث عن المنهج التربوي الصحيح والمناسب للإنسان، وتتبين عظم المسؤولية الملقاة على عاتق علماء التربية الذين يضعون أصول المناهج التربوية، والمربيين الذين يباشرون التربية بأساليبها المختلفة،حيث إن هؤلاء جميعا هم صناع البشر ومعلمو الإنسانية.

ولكن ينبغى الإشارة هنا أوّلاً إلى أن هناك فرقا كبيرا بين الصناعة والتربية، وثانيا أن تربية الإنسان تختلف كثيرا عن تربية سائر الكائنات من النباتات والحيوانات.

أما الأول فهو أن الصانع تكون في ذهنه صورة سابقة معينة قد اخترعها لنفسه، ثم يفرض وجودها على المواد الخام الأولية التي تشكل موضوع الصناعة دون الأخذ بالاعتبار مناسبة هذه الصورة لطبيعة المادة الأولى، فالمهم عنده هو حصوله على صورة المصنوع التي يريدها فقط

وهذا النحو من الصناعة يمكن أن نشاهده على سبيل المثال في تهجين النباتات وتسمين الحيوانات بالطرق الصناعية والكيماوية،على خلاف تطورها الطبيعى

أما المربى الحقيقى فهو الذى ينظر أوّلا إلى طبيعة موضوع التربية واستعداده الذاتى، ثم يضع له البرنامج التربوي المناسب الذى يؤمن احتياجاته الذاتية والطبيعية.

والمفهوم الفلسفي لحقيقة التربية بوجه عام، هو بمعنى تنمية الاستعدادات الذاتية الموجودة في طبيعة الأشياء بتهيئة الشرائط البيئية المناسبة لتكاملها، ورفع الموانع الخارجية التي تحول دون تطورها الطبيعى،كل ذلك دون أى تحميل أو فرض خارجى على خلاف طبيعتها كما هو الحال في الصناعة.

وبناء على هذا المفهوم، فإن أصول البرنامج التربوي وأساليبه العملية سوف تتوقف على معرفتنا لطبيعة الأشياء التي نريد أن نربيها،ومعرفة ماينفعها حتى نهيئه لها،ومعرفة ما يضرها حتى نحميها منه.

فعل سبيل المثال، فإن الذى يريد أن يربى النباتات يسعى أوّلا للتعرف على طبيعتها وخصائصها الذاتية لكى يعلم بعدها التربة والمناخ المناسب لها،ويدفع عنها الآفات التي تمنع نموها الطبيعى أو تؤدى إلى تلفها وفسادها.

وكذلك سائر الحيوانات البرية والبحرية، فيحتاج المربى أن يتعرف على طبيعتها أوّلا ليتعرف بعد ذلك على ماينفعها وما يضرها.

والإنسان الذى نحن في صدد البحث عن المنهج التربوي المناسب له،يخضع لنفس القانون التربوي الجارى على سائر الكائنات من ضرورة معرفة طبيعته وخصائصه واحتياجاته الذاتية حتى نتمكن في نهاية الأمر من وضع البرنامج التربوي الناجح والمناسب له.

ومن هنا ينبعث في الذهن سؤالان:الأول- ما هي حقيقة الطبيعة الإنسانية؟

والثانى- ماهو الطريق إلى معرفة تلك الطبيعة؟

ومن الواضح أن طبيعة السؤال الأول تتعلق بالبحث الفلسفي والرؤية الكونية،في حين أن السؤال الثانى يتعلق بالبحث المعرفي المتقدم عليه كما سنوضح بعد ذلك.

بيان ذلك:إن طبيعة المباحث العملية – كالبحث التربوي- التي تتعلق بما ينبغى فعله أو تر كه،تتوقف بطبيعة الحال على المباحث الفلسفية المتعلقة بما هو كائن بالفعل،وهي تتوقف بدورها على المناهج المعرفية التي يعتمد عليها الباحث في تحقيق رؤيته الكونية الفلسفية.

ولكى يطمئن عالم التربية والمربى من صحة منهجه التربوي ينبغى أن يطمئن أولا من صحة رؤيته الفلسفية عن طبيعة الإنسان الذى يريد أن يربيه،وكذلك من صحة ودقة المنهج المعرفي الذى يعتمد عليه في تحقيق نظريته حول العالم والإنسان،لأن أى خلل يقع في اختيار المنهج المعرفي التحقيقى سوف يؤدى إلى وقوع الخطأ في رؤيته الفلسفية وينعكس سلبا على منهجه التربوي وأسلوبه العملي في تنمية قدرات الإنسان واستعداداته الذاتية،الأمر الذي يؤدى إلى شقاء الإنسان والمجتمعات البشرية.

فنحن مثلا لو اعتمدنا على المنهج الحسى الاستقرائى كمنهج معرفي في تحقيق رؤيتنا الكونية عن العالم والإنسان، لأدى بنا ذلك إلى رؤية مادية للكون والإنسان،لأن المشاهدات الحسية لا تدرك بطبعها ما وراء الحس من الغيبيات،وبالتالى فسوف يحصل لنا اعتقاد بأن المادة هي مبدأ العالم ومنتهاه،وأن الإنسان له طبيعة مادية محضة وأن جميع سلوكياته وأفعاله حاصلة من تفاعلات مادية كيميائية لا غير،وبالتالى فإن أصول البرنامج التربوي المناسب له هو الذي يؤمن حاجاته المادية والجسمانية فقط وأن جميع القيم الأخلاقية في التعايش مع الآخرين ينبغى أن تقوم على أساس تحقيق السعادة المادية للإنسان في هذه الحياة الدنيا.

أما لو اعتمدنا على المنهج العقلي البرهاني في تحقيق الرؤية الكونية، فسوف تتكون لدينا رؤية فلسفية ميتافيزيقية ترى أن لهذا العالم وللإنسان مبدأ إلهي حكيم، وغاية إلهية يرجع إليها الإنسان بعد موته،وأن طبيعة الإنسان مركبة من روح مجردة من سنخ عالم الغيب تمثل حقيقة الإنسانية، وبدن مادى عنصرى تتعلق به الروح للاستكمال في هذه النشأة الطبيعية، ثم تفارقه بعد الموت لتعود إلى بارئها.

وبناء على هذه الرؤية الفلسفية الإلهية،فإن أصول البرنامج التربوي سوف تختلف جوهريا عن أصول البرنامج الأول القائم على الرؤية المادية للإنسان والعالم،حيث إنه سيعتنى بالبعد المعنوي كعنايته بالبعد المادى إن لم يكن أكثر منه.

ومن أجل كل هذا فإن صاحب هذا المقال يؤكد على ضرورة أن يبدأ البحث حول المنهج التربوي لا باستقراء الآراء السابقة وتوصيفها ثم إبداء وجهة نظر شخصية أو عرفية غير منطقية كما هو الشائع في مثل هذه البحوث،بل يبدأ بمراجعة المنهج المعرفي الذى سيعتمد عليه في تحقيق رؤيته الكونية أولا ومنهجه التربوي ثانيا،وحينها ستكون الأصول الموضوعة للمنهج التربوي قائمة على أساس علمى منطقى ومستدل،وإلا فسوف يكون منهجنا التربوي عشوائيا أو استحسانيا بلا ضوابط قانونية علمية،وهذا ما ينبغى علينا اجتنابه بشدة لاسيما في مثل هذه البحوث الإنسانية التي تتعلق بمصير الإنسان والمجتمعات البشرية.

ولنرجع الآن إلى بيان أصول النظام التربوي الفلسفي ومبانيه المعرفية والفلسفية التي نتبناها ويتبناها الفلاسفة الإلهيون،فنقول:

إن المنهج المعرفي الذى نتبناه في بناء الرؤية الكونية هو المنهج العقلي البرهاني الأرسطى، الذى ينطلق من المقدمات العقلية البديهية المشتركة بين جميع الناس،كامتناع اجتماع النقيضين واحتياج كل حادث إلى علة،وحسن العدل وقبح الظلم،وغيرها من القضايا الأولية والبينة بذاتها.

وهذا المنهج العقلي بما أنه يبتنى على مقدمات يقينية صادقة ومطلقة، فإنه يؤدى إلى نتائج يقينية صادقة ومطلقة كذلك،كما تبين ذلك في صناعة البرهان من المنطق الأرسطى.

وقد ظل هذا المنهج العقلي حاكما على الفلسفة وعلم الرياضيات والطبيعيات أكثر من عشرين قرن منذ زمان المعلم الأول أرسطو،وقد اعتمد عليه الفلاسفة الإسلاميين كذلك في تثبيت أصول العقيدة الإسلامية وقراءتهم العقلية لها.

أما في الغرب فقد تعرض المنهج العقلي البرهاني مع بداية القرن الثانى عشر في الجامعات الغربية لاسيما جامعتى باريس واكسفورد إلى هجوم وانتقادات  شديدة، ولم يكن هناك للأسف حينئذ من يتصدى للدفاع ورد تلك الشبهات الباطلة عنه،الأمر الذى أدى بمرور الزمن إلى إقصائه بالكلية كمنهج تحقيقى عن المباحث العلمية وسائر المباحث الإنسانية،باستثناء بعض العلوم الرياضية.

وقد تم استبداله مع بداية القرن السابع عشر بالمنهج الحسى الاستقرائى على يد أمثال فرنسيس بيكون وجون لوك وغيرهم الذين أحدثوا انقلابا كبيرا في فلسفة التربية والتعليم على مستوى المنهج والغاية كما سنبين بعد ذلك.

وقد أدى ذلك بطبيعة الحال إلى القضاء على الفلسفة الميتافيزيقية في الغرب وبزوغ نجم الفلسفة المادية بمذاهبها المختلفة سواء كانت ليبرالية أو ماركسية.

وقد سرى هذا المنهج الحسى الاستقرائى إلى سائر العلوم الإنسانية،  وعلى رأسها علم النفس وعلم الاجتماع، الذى ظهرت فيهما بعد ذلك الكثير من النظريات المخالفة للعقل والدين.

وقد انعكس ذلك بطبيعة الحال على النظام التربوي في الغرب الذى اعتمد في أصوله التربوية على هذين العلمين بنحو رئيسى،مما أدى إلى ظهور مناهج تربوية  كثيرة مخالفة للعقل والشرع وللطبيعة الإنسانية الواقعية بحسب النظرة الفلسفية،حيث طغت عليها النزعات المادية والاهتمامات الدنيوية،وأغفلت الجانب الروحي والأخروى في الإنسان.

أما من أعتمد على المنهج العقلي البرهاني من الفلاسفة العقليين والحكماء الإلهيين فقد توصلوا في مباحثهم الفلسفية إلى رؤية كونية إلهية للعالم والإنسان،مفادها وجود مبدأ إلهي حكيم خلق العالم والإنسان على طبق النظام الأصلح،وأن الطبيعة الإنسانية مؤلفة من روح مجردة تمثل حقيقة الإنسان وبدن مادى تعلقت به هذه الروح للاستكمال العلمى والأخلاقى عن طريق الأفعال الاختيارية،ثم ترجع هذه الروح إلى بارئها بعد الموت وانقطاع علاقتها مع البدن حاملة معها ما حصلته في هذه الحياة الدنيا من العلوم والملكات الأخلاقية، لتواجه جزاءها بعد ذلك بالسعادة أو الشقاء، حيث إن الجزاء من لوازم العمل.

وهذه الرؤية الفلسفية الميتافيزيقية للعالم والإنسان قد انعكست بدورها على أصول المنهج التربوي للإنسان عندهم،حيث أصبح هذا المنهج قائما على أساس محورية المبدأ الإلهي،وتعلق الإنسان به من حيث المبدأ والمنتهى.

 ويعتمد المنهج التربوي الفلسفي على أصلين رئيسيين:

الأول- تقوية العقل النظري في مقام التعليم:

والعقل النظري هو المسؤول عن إدراك المعانى الكلية المجردة عن المادة الجسمانية التي تسمى بالمعقولات،كمعنى الحرية والعدل،وكذلك عن سائر عمليات التفكير العلمى والفلسفي، حيث إن التفكير عندهم هو عبارة عن حركة الذهن في المعقولات المؤدية إلى استنتاج نتائج كلية .

والأسلوب المتبع عندهم في تقوية العقل النظري هو في الدراسة المبكرة للعلوم العقلية الحقيقية، والتي تكون الغاية من دراستها هو معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه في الواقع، وهي بحسب الترتيب الزمانى: المنطق ——-> الرياضيات ——–> الطبيعيات ——–> الفلسفة الإلهية

وفي المرحلة الأولى  في علم المنطق يتعلم الطالب قواعد التفكير الصحيح في مقامى التصور والتصديق بحيث يصبح لديه ميزان عقلى منطقى تعصم مراعاته الذهن عن الوقوع في الخطأ في التفكير.

وهذا أمر ضرورى لطالب العلم حيث إن للتفكير قواعد عاصمة من الخطأ، كقواعد اللغة العاصمة من الخطأ في الكلام.

وفي صناعة المنطق يتعرف الطالب على المنهج المعرفي الصحيح وهو المنهج العقلي البرهاني الذى سيعتمد عليه الطالب بعد ذلك لتحقيق مسائل العلوم الحقيقة وهي الرياضيات والطبيعيات والفلسفة.

ثم ينتقل الطالب في المرحلة الثانية إلى دراسة الرياضيات، حيث إن مسائلها واضحة ويعين عليها الحس،فيسهل تطبيق المنهج العقلي عليها بسهولة، فيكتسب الطالب الثقة في نفسه وفي المنهج العقلى.

والأهم من ذلك هو أنه يتعلم البحث العلمى الموضوعى المجرد عن العواطف والميولات النفسانية التي يمكن أن تعوق الطالب عن الوصول إلى الحقيقة الواقعية،وتوقعه في الخطأ، كما هو الحال في المباحث العقائدية.

وفي المرحلة الثالثة يدخل الطالب إلى البحث الطبيعى، وهو أصعب وأعمق من البحث الرياضى،وإن كان يعين عليه الحس أيضا ولكن بدرجة أقل،ويستمر الطالب في تدربه في البحث الموضوعى عن الأسباب الذاتية للظواهر الطبيعية بنحو مجرد عن العواطف والميولات النفسانية أيضا كما كان في البحث الرياضى.

وفي المرحلة الأخيرة وبعد أن يكون الطالب قد تدرب على استعمال المنهج العقلي البرهاني الصحيح واعتاد على البحث العلمى الموضوعى،ينتقل إلى أدق المراحل وأخطرها،وهي مرحلة البحث الفلسفي عما وراء الطبيعة  في الموجود في الواقع للوصول إلى معرفة حقائق الأشياء وعللها،وفي مقدمتها المبدأ الإلهي الأول للوجود وصفاته وأفعاله

وعلى هذا الأساس يستطيع الطالب أن يبنى رؤيته الكونية على أساس عقلى متين بعيدا عن التأثيرات البيئية والأحاسيس العاطفية والأحكام المسبقة.

ومجموع هذه العلوم كلها، أى المنطق والرياضيات والطبيعيات والفلسفة الإلهية يسميها الحكماء بالحكمة النظرية، والتي يكون الغاية منها هو معرفة ما هو كائن في الواقع في عالم الطبيعة وما وراءها،وتنتهي بتأسيس الرؤية الكونية الواقعية حول العالم والإنسان.

وبعد الفراغ من تحقيق الحكمة النظرية ينتقل الطالب إلى مرحلة تحصيل الحكمة العملية التي تشمل أصول علم الأخلاق والاجتماع والسياسة،والتي تهدف جميعها إلى معرفة ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان والمجتمع من الناحية الأخلاقية والحقوقية والتربوية على أساس ما تم تحقيقه في مرحلة الحكمة النظرية.

ومن الواضح أن هذا المنهج التعليمى الفلسفي يباين تماما المنهج التعليمى المتبع في مدارسنا وجامعاتنا في المنهج والغاية.

أما بالنسبة للمنهج، فالطالب لا يدرس علم المنطق في المرحلة الابتدائية ولا يتعلم قواعد التفكير الصحيح أولا،بل يعتمد مباشرة على المنهج الحسى الاستقرائى – باستثناء العلوم الرياضية – ويعكف على دراسة العلوم الطبيعية والرياضية والتاريخ والجغرافيا طوال مدة دراسته. وعندما يصل إلى المرحلة الثانوية ويفتح أمامه باب التخصص، يخير الطالب بين ثلاثة علوم: الرياضيات والطبيعيات والعلوم الإنسانية التي يسمونها بالإنسانيات أو الأدبيات، حيث لا يعدونها من العلوم أصلا، وتشمل الفلسفة والأدب والتاريخ وعلم النفس والاجتماع والاقتصاد والحقوق والسياسة .

وطالب الرياضيات أو الطبيعيات يبقى معها إلى آخر عمره الدراسى لا يعرف غيرها، ولا يرقى فوقها إلى مقام التفلسف العقلى، فيبقى محصورا بطبيعة الحال في إطار الرؤية الكونية المادية.

أما طالب العلوم الإنسانية، فإما أن يتعامل معها تاريخيا بالمنهج التوصيفي كما في أكثر الأحيان وإما أن يعتمد على المنهج الحسى الاستقرائى- المناسب للعلوم الطبيعية- في مثل هذه المسائل الإنسانية، وكثيرا ما يعمل الباحث والمحقق ذوقه العرفي واستحساناته الشخصية في مقام النقد والتنظير لهذه المسائل المصيرية

وهذا المنهج بطبيعة الحال قد أدى إما إلى الجمود وعدم الإبداع أو أدى إلى ظهور نظريات سطحية وغريبة ومخالفة للعقل والدين، لاسيما في مجال علمى النفس والاجتماع وما يتوقف عليهما من العلوم التربوية كما أشرنا إلى ذلك من قبل .

أما بالنسبة للغاية المطلوبة من البحث العلمى في جامعتنا ومحافلنا العلمية فلم تعد هي معرفة حقائق الأشياء ومبادئها الأولى كما كان في الماضى،بل هي معرفة الأسباب القريبة للظواهر الطبيعية من أجل تسخيرها لمصالح الإنسان المادية والدنيوية لا غير.

وهذه الغاية قد أدت إلى غياب التوجهات الفلسفية الإلهية والقيم المعنوية،ورسوخ الاتجاهات المادية والإلحادية بين أكثر العلماء والمحققين وتسخير الانجازات العلمية فيما ينفي المصالح العليا الإنسانية، فتحقق التطور المادى وضاعت القيم الإنسانية المعنوية.

 الثاني تقوية العقل العملي:

والمقصود من العقل العملي هنا هي القوة العقلية التي تتحكم في العواطف والميولات النفسانية لتخضعها لأحكام العقل النظري.

بيان ذلك: إن جميع الأحاسيس العاطفية والميولات النفسانية ترجع عند فلاسفة النفس والأخلاق الإلهيين إلى قوتين نفسيتين هما القوة الشهوية التي تجلب النفع لبدن الإنسان والغضبية التي تدفع عنه الضرر،وهما موجودتان في الإنسان بمقتضى الحكمة الإلهية من أجل حفظ البدن الذى هو آله لاستكمال الروح بحسب العناية الإلهية.

ولكن في نفس الوقت فإن هاتين القوتين تسعيان بحسب طبيعتهما لجلب النفع ودفع الضرر بنحو مطلق،ودون أى قيد عقلى أو شرعى وهما من هذه الحيثية يشكلان خطرا كبيرا يهدد كيان الإنسان ويمنع تكامله الإنسانى الحقيقى.

ولذلك يؤكد الفلاسفة الإلهيون على ضرورة أن تعمل هاتان القوتان بنحو طبيعى تحت رقابة العقل العملي وإشرافه حتى لا تتجاوزا حدودهما بنحو يؤدى إلى إلحاق الضرر بالبدن أو الروح.

وهذه الحدود والمعايير القانونية يعينها ويرسمها لهما العقل النظري بنحو كلى على طبق المنهج العقلي البرهاني والرؤية الكونية الفلسفية، كما يرسمها لهما الشرع المقدس المؤيد من العقل النظري بنحو جزئى تفصيلى.

وقد وضع الحكماء نظاما أخلاقيا تربويا وسطيا على أساس أن كل فضيلة هي وسط بين رذيلتين، مثل أن الشجاعة وسط بين الجبن والتهور،وهكذا سائر الفضائل الأخلاقية،وجعلوا الغاية من هذا النظام هو حصول حالة الاعتدال في قبال حالتي الإفراط والتفريط، والتي سموها بملكة العدالة الأخلاقية.

وقد أيد الدين الإسلامى المبين هذا النظام الأخلاقى وأضاف إليه المزيد من الأساليب التربوية التفصيلية التي تهدف إلى تحقيق العدالة الفردية كمقدمة لتحقيق العدالة الاجتماعية.

وهذا السلوك الفلسفي في التربية يخالف تماما السلوك التربوي المعاصر في مناهجنا التربوية والقائم على أساس المنهج الحسى الاستقرائى والرؤية الكونية المادية،حيث يطلق فيها العنان للعواطف والأحاسيس والرغبات المادية بلا قانون عقلى أو شرعى طالما لم يؤدِّ ذلك إلى التعدى على حريات الآخرين المادية، وأصبحت فلسفة التعليم والتربية هي في تحقيق الكمالات المادية والسعادة الدنيوية للإنسان.

وأصبحنا نرى طلبة العلوم والمعلمين يتنافسون في التعليم والتعلم، لا من أجل معرفة حقائق الأشياء وبناء الرؤية الكونية الواقعية والنظم الأخلاقية والتربوية، بل من أجل تحصيل المدارك العلمية التي  تمكنهم من العمل بعد ذلك في المؤسسات الاجتماعية المختلفة وتحصيل الأموال والمناصب الاجتماعية.

وأصبح التعامل الأخلاقى بين الأفراد والهيئات الاجتماعية والحكومات قائما على أساس المصالح المادية لا غير.

وقد ترتب على هذا التوجه المادى المخالف للطبيعة الإنسانية في مجالى التربية والتعليم – على الرغم من التطور التقنى الكبير- عواقب سلبية كبيرة، نذكر منها:

1- تفشى الأمراض النفسية بين أفراد البشر،لاسيما في المجتمعات المتطورة ماديا.

2- التفكك والانحلال الأسرى

3- انتشار الجريمة المنظمة والانحطاط الخلقى في المجتمعات البشرية

4- وقوع الكثير من مراكز البحوث العلمية والصناعية في أيدى الأشرار،مما أدى إلى تسخير الانجازات العلمية في إنتاج الأسلحة الذرية والكيماوية والبيولوجية الفتاكة والمدمرة للعالم والجنس البشري،هذا بالإضافة إلى الاستفادة من التقنيات الإعلامية في تشويه الحقائق وترويج الفساد والانحلال الخلقى، وبالجملة كل ما يخالف المصالح العليا للإنسان

5- ضياع القيم الأخلاقية وضعف الالتزام الدينى بين الشباب بعد سيطرة الأفكار والتوجهات المادية على عقولهم.

نتائج البحث:

وفي الختام يمكننا أن نلخص نتائج هذا البحث في التالى:

1- بيان المفهوم الفلسفي للتربية والفرق بين التربية والصناعة

2- أهمية التعرف على الطبيعة الإنسانية واحتياجاتها الذاتية قبل الشروع في وضع البرنامج التربوي لها

3- بيان توقف المنهج التربوي على الرؤية الكونية عند المربى،وتوقف الرؤية الكونية على المنهج المعرفي

4- الإشارة إلى بيان المنهج العقلي عند الفلاسفة الإلهيين،وأنه هو المنهج العقلي البرهانى

5- الإشارة إلى الرؤية الكونية الفلسفية بالنسبة للعالم والإنسان

6- بيان أصول المنهج التربوي عند الفلاسفة الإلهيين في تقوية العقل النظري والعملي بناء على رؤيتهم الكونية

7- الإشارة إلى المنهج المعرفي الشائع في محافلنا التعليمية والتربوية،وهو المنهج التوصيفي والمنهج الحسى الاستقرائى وفي بعض الأحيان منهجية اللامنهجة في تحقيق مباحث العلوم الإنسانية

8- بيان الرؤية الكونية المادية الحاكمة على عقول  علماء النفس والاجتماع  وانعكاس ذلك على أصول المناهج التربوية وأساليبها العملية

9- الإشارة إلى كيفية مباينة المنهج التعليمى والتربوي الفلسفي مع المناهج المعاصرة على مستوى المنهج والغاية

10- بيان النتائج الوخيمة على المستوى الفردى والاجتماعى والسياسى بسبب الابتعاد عن المنهج العقلي الفلسفي والاعتماد على المنهج الحسى المادي.

 توصيات الباحث:

أولا- ينبغى على جميع المدارس والجامعات ومراكز البحث العلمى إذا أرادوا الاستقلال والإبداع الفكرى واالتحقيق العلمى المنطقى، الرجوع إلى أصول المنهج العقلي البرهاني في التفكير وفي تحقيق أصول المسائل الإنسانية على أساس علمى موضوعى بعيدا عن المناهج التوصيفية والحسية الاستقرائية والاستحسانات الشخصية

ثانيا- ينبغى الاعتماد على الرؤية الكونية الفلسفية عن العالم والإنسان في تأسيس علم النفس والاجتماع وبالتالى النظام التربوي والأخلاقى المناسب للإنسان بديلا عن الرؤية الكونية المادية

ثالثا- ينبغى السعى للتغيير الجوهرى في أصول البرامج التعليمية والتربوية المعاصرة على مستوى المنهجية والغاية التعليمية والتربوية،من أجل احترام عقل الطالب وتكامله بنحو ينسجم مع الطبيعة الإنسانية على أساس المنهج العقلي والتفكر الفلسفي،وذلك باعتماد العلوم العقلية بنحو مبكر وواسع وبصورة تدريجية، وترسيخ الغاية الحقيقية من التربية والتعليم، وهو أن العلم وسيلة للارتقاء بالإنسان لاسيما في بعده الروحي والمعنوي، وليس وسيلة للارتزاق أو تحقيق الرغبات المادية والجسمانية فقط.

رابعا- ينبغى تحرير المراكز العلمية والصناعية من الجهات التي تسخرها فيما ينفي المصالح الإنسانية العليا،من أجل أن يكون العلم والمنجزات العلمية في خدمة الإنسانية الواقعية والارتقاء بالإنسان وتحقيق التكامل والسعادة الحقيقية للمجتمعات البشرية.

* أستاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس أكاديمية الحكمة العقلية



займ на картукредит онлайн